أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة دم الحكاية.














المزيد.....

مقامة دم الحكاية.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 13:13
المحور: الادب والفن
    


مقامة دم الحكاية :

يقدم لنا المندلاوي الجميل نصا قصصيا قصيرا للكاتبة الشامية نجاح إبراهيم استله من مجموعتها الصادرة عام 2024 (تأبط دم الحكاية ) , ويقول عنه , ((حكاية واقعية نادرة تتنبأ )) : (( عجوز يهودية احتفلت بعامها السادس بعد المائة , كان المحتفلون بها يطفئون الشموع , ويقطعون الكعكة , ضحكت بصوت عال وقالت : سأقول شيئا , ترك المحتفلون كل شيء , والتفوا حولها , وراحوا يفكرون بما ستقوله هذه العجوز الخرفة , قالت : هناك امر لاتعرفونه , طويته مائة عام , وان الاوان كي ابوح به : (( حين كنت في السادسة من عمري , كلفت بأن اقدم باقة ورد لتشرتشل لانه صاحب فكرة وعد بلفور , فزار بلدية تل ابيب , واراد المسؤولون ان تكون البلدية جميلة , لافتة امام الضيف , فهرعوا الى قطع اشجار صنوبر من حدود لبنان , واحضارها بسرعة فائقة الى تل ابيب , زرعوا الاشجار المقطوعة في الارض الرملية في حديقة البلدية , وبدأت الخطابات , فشعرت بالضيق والملل وانسللت بهدوء من امام المنصة , واسندت ظهري على جذع احدى الشجرات , فمالت على الفور وسقطت , انفجر تشرتشل من الضحك , ومال برأسه نحو رئيس البلدية وقال له : ( اخشى ان تسقط دولتكم كهذه الاشجار, على الرغم من مساعدتنا لكم ) , قالت الراوية : رمال متحركة يا كبير , وهل ينبت فيها شجر ؟؟ )) .

يستحضر الذهن تعريف الكفوي للبراعة في ()الكليات ((بأنها : (( كمالُ الفضلِ , والسرورِ , وحُسنُ الفصاحةِ الخارجةِ عن نظرائها )) , وهذا تماماً ما يتجلى في نص نجاح إبراهيم , عندما نشاهد المهارة العالية في قصة رشيقة المبنى , لطيفة المعنى , عميقة المغزى ,توظف (( المفارقة التاريخية )) و(( الرمزية السياسية )) ضمن قالب سردي مكثف , فهناك قصص لا تُقرأ , بل تُقام العلاقة معها كأنها طقس عبور , وتجد المغزى ينبط من بين حروفها , خصوصا للواعين بفهم الحروف , ونتسائل ما الذي يجعل نص ( نجاح ) مهمًا ؟ لأنه يقدم سردا يخرج من العظم لا من المنهج , رغم انسيابيته وأبتعاده عن الخطابية المباشرة ألا ان حمولته السياسية ثقيلة لأنه يخلط بين الفكرة والنبض , بين النظرية والحياة , بين الحكاية والوعي .

حين تُصبح الكتابة ضوءًا في ظلمة الخراب , يتجلى نجاح كاتبتنا سطوعا عندما توظف مجموعة من الرموز القوية التي تخدم الغرض , فأشجار الصنوبر المجلوبة من لبنان , ترمز إلى السرقة الثقافية والجغرافية , لأن الكيان لا يملك جذوراً في الأرض , لذا استعار (( سرق )) جمالية الأرض المجاورة ليجمل واقعه (( الرملي )) , والرمل رمز لعدم الاستقرار والزوال , فالأرض الرملية في النص لا تقبل الشجر الغريب , وهو إسقاط على أن الأرض (( فلسطين )) لا تقبل (( الاستزراع )) القسري لمجتمع غريب عنها , ثم هناك رمزية تشرتشل , ان حضور الشخصية التاريخية يعطي النص طابع الوثيقة الساخرة , ضحكته وتصريحه يمثلان (( وعي المستعمر )) بهشاشة مشروعه مهما حاول دعمه.

نجاح تكتب كمن يتوضَّأ بالوجع , تكتب بوعيٍ مرﱟ , لا يخدعه المجاز , ولا تهادنه الزينة البلاغية , يحمل عنوان مجموعتها (( تأبط دم الحكاية )) دلالة عميقة على الوجع الساكن في ثنايا القص , فالتأبط يوحي بالملازمة والارتباط الوثيق , أما (( دم الحكاية )) فيشير إلى أن القصص ليست مجرد حكايات عابرة , بل هي نزيف من الذاكرة والواقع , هذا النص تحديداً يجسد (( دم الحكاية )) من خلال كشف زيف (( الجذور )) المزعومة , ويعتمد على بنية (( الاعتراف المتأخر )) , اختيار شخصية عجوز في سن الـ 106 ليس عبثاً , فهو عمر يتجاوز عمر الكيان نفسه , مما يجعلها (( شاهدة عيان )) على لحظة التكوين الزائف , والمفارقة هنا هو الاحتفال بالحياة ((عيد الميلاد )) يقابله اعتراف بـ (( موت الجذور- الأشجار المقطوعة )) , ثم هناك عنصر المفاجأة في السقوط الفيزيائي للشجرة في الماضي يتحول إلى نبوءة سياسية في الحاضر.

لا أدري لم احس بدهشة الومضة وعبور الذاكرة في هذا النص , لقد نجحت كاتبتنا الشامية في تحويل حادثة هامشية (( سقوط شجرة )) إلى مركزية كونية تلخص صراعاً ممتداً , النص يقوض ميتافيزيقيا التأسيس من جذورها , كاشفاً أن ما استُزرع بلا أصل , سيفضحه أول ميلان للحق , ومبيناً أن ما بني على زيف (( أشجار مقطوعة بلا جذور )) سيظل مهدداً بالسقوط مع أول (( اتكاءة )) للحق أو الحقيقة , وتدهشنا حين نتلمس الفعل الطفولي لسقوط الدولة (( الشجرة )) الذي لم يحدث بفعل جيش , بل بمجرد (( استناد )) طفلة ملّت الخطابات , وهو ما يقلل من هيبة الكيان ويظهره بمظهر (( الديكور )) الهش , إن سقوط الدولة يجرّد المشروع الصهيوني من أسطورة القوة , ويحيله إلى مجرد (( ديكور )) مسرحي أمام براءة الحقيقة , وجاءت قفلة الخاتمة على لسان الراوية لتؤكد المؤكد: (( رمال متحركة يا كبير)) وهي جملة تختصر الصراع الوجودي بين (( الأصل )) و (( الطارئ )) . لنعبر الى الخلاصة: النص هو إدانة أدبية بليغة لسياسة (( التجميل القسري )) للهوية , واستخدام الذاكرة (( على لسان العجوز )) كأداة لهدم الرواية الصهيونية من الداخل.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .


المزيد.....




- من بئر بدر لأدغال تشاد.. 3 رمضان يوم الفتوحات والتحولات الكب ...
- حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
- وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا ...
- غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم ...
- مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق ...
- هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى ...
- عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق ...
- رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟
- فنانة صينية تحوّل الملابس القديمة إلى فن حيّ في قلب لندن
- طه الفشني.. سيد التواشيح بمصر وصوت أيقوني يعانق هلال رمضان


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة دم الحكاية.