أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح.














المزيد.....

مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 09:39
المحور: الادب والفن
    


ارنستو ساباتو طالب الفيزياء النبيه الذي تركها وغدا لاحقاً روائياً مشهوراً , خاطبه جيدو بيك تلميذ انشتاين قائلا : (( بتركك الفيزياء واتجاهك للأدب فقد استسلمت للشعوذة )) , عبارة غير مريحة لجيلنا الخمسيني الذي نشأ على حس الخيال الجميل , والمتعود على الانطلاق في رحاب الميتافيزيقيا التي لا تخضع لأي قوانين أو قواعد علمية, وأن الخيال أهم من المعرفة , فالمعرفة محدودة بينما الخيال كلا , وعليه فأن كلام جيدو بيك يبدو لنا انه يعبر عن تحيزات ادراكية , إن التحول من (( فيزياء الكم )) إلى (( فيزياء الكلمة )) ليس استسلاماً للشعوذة , بل هو بحث عن (( المعنى )) الذي قد تعجز المعادلات عن تفسيره, وتلك هي الجدلية الشائكة بين (( المسطرة )) و(( المجاز )) , وبين عالم الذرة وعالم الكلمة , التي تفسر كيف يمكن للفيزياء أن تكون جسراً للأدب لا عائقاً له.

لقد كان يُنظر إلى المعرفة والخيال كخطين متوازيين لا يلتقيان , وقد أثبتت تجارب مبدعين مثل ارنستو ساباتو أن هناك (( وعاءً واحداً )) يستوعبهما , العلم يقدم الهيكل والمنطق , والأدب يمنح هذا الهيكل الروح والمعنى , إن الانتقال من الفيزياء إلى الرواية هو انتقال من دراسة (( المادة )) إلى دراسة (( المصير البشري )) , وبالنسبة لجيلنا الذي يتحسس برودة اليقين مقابل حرارة الخيال , وينتقد التفسيرات العلمية (( الباردة )) التي تخلو من حس الخيال , بما يبرز دور الأدب كـ (( شعوذة )) حميدة , فهو يقتحم المتاهات التي لا تجرؤ القوانين الفيزيائية على دخولها , وإذا كانت الفيزياء تفسر كيف يضيء النجم , فإن الأدب يتساءل عن شعور الإنسان وهو يتأمل ذلك الضياء , وكما قال أينشتاين : (( الخيال أهم من المعرفة )) , لأن المعرفة محدودة بما نعلمه الآن , بينما الخيال يحيط بالكون كله.

أن الانحباس في العلوم الطبيعية والتقسيم الدقيق للعمل قد يؤدي إلى (( الازدهار الاقتصادي )) , لكنه يورث (( الاغتراب وفقدان المعنى )) , فالأدب والعلوم الإنسانية هما الترياق لهذا الضيق , وهما يحميان الإنسان من أن يتحول إلى مجرد ترز في آلة الإنتاج , ويعيدان إليه صبغته الميتافيزيقية العجيبة , وتتجلى قيمة الرواية في كونها (( أرضاً جديدة تضاف إلى خيالنا )) , إن تجربة ساباتو - طالب الفيزياء الذي غدا روائياً - تؤكد أن الأدب ليس هروباً من الحقيقة , بل هو غوص في حقيقة أعمق لا تطالها المجاهر , وانه (( قيامة )) دائمة للأفكار , وهوخلق لعوالم تتجاوز المنطق الرياضي لتلامس جوهر الوجود.

ان الفيزياء والأدب والفلسفة ليست سوى (( فواكه )) في مأدبة المعرفة الإنسانية , لكل منها نكهته , والإنسان المكتمل هو من يشتهي تذوقها جميعاً , فالعلم يضبط إيقاع العقل , والأدب يحرر نبض القلب , وإن ترك ساباتو للفيزياء لم يكن تخلياً عن (( الحقيقة )) , بل كان إدراكاً بأن الحقيقة أكبر من أن تُختصر في معادلة , وأن (( المتاهة )) التي توفرها الرواية هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه فهم التعقيد البشري بعيداً عن برودة المختبرات , إن صدمة (( جيدو بيك )) من تحول تلميذه ساباتو تعكس نظرة العلم الكلاسيكي الذي يرى في الأدب (( شعوذة )) أو خروجاً عن الصراط المستقيم للمنطق , لكن الحقيقة أن الفيزياء الحديثة (( خاصة ميكانيكا الكم )) هي التي علمتنا أن العالم ليس (( آلة )) جامدة.

حين يترك عالم فيزياء مختبره ليركب بحر الرواية , فهو لا يترك الحقيقة , بل يترك (( النتائج الجاهزة )) , الفيزياء تعطينا أرقاماً عن سرعة الضوء , لكنها لا تخبرنا عن سرعة مرور العمر في لحظة وداع , الأدب هو المختبر الذي يُجري فيه المبدع تجاربه على (( المشاعر )) بدلاً من (( الجزيئات )) , وعندما قال أينشتاين إن (( الخيال أهم من المعرفة )) لم يكن يطلق شعاراً عاطفياً , بل كان يصف منهج عمله , فالنظريات الكبرى بدأت كـ (( تجارب ذهنية )) أي قصص قصيرة في عقل العالم , كما ان المعرفة بطبيعتها تراكمية ومحدودة بما تم اكتشافه , أما الخيال فهو (( انفجار )) يتجاوز الحدود , وعندما استسلم ساباتو لـ (( الشعوذة )) الأدبية , فإنه في الواقع استخدم (( الخيال العلمي )) ليخلق (( واقعاً إنسانياً )) , والأدب هنا لا يعارض العلم , بل يكمل نقصانه , فالعلم يفسر (( المادة )) والأدب يمنحها (( القيمة )) .

أن الانغماس في العلوم الطبيعية والبحث عن الربح يؤدي إلى الازدهار ولكن على حساب (( المعنى )) وهذا هو جوهر مأساة الإنسان المعاصر , فالعلم الحديث بتخصصه الدقيق جعل الإنسان (( برغياً )) في ماكينة ضخمة , هذا التجزؤ يؤدي إلى (( ضيق الأفق )) هنا يأتي الأدب ليعيد (( الكلية )) للإنسان , الرواية هي (( أرض جديدة )) لأنها تسمح لنا بأن نعيش حيوات متعددة , وبأن نرى الرابط الخفي بين سقوط تفاحة (( فيزياء )) وسقوط دمعة (( أدب )) , إنها تحمينا من التحول إلى مجرد (( أرقام )) في سجلات الاقتصاد , في الفيزياء , المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم , أما في الأدب , فالمبدع يستحدث عوالم من (( بياض الورق )) , الأدب هو (( القيامة )) المستمرة للأفكار المنسية , وهو الذي يجعلنا نؤمن بأن هناك مساحات في الروح البشرية لا يمكن قياسها بـ (( الترمومتر )) أو (( الميكرومتر )) , إنها (( الشعوذة )) التي تجعلنا نبكي على شخصية ورقية أو نرتجف من فكرة مجردة.

ختاما لا يوجد صراع حقيقي بين التخصصات , بل هو صراع في العقول الضيقة , والمبدع الحقيقي هو (( موسوعي )) بالفطرة , ساباتو لم ينسَ فيزياءه حين كتب رواية (( النفق )) أو (( أبطال وقبور )) , بل نقل إليها الدقة العلمية والتحليل العميق , الوعاء الواحد الذي يجمعهما هو (( الوعي البشري )) ,و الأدب ليس بديلاً عن العلم , بل هو (( الأفق )) الذي يطير فيه العلم لكي لا يسقط في بئر الجمود.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .


المزيد.....




- بيت المدى يحتفي بالشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي بمناسبة مئ ...
- عواطف نعيم: المسرح العراقي يمتلك هوية تضاهي المسارح الكبرى
- حملة “خلّينا نزرع” تُحيي فضاء مدرسة الموسيقى والباليه بالتشج ...
- ابن بطوطة والأمير الصغير في سفر معرفي بمعرض الرباط الـ31 للك ...
- مخرجة فيلم -السودان يا غالي- هند المدب: هدف الحرب الأهلية هو ...
- الشاعر القطري شبيب بن عرار: في الأزمات الشاعر لا يملك ترف ال ...
- المعرض الدولي للكتاب بالرباط يحتفي بالرحالة بن بطوطة
- مهد فن الطهي الراقي في خطر.. كيف تهدد الوجبات السريعة ثقافة ...
- بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ - ...
- -متحف الانتحار- يفتح جرح لا مونيدا: المدى تحصل على حقوق ترجم ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح.