أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .














المزيد.....

مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:37
المحور: الادب والفن
    


في صفحاتِ التاريخِ المسطور, وبين طياتِ الزمانِ المقهور, يقفُ العراقُ شامخاً كطودٍ عظيم , لا تُنالُ من عزيمته الخطوب , ولا تكسرُ إرادته الكروب , هو الذي قال فيه الفاروق عمر بن الخطاب : (( العراق جمجمة العرب , وكنز الإيمان , ومادة الأمصار, ورمح الله في الأرض , فاطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر )) , ان دلالة الرمح , أصالةٌ لا تلين حين وصف الفاروق العراق بأنه (( جمجمة العرب )) , لم يكن يصف جغرافيا , بل كان يشير إلى السيادة والرفعة , فالجمجمةُ هي الرأس , والرأسُ أشرفُ الأعضاء , وحين أسماه (( كنز الإيمان )) , فإنه عنى مستقره ومجمعه الذي لا ينضب , أما وصفه بـ (( رمح الله )) فهو إقرارٌ بقوة أهله في الذودعن الحق , وحماية الثغور , وإمداد الأمصار بالمدد والعون , هذا الرمح الذي صان بيضة الإسلام لقرون , وكانت عاصمته بغداد منارة العلم والسلطان , لا يزال يحمل في جوهره سر البقاء , فالعراق قد يمرض , ولكنه عصيٌّ على الموت.

اذا تحدثنا عن مخاض الألم وفوضى (( الكاوبوي )) , لا ننكر أن الجرح غائر, فمنذ عام 2003 , سقطت بغداد في أتون فوضى لم ترحم تاريخها , دخل الاحتلال باسم الديمقراطية , فخرجت الدولة من الباب الخلفي , وحلّت (( المسدسات )) العشوائية محل النظام , وتحول الوطن إلى غنيمة تتقاسمها الولاءات الضيقة , لقد انتقل العراق من استبداد مركزي إلى فوضى مسلحة تدار فيها المدن بلا سيادة , وأمام هذا الواقع , يشعر الفرد العراقي اليوم بأنه محاصر بين دولة تتقن التهميش وسوق عمل يبتلع كرامته , حتى كادت الأحلام أن تُدفن تحت أنقاض وطنٍ يرفض الاستيقاظ , ولكن , هل ينكسر رمح الله؟

ملامح الخلاص , من الوعي إلى المستقبل : إن حقيقة العراق تكمن في قوله ( ص ) إن فيه خيراً لن ينفد إلى يوم الدين , وهذا الخير لا يُستعاد بالتصفيق الأعمى , بل بالوعي الذي يميز بين الخيانة والوطنية , إن نجاتنا تكمن في : إعادة بناء الهوية الوطنية , لا عبر الخطب الإنشائية , بل من خلال (( دولة المؤسسات والمواطنة )) التي تصهر الهويات الفرعية في بودقة العراق الواحد , والمصالحة عبر المصارحة , أن نصالح أنفسنا بالاعتراف بالخطأ والاعتذار, بعيداً عن مختبرات الحقد الطائفي والقومي , وأن نسارع الى الألتحاق بثورة التكنولوجيا والعقل, اذ بينما انشغلنا بالآيديولوجيات المتطرفة , سبقتنا الأمم بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية , والمستقبل لمن يملك الوعي العلمي , لا لمن يقتات على أوهام الزعامات.

وبخصوص معركة الوعي والتحرر من أغلال الماضي , نجد إن تحرير العراق الحقيقي لا يبدأ من الساحات فقط , بل من العقول التي أرهقتها القيود الآيديولوجية , لقد آن الأوان لنعترف بأن بناء الدولة الحديثة لا يتم عبر اجترار الضغائن , بل عبر مشروع وطني جامع يُصاغ في فضاء العقل الجمعي , بعيداً عن مختبرات الأحقاد القومية والطائفية , إن الشاب العراقي الذي يفتح كتاب الحياة اليوم من جهته الأعمق , يدرك أن ((أذا كان النظام الذي مر دكتاتوريا , فالدكتاتورية شرف أمام خيانة الأوطان)) , وأن السيادة لا تُستجدى بل تُبنى بالعلم والعمل , إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تعيد تعريف الذات العراقية كأمة موحدة تستلهم من حضارتها القديمة روح الابتكار, ومن نكباتها المعاصرة دروس القوة , لتواجه حروب اليوم التي لا تقتل الأجساد فحسب , بل تغزو الوعي وتحتل الإدراك.

