أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .














المزيد.....

مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


كان لا يشتكي الوحدة , بل يراقص المناجل بيديّن عاريتين , موقناً أن من يراقص الموت هكذا هو مشروع (( ملاك )) قيد التكوين , فمع أول ضربة منجل , سيستحيل بدراً تماماً , كان يغفو ويصحو على حلم ذاك (( العراق )) , يعتدل في فراشه باكياً كلما تذكر انتماءه لأهله الطيبين , ولشرطيّ في (( بعقوبة )) كان يلمّ السكارى في آخر الليل , لا ليحبسهم , بل ليركبوا سيارة الدولة كضيوف ويُقلّهم إلى بيوتهم آمنين , حينها , كان العراق أماً أطعمتْه حتى غادر, وأباً أدّبه بحزمٍ حتى استقام عوده , وفي غمرة رقص المنجل وحزوزه في جسده , يصرخ شغفاً : (( أنا لا أرثيه , ولا أشفق على عراق اليوم , أنا أشفق على ذاكرتي التي تعجز عن إفراغ ما حملتْه من جَمال , وحمّلني حنينه ثقلاً إلى اليوم )) .

هو من جيلٍ علمه الوفاء ألا يسيء لمن أحسن إليه , تماماً كرمانةٍ تتدلى وحيدة كأنها (( قلب الأرض )) , نسيَت أن تنزف مع الآخرين فلم يقطفها أحد , ربما لأن العصافير رأت فيها مرآة لجرحٍ قديم , أولأن الندى خشي أن يوقظ فيها الحنين , وتحت تلك الرمانة , ينام ظلي , يحسب أن الوقت سيعود متعباً من الركض ليملأ فمه بالماء ويقول : (( كنتُ هنا )) , لكن الرمانة انفجرت بصمتٍ , كحرفٍ ضائع في كتاب مقدس , تسرب منها لون الدم وفاحت منها رائحة الخسارة.

استحضرتُ حينها لازمة التراث الفلسطيني : (( يما مويل الهوا , يما مويليا , ضرب الخناجر ولا حكم النذل بيّا )) , من أين لك كل هذا الوجع؟ وما الذي حرك فيك هذا العويل؟ كنتُ أظن أنني أسبق الجميع في حب العراق , لكنك أبكيتني بصدقك الذي فاق احتراف الكُتّاب , هو لقاءُ عشقٍ في (( ساعة خارج الزمن )) , نلتقي رغم الطعنات والمسافات , نغني أغنيات ملونة بالدماء , ونحلق في سماوات بعيدة مع صهيل القلب الذي لا يزيدنا إلا اشتعالاً , حديثك شفيف كأنه شفق يخترق عتبة القلب , يعيد فتح أبواب قصصٍ ساحرة معطرة بعبق (( قداح ديالى )) , وياسمين دمشق , وجمال المدن الفرعونية.

وفي (( روض الرياحين )) قرأتُ عن حاجٍ طاف بالبيت يدعو: (( يا من لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي , هب لي ما لا ينفعك , واغفر لي ما لا يضرك )) , ثم قال: (( اللهم إن الناس ذبحوا ضحاياهم تقرباً إليك , وأنا ليس لي سوى نفسي أتقرب بها إليك فتقبلها)) , ثم شهق شهقةً وخرّ ميتاً , رأيتُه في المنام فقلت : ما فعل الله بك؟ قال: فعل بي كما فعل بشهداء بدر وزادني , لأنهم قُتلوا بسيوف الكفار , وأنا قُتلتُ بمحبة الجبّار .

في دهاليز الصراع بين (( الخناجر والعُرى )) , لا تدرك قيمة الشيء إلا حين تفقده , وحين رجعَ على نقطة البداية , فاجأه الانطلاق , همّ بركوب الزمن فخانه التوجّه , فسقط في المربع الأول , هناك وقفت (( المريدة )) صاغرة بانتظار أمره , فداعبه غرور وصفعته بلادة , حتى سألها بتردد : (( هل لكِ حاجة ؟ )) , كانت مراوغةً وهبها الأمان , فهجعت إلى صخبه , وانصاعت لجبروت الحيلة , بينما انقلب هو على ذاته , وسكنه الرعب , وأوثقه الصمت ضد نفسه ليتلقى الطعنات وحيداً.

سأل (( الدرويشُ )) ذاك المطعون : (( هل سمعتَ كلاماً معدنياً ؟ )) , نفى المطعون , فقال الدرويش : (( اسمع , البراغي فوارز معدنية , نغرسها في جُمل الخشب والحديد , ليكتمل السرد , والبراغي مسالمة لحظة الغرس , في رأسها حزٌّ يثبت فيه مخلب المفك , تدور بعزيمته صامتة , فلا يصلنا صراخها ولا صراخ الخشب , تبقى كاتمةً لضيق تنفسها , تحلم بمفكٍ ينتزعها ليرميها في علبة تصطدم فيها بالمسامير العوجاء , فتبتسم زهواً لأن المطارق تتحاشاها , من صنع البراغي لا يثق بالمسامير , ولا يحب الضجيج , بل يهوى الهدوء )) , تلك هي فلسفة البراغي الصامتة المتينة , فوا عجباً , لِمَ اخترنا نحن المناجل؟

بقلم: صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.


المزيد.....




- أشبه بفيلم سينمائي.. تفاصيل رحلة خروج منير الحدادي من إيران ...
- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- رمضان في الأردن.. طقوس يومية تصنع هوية لا تشبه سواها
- حنين بصوت القرآن.. محمد رشاد الشريف كما يتذكره الأردنيون
- كواليس أزياء مسلسل -بالحرام-..فستان مضاء بتقنية LED وتصاميم ...
- الشاعرة أمينة عبدالله تعلن عن ترشحها لعضوية مجلس إدارة إتحاد ...
- الشاعرة أمينة عبدالله وبرنامج انتخابي طموح يتنفس التغيير يمث ...
- وثائق إسرائيلية رسمية تعزز الرواية الفلسطينية حول مجازر النك ...
- هل أصبح العالمُ بلا روحانيَّةٍ؟
- بين الشعار والقرار: كيف نفتخر بالعربية وجامعاتنا تقلّصها؟


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .