أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نضج .














المزيد.....

مقامة نضج .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 09:53
المحور: الادب والفن
    


مقامة نضج :

مع الموسيقى , وعلى ألأمواج الهادئة لبحر بلا قرارات , بعثت له هذه الكلمات : (( أغلى ثمن تدفعه في حياتك هو ضريبة عاطفتك وصدقك وأخلاصك لأنك كنت حقيقيا جدا في عالم يحب الأقنعة أكثر من الوجوه الصادقة وستفهم ان نقائك كان امتحانا لقلب لم يخشَ ان يمنح نفسه بكل صدق فالأصالة مكلفة والقلوب الصافية تدفع الثمن لأنها لا تعرف الزيف ومع ذلك تبقى اغنى القلوب لأنها عاشت كما هي دزن تزييف ودون تنازل )) , كلمات ناضجة , تحمل شجن الحكمة , ورفعة النفس التي لا تليق إلا بمن صقلتهم تجارب الحياة , وعاشوا بقلوب بيضاء في زمن رمادي.

كانت قد شكت قبلها من الألسنة , وهو ماانفك يفسر لها انه في التصوّف , لا تُعدُّ الرحمةُ خُلُقًا اجتماعيًا فحسب , بل مقامًا روحيًا لا يبلغه إلا مَن خفَّ حضورُ الأنا في داخله , فكلما اتّسعت مساحةُ الرحمة في النفس , ضاق الاحتياج لإثبات الذات , لذلك جاء القول الإلهي جامعًا : (( ورحمتي وسِعَتْ كلًّ شيء )) , و كان الفيلسوف الصوفي مُحيي الدين ابن عربي يرى أن الوجود يتحقّق في الحب والانفتاح على الآخر , وأن الرحمة هي صورةٌ من صور (( وحدة الوجود )) التي تجعل الإنسان يرى (( الآخرَ )) امتدادًا لوجوده , لا خصمًا مهددًا , الرحمة بهذا المنظار تتجاوز الشعور المؤقّت بالذات , لتكون تجربة وحدوية تستدعي المسؤولية تجاه الآخر.

كلماتها تلامس القلب بعمق , وتعكس معدنها النفيس الذي لم يزدد مع السنين إلا بريقاً , والأصالة ضريبة يدفعها الأنقياء بكل رضا , لأنهم يدركون أن راحة الضمير وصدق الوجه لا يُقدّران بثمن , ظلت منارة في الصدق , ويتدفق من قلبها غنى النفوس والطهر , دافئة ووجدانية , راقية في التعبير , من يقرأها يرى فيها روحها الصافية التي لم تغيّرها الأيام , والصدق في هذا العالم قد يكون مكلفاً فعلاً , لكنه يمنحنا خفةً في الروح لا يشعر بها أصحاب الأقنعة , وهي لم تخسر شيئاً , بل ربحت نفسها وعاشت حقيقتها , وهذا هو الفوز الأكبر.

يقول جلال الدين الرومي : (( كل الناس تسمع صوتي إلا أنت تسمع قلبي )) , وعندما سُئل يومًا عن معنى السمّ , أجاب : (( السمّ ليس في زجاجة ولا في طعام , بل في كلّ ما يتجاوز حاجتنا , قد يتجلّى في قوّةٍ تُطغينا , أو ثروةٍ تُغرقنا , أو جوعٍ لا يهدأ , أو طمعٍ لا يعرف حدًّا , قد يختبئ في حبٍّ يستعبدنا , أو غرورٍ يُعمينا , أو طموحٍ يلتهمنا , أو كراهيةٍ تحرقنا , أو كسلٍ يخدر أرواحنا , فالسمّ هو كل فائضٍ يفسد توازننا , مهما بدا جميلًا أو مرغوبًا )) , نصها يفيض بالحكمة والصدق , فعلاً , القلب الذي لا يعرف الزيف هو القلب الذي لا يشيخ أبداً , شكرها لأنها كانت وما زالت نموذجاً للأصالة في عالم يملؤه التزييف , وبوصلة تدل السالكين على معنى أن يبقى الإنسان وفياً لنفسه مهما كان الثمن.

لكن خلف هذا الهدوء الصوفي , كان ثمة بركان من الشك ينتظر اللحظة ليفور , لقد أراد ان يخلق لها جسراً مدهشاً بين السماوات الصوفية الصافية وبين دهاليز الوجودية المظلمة , ليرسخ في وعيها ان التباين هو ما يمنح الأدب (( خلوداً )) لأنه يلمس الحقيقة الإنسانية بكل تناقضاتها , وأخيرا جائته الجرأة , واستلَّ لها نصا أعجبه , يقول : (( نحنُ لسنا عُشاقاً كما يزعم الشعراء , نحنُ مجرد أخطاءٍ برمجية في قصيدةٍ كونيةٍ كتبها إلهٌ غلبه النعاس فتاهت منه القوافي , نحنُ نحبُّ فقط لكيلا نسمع صوت تكسّر عظامنا في مطحنة الزمن التي لا تتوقف , ما الحبُّ إلا محاولةٌ يائسة لترميم جرةٍ مكسورة بماءٍ مسكوب مسبقاً , أنت لستَ نصفاً يبحث عن نصفه الضائع , أنت صفرٌ مستدير يتوهمُ أنه سيصبحُ واحداً إذا ما عانقَ صفراً آخر في زاوية معتمة من زوايا الوجود , والآن , يا رفيقة السديم , إليك (( مأدبة الهذيان )) الكبرى , حيث يجلس نيتشه بمطرقته التي تحطم الأوهام , وسيوران بسمّه الذي يقطر مرارة , على أطلال زقورة متهدمة , هناك , يرتشفان مرارة الوجود من جمجمة تموز المشروخة , ويتجادلان حول تلك الخديعة الكبرى التي نسميها (( الحب )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .


المزيد.....




- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس
- 27 رمضان.. يوم واحد قلب تاريخ 4 دول كبرى
- العشر الأواخر في اليمن.. حين يتحول ختم القرآن إلى عرس روحي
- القائمة الكاملة بالفائزين في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ98 ...
- مجلة سورياز الأدبية الثقافية تصدر عددها الأول بملف عن مئوية ...
- الأوسكار 98: -بوغونيا- يحصد الجائزة الكبرى و-صوت هند رجب- يف ...
- فيلم -معركة تلو الأخرى- لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوس ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نضج .