أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .














المزيد.....

المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 09:02
المحور: الادب والفن
    


كلانا يعرف , أنا والمندلاوي الجميل , أن عدم الكتابة يعني الموت أو الأنطفاء , ولذا فهو يحرص على إرسالِ نصوصٍ لأعلق عليها بمقاماتي , وأنا قد تنازلت عن أشياء كثيرة في حياتي بعد الغزو (( وظيفتي , طموحاتي , اهتماماتي السياسية , دوري الأجتماعي ... )) , لكن الشيء الوحيد الذي لم أتنازل عنه هو الكتابة , لأنها نسغ الحياة ومصدر الهامي , وهي ملكي الشخصي , او الشيء الوحيد الذي لايمكن أن يأخذوه مني , وهو قدرتي على التعبير , وهاهو ينشر نصا يتناول قرائته لقصة إنسانية شديدة الكثافة والعمق للكاتبة السورية نجاح إبراهيم , شخصيتها المحورية (( زهراب )) , وهو ليس مجرد بطل لقصة , بل تجسيد لذاكرة جمعية مثقلة ب (( الصدمة )) والاغتراب , وهو المقابل لشهرزاد , فبينما كانت شهرزاد تحكي لتنجو من الموت (ألف ليلة وليلة) , يحكي زهراب ليعيد إحياء الموت أو ليحاول استيعاب فظاعته , والمفارقة , ان شهرزاد كانت تروي قصصاً خيالية لتعيش , أما زهراب فيروي حكاية واقعية (( يتيمة )) كررها آلاف المرات (152 ألف سكرة) في محاولة عبثية لغسل جرح لا يندمل , والتكرارهنا ليس نقصاً في الإبداع , بل هو (( نشيج )) مستمر وفعل تطهيري لا يصل أبداً إلى النهاية , ويجعلنا نشعر كيف يتحول الحكي من وسيلة للتواصل إلى دائرة مفرغة من الألم.
عندما نتابع قراءة المندلاوي ل (( نشيج الوجع )) من مجموعة (( ماء الكولونيا )) , نجد ان الكاتبة تفتح جرحاً بشرياً غائراً من خلال شخصية (( زهراب )) , هذه الشخصية التي لم تأتِ من فراغ الخيال , بل هي ثمرة مريرة لواقع تاريخي وسياسي مأزوم , جعل من (( الحكاية )) وسيلة وحيدة للنجاة , حين تصبح وطناً من رماد , ومن ((ديمومة الوجع )) طقساً للصلاة والاحتراق , وفي ان الحكاية بين شهرزاد وزهراب قلب موازين النجاة , فنلاحظ ان القراءة تضعنا أمام مفارقة مذهلة , فإذا كانت شهرزاد قد روات حكاياتها لـ (( تؤجل )) موتها وتشتري حياتها , فإن زهراب يروي حكايته لـ (( يعيش )) موته مراراً وتكراراً , مئة واثنتان وخمسون ألفَ سكرةٍ لم تكن كافية لغسل دم أبيه عن جدران الذاكرة في (( أرضروم )) , أو لإيقاف سقوط أخته من حافلة الموت , وسوف نكتشف ان التكرارعند زهراب ليس رتابة , بل هو (( ترجيع أنين )) ممتد , ومحاولة بائسة لترميم ذات تفتتت تحت سنابك الظلم والتهجير.
نأتي الى الكثافة السيكولوجية المعبر عنها بوسامة المأساة وعجز الوجود , حيث يتجلى إبداع كاتبتنا الشامية في رسم ملامح زهراب , ذلك الجميل ذو العينين الخضراوين الذي يحمل في داخله (( خراباً )) لا تشفيه الوسامة , هذه الكثافة السيكولوجية التي تجعل منه غريباً عن محيطه , فريسة لتوترات قاهرة , وما زاد الطين بلة هو ((عقمه الوجودي )) الذي لم يكن مجرد عطب جسدي , بل رمزاً لـ (( انقطاع النسل )) وانكسار الامتداد , زهراب هو نهاية السلالة , والحكواتي الذي يروي قصة لن يرثها ابن , لذا فهو يلقي بها على مسامع رواد الخمارة الغرباء.

اعجبتني رمزية (( المرآة )) وتفتت الهوية , والمرآة هنا ليست أداة للزينة , بل هي وثيقة إثبات قيد لوجهٍ تبعثر في المنافي , ففي لحظة تجلٍّ مؤلمة , يتمنى زهراب أن يكون امرأة ليمتلك (( مرآة )) , هذه الرغبة ليست عبثاً بل هي بحث عن (( الذين ضاعوا )) زهراب الذي فقد أهله وهويته وجنسيته , يحتاج للمرآة ليؤكد لنفسه أنه لا يزال موجوداً , وأنه ليس مجرد طيف يترنح في خمارة , هو يعيش أزمة (( التبعية )) واللاجنسية , حيث لا يعترف به المكان الذي احتضنه غريباً , ويظل في نظر القوانين مجرد عابر , رغم مرور العقود.

تستخدم كاتبتنا الخمارة كمعبد , والدم كقربان , عندما تحول الخمارة في القصة من مكان للهو إلى (( محراب )) يتلو فيه زهراب صلواته المبهمة , يسكن في مكانه كمن ينطفئ , فالخمر هنا ليس سكراً بقدر ما هو (( تخدير )) لوجع لا يحتمله وعي بشري , زهراب الذي عَبَرَ الحدود في (( خرج دابة )) طفلاً , ظل عالقاً على تلك الحدود طوال حياته , لم يدخل تماماً إلى طمأنينة الوطن , ولم يخرج من جحيم الذاكرة.

اما الخاتمة , فهي تلك الصرخة في وجه (( الزمن الرديء )) , عندما نختم القراءة بملاحظة سياسية لاذعة تقارن بين مفهوم المواطنة في أوروبا , وبين واقعنا الذي قد ينفي الإنسان ولو بعد مئة عام , زهراب هو ضحية (( التبعية )) التي تشخصها الدول , وضحية التاريخ الذي لا يرحم , لقد نجحت الكاتبة القديرة في جعل (( نشيج الوجع )) ليس مجرد أنيناً فردياً , بل صرخة في وجه زمن يطحن الإنسان ويحوله إلى رماد , ثم يطالبه بأن يرحل لأنه (( ليس من أهل البلد )) , وفي كلمة أخيرة (( زهراب )) لم يعد بطل الكاتبة فقط , بل أصبح صوتاً لكل من فقد وطنه وظل عالقاً في (( خرج دابة )) الذاكرة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .


المزيد.....




- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...
- بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من - ...
- شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
- وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط ...
- فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...
- انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة
- كتاب -المتفرّج والوسيط-.. كيف تحولّ العرب إلى متفرجين؟
- حين تُستبدل الهوية بالمفاهيم: كيف تعمل الثقافة الناعمة في صم ...
- فيلم -الجريمة 101-.. لعبة القط والفأر بين المخرج والممثلين


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .