أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق بوجع اللحظة .















المزيد.....

مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق بوجع اللحظة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 11:24
المحور: الادب والفن
    


في مساءٍ مثقلٍ بالأسئلة , تسلّق خياله مسوّدةً عارية , كان يضمرُ أن يرقّي بها ماءَ الفكرة , وأن يعيدَ للجذورِ بصرَها لتُبصرَ أمَّها الأولى , ثم همس لنفسه : ((ما دمتُ وراءَ سياجِ الصمت , فأنا أبرعُ في استفزازِ الحبر , وأقدرُ على أن أنقشَ طالعي على جبينِ اللغة , لكنّي لم أُثقل الروحَ بهذا العناء , فالعالمُ عليلٌ , يمشي على عكّازٍ هشّ )) , وعندما فاض الصبر , علا الحوار وسمع نفسه تصيح : ((يا درويش متى يبدأ التجلي ؟ )) حين ينتهى التحلى , (( متى ينتهي التحلي يا درويش ؟ )) عند تمام التخلي , (( كأن الصباح , حين يزهر بك , يصلح شيئًا خفيًا في ألروح , وتتلاشى آثار الندوب أمام نقاء الروح , فتعود القلوب لتُعلن حضورها بهذه الزهرة الهادئة , كأنها تقول : هنا يكمن بعض من شفائك , ألم أخبرك أنك سلامٌ يُشرب , لا يُقال ؟ )) .

في مساءٍ مثقلٍ بالأسئلة , تسلّق خياله مسوّدةً عارية , كان يضمرُ أن يرقّي بها ماءَ الفكرة , وأن يعيدَ للجذورِ بصرَها لتُبصرَ أمَّها الأولى , ثم همس لنفسه : (( ما دمتُ وراءَ سياجِ الصمت , فأنا أبرعُ في استفزازِ الحبر , وأقدرُ على أن أنقشَ طالعي على جبينِ اللغة , لكنّي لم أُثقل الروحَ بهذا العناء , فالعالمُ عليلٌ , يمشي على عكّازٍ هشّ )) , وعندما فاض الصبر , علا الحوار وسمع نفسه تصيح : (( يا درويش متى يبدأ التجلي ؟ )ليأتيه الجواب الممتعض : (( حين ينتهى التحلي )) , فردت نفسه بيأس باذخ : (( متى ينتهي التحلي يا درويش ؟ )) , ليرد عليه بأمر خافت وحانق : (( عند تمام التخلي )) , شعر انه تجاوز وعصى , فكتب على صفحة ماسنجر الدرويش : (( كأن الصباح , حين يزهر بك , يصلح شيئًا خفيًا في ألروح , وتتلاشى آثار الندوب أمام نقاء الروح , فتعود القلوب لتُعلن حضورها بهذه الزهرة الهادئة , كأنها تقول : هنا يكمن بعض من شفائك , ألم أخبرك أنك سلامٌ يُشرب , لا يُقال ؟ )) .

تلقى اجابة على الماسنجر لاتشفي الغليل : (( لا أحد يعرفني كما تعرفني أنت )) , فأستشاط حبا , وأستأنف الصراخ : (( أي تخلي يا درويش ؟ )) ليأتيه الرد البارد : (( عندما تتخلى النفوس عن شهواتها )) , خفت تردد صوته بالسؤال : (( أي الشهوات أخطر يادرويش؟ )) , فيجيبه الصوت الغارق في هدوء المتوحد : (( غيبة في مخلوق , ونظر الى حرام , وغرور يصحبه رياء )) , وعندما أفاق من الغفوة , تشجع وكتب على ماسنجر الدرويش معاتبا : ((لماذا نصفُ خطاكَ هنا , ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ , كأنَّكَ لم تكتملْ بأطرافِ صمتٍ كثيفْ ؟ وكيف تمضِ كما أنتَ , ولا تنثنِ رفيفًا , كثقلِ المؤجَّلْ , كأنَّ الخفوتَ جناحٌ ثقيلْ وثقيلًا كذكرى تميلُ , ولا تستقيمْ ؟ ولماذا التمسْ عذرًا لمن مرَّ ولم يلتفتْ , عندما كنتَ تمضي ببطءٍ إليكْ , كأنَّ الوصولَ انسحابٌ خفيٌّ ؟ ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ انشغلتَ بترتيبِ هذا الغيابْ , كأنَّ الغيابَ نظامٌ دقيقْ ؟ وكيف أفكُّ الشّيفرةِ , حيث إنَّه ليسَ كلُّ (( نعم )) منك موافقةً , وليسَ كلُّ (( لا )) رفضاً نهائيّاً ؟ تتركني كلاعبِ بوكر لا يمكنُ أن يقرأَ تعابيرَ وجهِ المقابل إن كانَ ينوي التقدم أو التراجعَ أو الانسحاب الجاد , وأنتَ مع الظلِّ واقفْ بزاويةٍ منسيّةْ , كأنَّ الزوايا تُخفي صداها , لا أحدٌ يُربكُ صفوَ روحِكَ , لا أحدٌ يسألُ: كيفْ ؟ )) .

انزاح الدرويش مهمها , وكتب : ((لا تعاتبني الكل يعاتب الا أنت , انت الذي كتبتني كما لم يعرفني أحد , ولم يكتبني الاك , الآن امسكت المصحف حتى اقرأ بعض اورادي قبل الدخول لمعمعة اليوم , أنا لاأستطيع ان انطق كلمة او أقوم بعمل ما , الا عندما أقرأ ما تيسر , لأني سماوي نزلت للارض لبرهة زمن وسأعود وقت الميعاد , لقد صليت الضحى , وبكيت في الركعة الاخيرة كثيرا , يبدو انني لازلت احتفظ بصلتي جيداً مع الله , لقد اخبرته انني بحاجة لعونه , لقد كانت الايام مؤخرا لا تخلو من الصعوبة )) , ردد هامسا : (( اصبح الصعب ثوبا )) , جاءت كلماته الدرويش المقهقهة : (( قلت لك يوما تعال وعش نهاراً معي سترى ان نهاري غالباً بلا شمس )) , أجاب بصوت منقطع الأنفاس : (( ماذا يفعل من كنت شمسه ؟ كم خسر محبي الارواح , قبلك , الأجمل انت )) .

أضمحل الصوت , فكتب على صفحتي : (( رغم أن التاريخ تكتبه القوّة الاّ أن تاريخك معي لن تقوى قوى العالم مجتمعّة على تحريفّ حرفٍ من نصوصّه التي كتبتها أنتَ تحت شمس الظهيرة النازفة بعرق تعبك وبهمس الليلْ الساكن بين ضُلوع وحدتك )) , أرتبك العقل والفؤاد فخر صائحا : (( وماهو الرياء يادرويش ؟ )) , التزين للناس من أجل الناس , وهو قلب مقلوب عن الاخلاص , (( وهل ينقلب القلب يادرويش ؟ )) , نعم إذا إنشغل بالناس عن رب الناس , هدر الصوت من الأعالي : سلامٌ على قومِ الحبر, حيثُ تتزاحمُ الحروفُ على ثغرِ القلم , كأنّها جموعٌ تستنجدُ باللغة من صمتٍ مُقيم , أمدُّ شِباكي إلى نصٍّ يليقُ بوجع اللحظة , غير أنّ العالمَ - وقد أضناه العطب - يمشي على عكّازٍ واهن , يتكئُ على ظلالِ المعنى ولا يبلغُ يقينَه.

وإن بدت بعضُ الظلالِ عصيّةً على الفهم , فالعذرُ إلى وعي يتكوّن , لا يزالُ يتعلّمُ أبجديّةَ الدهشة , فأمتشق السؤال : (( وماهو الإخلاص يادرويش ؟ )) قال : أن تكون كلك لله , من غير التفات منك الى حظوظ نفسك , (( وماهي حظوظ النفس يادرويش ؟ )) قال : حب الظهور والرئاسة والتصدر والسلطنة , (( وماهو حبل النجاة يادرويش ؟ )) قال : حكم عقلك على هواك , وقلبك على نفسك , (( أليس العقل نعمة والقلب حكمة يادرويش؟ )) نعم , ولكن بشرط غياب الحجاب فالعقل للملك لا للملكوت والقلب للفقه عن الله , لا للمنازلات عليك بالروح , (( وماهي الروح يادرويش ؟ )) سر قديم أودعه الله فينا , (( كيف يادرويش؟)) تشرفت الإرواح بخطابه منذ الأزل فشهدت بما لم يشهده العقل والقلب .

شعر ان مزاج الدرويش ملائم لتلقي الأسئلة , فقال : ((متى تعتدل الرؤيه يا درويش ؟ )) حين يبدأ التأمل , (( ومتى يبدأ التأمل يا درويش ؟ )) حين ينتهى الذنب , (( ومتى ينتهى الذنب يا درويش ؟ )) حين تدمع العين , (( ومتى تدمع العين يا درويش ؟ )) حين تنظر الروح , (( ومتى تنظر الروح يا درويش ؟ )) حين تبصر النفس , (( ومتى تبصر النفس يا درويش ؟ )) حين يرى القلب , (( ومتى يرى القلب يادرويش؟ )) حين تتجرد إليه وحده , (( وما التجرد يادرويش ؟ )) أن تتيقن , كُلُّ مَنۡ عَلَیۡهَا فَانٍ , وَیَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَالِ وَٱلۡإِكۡرَامِ , (( متى أول رؤيا للقلوب يا درويش ؟ )) حين يولد الانسان , (( ومتى آخر رؤيا يا درويش ؟ )) حين يفنى الإنسان , (( ومتى يفنى يا درويش ؟ )) حين يتصوف العبد , (( وما التصوف يا درويش ؟ )) أن تزهد بكل شئ يشغلك عن مولاك .

هذه الكلماتُ التي وُلِدت هنا ليست إلا خلاصةَ عقلٍ استيقظَ بعد غفوة , وانتصرَ على رقعةِ سكونٍ كانت تُغريه بالاستسلام , خرجت من رحمِ الأوراق أفكارٌ تتّخذُ الصمتَ مسارًا , وتسبحُ في أنهارِ اللغة , تعجنُ المفرداتِ على مهل , تمتصُّ لهيبَها , تتقافزُ في بهاءِ المجاز, تُحسنُ ترتيبَ أزرارِ المعنى , وتفتّشُ عن أممٍ تُجيدُ الإصغاء للحبر.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق بوجع اللحظة .