علينا الاستثمار في الإنسان , وبوابتنا نحو العصر الرقمي , فبينما يغرق البعض في الجدل العقيم حول الماضي , يخطو العالم نحو الذكاء الاصطناعي وثورة الرقائق الإلكترونية كأدوات للتنافس الحضاري , إن الأمل يكمن في تحويل طاقات الشباب العراقي من ضحايا للتهميش إلى صناع للمستقبل التقني , إن الرهان اليوم هو على (( العقول النيّرة )) التي تفهم ما وراء السطور , تلك التي ترفض أن تظل عاطلة على رصيف الانتظار وتشرع في بناء اقتصاد المعرفة , إن العراق الذي كان (( مادة الأمصار)) يمتلك من الموارد البشرية ما يجعله قادراً على القفز فوق جراحه , ليكون منارة تقنية وعلمية في المنطقة , فالموهبة العراقية إذا ما اقترنت بالاستقرار والمؤسساتية , ستحول الرماد إلى ذهب , والخراب إلى نهضة لا تُصد.

يا أبناء العراق , نبقى رمحٌ يطاول السماء إن نجاتنا لا تكمن في الخلاص الفردي , بل في الإيمان بأن هذا الوطن (( جمجمة العرب )) , لن يحني رأسه للعواصف أبداً , إن دموع الفقراء وصبر المكابدين هي البذرة التي ستنبت وطناً لا يُهدر, وطناً يصالح أبناءه ويعيد تعريف هيبته أمام الأمم , فالعراق يمرض ولكنه لا يموت , وكما تنبأ شاعرنا الكبير عبد الرزاق عبد الواحد في لحظات التفاؤل والشموخ بوطنه الذي لا ينكسر حين قال: (( سَـيُورِقُ هـذا الـرَّمادُ ويَـخْضَرُّ هذا اليَـبابْ ويَـبْزُغُ مِنْ خَلْفِ هـذا السَّحابِ ضِياءٌ عَـجَبْ فـلا تَـقنَطوا , إنَّ بَـعْدَ الـعَذابِ يَـطيبُ الإيابْ وإنَّ الـعـراقَ سَـيَـبقى العـراقَ , عَـصِيَّ الـلَّـهَبْ )) , اطمئنوا , فالحرمة والمنزلة والكرامة التي جعلها الله لهذا البلد لن تضيع , والوعي هو الطبيب الذي سيشفي الجراح , وكما قال الفاروق أول مرة , نرددها اليوم وكل يوم: (( اطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر )) .

ولما كان لا وقت للحزن , فالفجرُ قريب , فيا كل عراقي يحمل في جسده رائحة وطنٍ مهدور , تذكر أنك أنت من سيزرع وطناً لا يُهدر , إن (( حوبة )) هذا الشعب ودموع فقرائه لن تذهب سدى , إذا كان هذا (( زمن السفلة )) كما يبدو , فإنه زمن عابر , وعلينا أن نحافظ على أنفسنا وشرفنا , لأن المرحلة القادمة ستنادي الشرفاء لبناء ما دمره الغوغاء , العراق لا يُبعث إلا بالوعي , ولا يُشفى إلا بالحقيقة , وكما قال الجواهري الكبير : (( يعز عليّ كسر عين العراق , فعين العراق لن تكسر)) , اطمئنوا , فالحضارة التي علمت البشرية الحرف , قادرة على أن تكتب فصل الخلاص بمداد من نور , فما دام الله قد جعل فيه خزائن علمه ورحمته , فإن هذا الرمح سيبقى شامخاً , ورمحُ الله لا ينكسر.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...


المزيد.....




- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- -شبكات-.. فشل فيلم ميلانيا ترمب و-لوحة فارغة- تباع بآلاف الد ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- أشهر خمسة انتهازيين في السينما العالمية
- فيندرز رئيسا للجنة التحكيم: هل يطلق مهرجان برلين النار على - ...
- رحيل عبد العزيز السريّع أحد رواد المسرح الكويتي
- تطورات قضية مقتل الفنانة هدى الشعراوي.. اعترافات الخادمة بار ...
- تذكرة واحدة بلندن.. فشل فيلم ميلانيا ترمب يثير سخرية المنصات ...
- إيران تحتفي بالمسرح في مهرجان فجر بعروض وطنية واجتماعية
- كيت بلانشيت في صندوق أفلام النزوح و-شكوى- مصرية في مهرجان رو ...


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .