أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر.














المزيد.....

مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 14:12
المحور: الادب والفن
    


بعد خروجنا من مقهى ابو رقية , قمنا بسحب الأفندي تحسين الى جلسة في أحد خانات بعقوبة القديمة , ثم تعاملنا معه بطريقة عصف الأفكار المعتادة , ليومض لنا وهو يتكلم عن الخلود بالبيت الشعري لأحمد شوقي عندما وصف زيارته للزعيم الوطني المصري مصطفى كامل وهو على فراش الموت , وكيف كان الترحاب به : (( فهششت لي حتى كأنك عائدي وأنا الذي هد السقام كياني )) , وهو جزء من قصيدة مشهورة في رثاءه له , وفي الشرح , (( فهششت لي )) أي أظهرت الفرح , والترحيب , والسرور بلقائي , و(( كأنك عائدي )) , كأنك الشخص الذي يزورني - من العيادة - عند مرضي , فيكرمه ويحنو عليه , والمعنى العام , يصف الشاعر طيبة نفس مصطفى كامل وحسن استقباله , حيث كان يستقبله بحفاوة بالغة وشوق كبير , وكأنه عائد مريض يزور أخاه , وذلك دليل على المحبة والمودة الصادقة.

وفي رحلة الغوص في أعماق هذا البيت البديع لأمير الشعراء , فأنه لايعتبر مجرد وصف لحفاوة استقبال , بل هو تكثيف فلسفي لعلاقة (( الأنا )) بـ (( الآخر)) في أسمى صورها , وعندما نقوم بتحليل العمق النفسي والجمالي في قوله (( فهششت لي كأنك عائدي )) , يقلب شوقي موازين المنطق المعتاد في اللقاءات , وانكسار الحواجز الطبقية , مصطفى كامل كان زعيماً ملء السمع والبصر , وشوقي شاعر القصر ومكانته مرموقة , ومع ذلك , يصف شوقي (( الهشاشة )) - وهي خفة النفس والسرور - وكأنها فعل تلقائي لا كلفة فيه , الزعيم هنا لا (( يتواضع )) بل (( يتودد )) وهناك فرق شاسع , فالتواضع قد يشعرك بالمسافة , أما (( الهشاشة )) فتمحيها , ثم هناك بلاغة التشبيه ((عائدي )) , لماذا لم يقل (( كأنك والدي )) أو (( كأنك أخي؟ )) , اختار (( العائد )) - زائر المريض - لأن العائد يأتي بقلبٍ رقيق , وبنية المواساة , وبكلامٍ طيب يرمم الروح , وشوقي يصور نفسه هنا في حالة (( احتياج نفسي )) وجد من الزعيم (( دواءً )) في مجرد ابتسامته.

يمكننا تطويرهذا المعنى من الرثاء إلى فلسفة التعامل ليكون منهجاً في (( ذكاء القلوب )) , ان الاستقبال كرسالة سيادة في علم النفس الاجتماعي فأول 7 ثوانٍ من اللقاء تحدد مسار العلاقة , (( الهشاشة )) التي وصفها شوقي هي أقصى درجات الذكاء العاطفي , أن تشعر الطرف الآخر بأنه (( مرئي )) و(( مرحب به )) و(( مهم )) , ثم كيمياء اللقاء , حين يهتز (( يهش )) الإنسان للقاء غيره , فإنه يمنحه طاقة إيجابية فورية , وشوقي يعلمنا أن العظمة ليست في (( الهيبة الصامتة )) أو (( الجمود الوقور )) بل في القدرة على إبداء الفرح بالآخرين.

يعلمنا هذا البيت أن (( الإنسان موقف )) , وأن أرقى أنواع النبل هو أن تمنح الآخرين شعوراً بالأمان والسرور بمجرد رؤيتك , وكأنك تداوي جراحهم بجميل ترحابك , وفي قصيدة الرثاء فأن شوقي لا يبكي شخصاً , بل يبكي (( نموذجاً إنسانياً )) , فحين قال (( كأنك عائدي )) , كان يصف كيف أن مصطفى كامل - الزعيم - كان يملك قدرة عجيبة على جعل كل شخص يقابله يشعر بأنه هو (( الأهم )) , وإن الإسهاب في بيت (( فَهَشَشْتَ لِي كَأَنَّكَ عَائِدِي )) , يفتح لنا أبواباً واسعة في فلسفة الأخلاق وعلم النفس الاجتماعي , فهذا البيت ليس مجرد مديح عابر , بل هو تشريح لـ (( لحظة اللقاء )) التي تصنع الروابط الإنسانية العميقة.

وفلسفة (( "الهشاشة )) هي انها الحركة التي تسبق الكلام , فكلمة (( هششت)) في اللغة العربية مذهلة , فهي تدل على التكسر واللين - كغصن الشجر الهش - وأيضاً على الارتياح والسرور , والانفعال الجسدي عندما يصف حالة تتجاوز (( الابتسام )) فالهشاشة هنا هي اهتزاز الكيان كله فرحاً باللقاء , وهي حركة عفوية تظهر على الوجه والعينين قبل أن ينطق اللسان بـ (( أهلاً )) , وكسر الجمود, حيث انه في عالم السياسة والزعامة , غالباً ما يتدرع القادة بالوقار الجامد للحفاظ على الهيبة , لكن شوقي يثبت أن عظمة مصطفى كامل كانت في قدرته على خلع هذا (( الدرع )) فور رؤية صديق أو محب , ليكون (( إنساناً )) أولاً.

تظهر سيكولوجية الحنان في استعارة (( العائد )) , لماذا اختار شوقي تشبيه (( العائد )) - زائر المريض- تحديداً ؟ هنا يكمن الذكاء الشعري, وتفاوت القوة, ان المريض في حالة ضعف واحتياج , والعائد في حالة قوة وقدرة , ومع ذلك , العائد لا يأتي ليفرض قوته , بل ليمنح رفقاً , وشوقي يصور نفسه - رغم مكانته -وكأنه كان (( محتاجاً )) لجرعة من الأمل , وجدها في (( هشاشة )) الزعيم , ثم نلاحظ التركيز الكامل , العائد عندما يدخل على مريض , يترك كل مشاغله خلف ظهره ويركز كلياً على من يزوره , وشوقي يقول لنا : (( كان مصطفى كامل حين يستقبلني , يمنحني شعوراً بأنني مركز كونه في تلك اللحظة )) , وهذا أسمى أنواع التقدير.

وفي الختام يمكننا استخلاص دروس عملية من هذا البيت لتطبيقها في حياتنا المعاصرة , من خلال (( إتيكيت )) الروح قبل الجسد , والدرس هنا أن الاستقبال ليس (( بروتوكولاً )) بل (( شعور )) , لإن إظهار الفرح بلقاء الناس (( سواء في العمل , البيت , أو الشارع )) هو فعل يرمم أرواحهم , وهو رسالة صامتة تقول للآخر: (( وجودك يسعدني )) , ثم درس القيادة بالحب لا بالرهبة , فالزعيم الحقيقي هو من يهش له الناس ويحسون بحنوه , وليس من يرتعدون منه , وشوقي هنا يخلد ذكرى مصطفى كامل ليس بانتصاراته السياسية بل بـ (( جبر الخواطر )) , ثم نأتي الى أدب التواضع الواعي بأن تكون (( عائداً )) يعني أنك تتنازل عن بريقك لتضيء عتمة الآخر , التواضع هنا ليس ضعفاً , بل هو سخاء عاطفي يمتلكه العظماء فقط , ان عبارة (( فَهَشَشْتَ لِي كَأَنَّكَ عَائِدِي )) هو قانون في فنون التواصل, إنه يعلمنا أن الكلمة الطيبة والوجه الطلق هما (( طب )) للقلوب المجهدة , وأن هذا النوع من (( الرقة في القيادة )) هو ما نفتقده في زماننا هذا .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .


المزيد.....




- إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق
- قاسم إسطنبولي.. حين يتحول الفن والمسرح الى المقاومة الثقافية ...
- عودة أنيقة لفيلم The Devil Wears Prada 2 .. ميريل ستريب وآن ...
- لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
- الرمز البصري لتيار ما بعد الإادراك العرش
- الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
- فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو ...
- بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با ...
- الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر.