أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.














المزيد.....

مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 15:46
المحور: الادب والفن
    


مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير

في أوقات الضعف والانكسار, يبدو الخطاب العاطفي كصوت منقذ , إنه مجدٌ شعريٌّ يذكّرنا بأبي تمام وعمرو بن كلثوم , مانحاً المستمع شعوراً زائفاً بالعزة والانتصار , حتى لو كان الواقع يصرخ بالعكس , هذه الكلمات الملتهبة لا تكتفي برفع المعنويات وإلهاب المشاعر, بل تخلق هوية جمعية نحتاجها بشدة عند الانكسار , لكن هذا المجد الشعري لا يغير الواقع , بل هو مجرد (( أفيون )) يخدّر العقول ويلهيها عن التفكير النقدي في الأسباب الحقيقية للهزائم ,

لم تسقط الأندلس فجأة , لقد كانت رحلة سقوط بطيئة ومؤلمة , نتاجاً مباشراً للخيانات , والتفكك , والصراعات المريرة بين ملوك الطوائف , وبينما كانت الأندلس تحترق , كان الشعراء يملأون بلاط الملوك بـ(( حفلة الترف واللهو والغزل )) , في تناقض مأساوي يجسّد الانفصال عن الواقع , هذا المشهد المأساوي يتكرر في جميع القضايا الخاسرة التي (( ربحناها )) في الإعلام , والشعر, والخطابة , ( وحالياً في وسائل التواصل) , لكننا خسرناها بجدارة على الأرض والإنسان , لقد هزم الخطاب العاطفي العقل مبكراً , وتحول إلى ملاذ يلوذ به الجميع من فجائع الواقع وانكساراته , ولا أحد يهتم بإقامة ورشة تفكير ناقدة , الكل يبحث عن جرعة الوهم التي توفرها الكلمات الحماسية للهروب من كآبة الحاضر.

يعمل هذا الخطاب على تبسيط الواقع وتجميله رغم مأساويته , ثم ينتقل إلى تضخيم الذات القومية والدينية وتغذية التعالي الهوياتي, إن أسوأ نتائجه هي تحويل المأساة إلى ملحمة وهمية , لتصبح رمزاً جماعياً لأمة منكوبة تجترّ أحزانها وسنوات نكبتها عاماً بعد عام ,هذا الرضوخ يكرّس ثقافة الخنوع للواقع وللرموز الفاشلة , التي تعمل الدعاية على تطهيرها من كل أسباب الفشل وإعادة إنتاجها في صورة الأبطال القوميين والتاريخيين , وهكذا , ينشأ جيلٌ مسكونٌ بالولاء الأعمى والاندفاع العاطفي , بدلًا من المطالبة بالمحاسبة والمساءلة.

يمتد هذا التناقض بين الخطاب العاطفي والواقع إلى عمق التراث الشعري , ففي العصر القديم , وعندما كان الضعف يزحف نحو الأمة , ظهرت قصائد المدح المفرط والوصف الخالي من المعنى , مثلما صوّر أبو الطيب المتنبي في كثير من شعره الذي كان مجداً زائداً يُصب على حكام قابعين في الترف , بينما كان الواقع السياسي والعسكري مزقاً , كان الشاعر يرفعهم إلى مستوى الأبطال والآلهة , وهو خطاب عاطفي يخدم سلطة تريد تجميل ضعفها وتخدير العامة عن إدراك حقيقة ترديها.

وفي العصر الحديث , تجلّت هذه الظاهرة في قصائد الاحتفاء اللفظي بالبطولات التي لم تتحقق , حيث يتحول الشعر من أداة للتحريض على العمل إلى أداة لتعويض النقص , ومثال ذلك قصائد التغني بالأمجاد الغابرة كبديل عن صناعة مجد جديد , أو التهليل لقيادات أثبت الواقع فشلها , الشاعر هنا يشارك عن وعي أو غير وعي في تأبيد ثقافة التعويض النفسي عبر الكلمة , بدلاً من الدعوة إلى المراجعة والنقد , هذا التحول من مسؤولية الشاعر الناقد إلى شاعر التخدير هو جوهر المشكلة.

يقتل تبسيط الواقع الحس النقدي , ويعمل هذا الخطاب على تبسيط الواقع وتجميله رغم مأساويته , ثم ينتقل إلى تضخيم الذات القومية والدينية وتغذية التعالي الهوياتي, إن أسوأ نتائجه هي تحويل المأساة إلى ملحمة وهمية , لتصبح رمزاً جماعياً لأمة منكوبة تجترّ أحزانها وسنوات نكبتها عاماً بعد عام , هذا الرضوخ يكرّس ثقافة الخنوع للواقع وللرموز الفاشلة , التي تعمل الدعاية على تطهيرها من كل أسباب الفشل وإعادة إنتاجها في صورة الأبطال القوميين والتاريخيين ,وهكذا , ينشأ جيلٌ مسكونٌ بالولاء الأعمى والاندفاع العاطفي , بدلًا من المطالبة بالمحاسبة والمساءلة.

لماذا تتكرر الهزائم وتتوالد ؟ لأننا لا نتعظ , هناك رفضٌ قاطع لإعادة التفكير في الأسباب , والأشخاص , والظروف التي أدت إلى النكبات , وبدلًا من ذلك , تنتشر مع كل خسارة أخبارٌ عن بطولات وهمية وسرديات زائفة , مما يشكّل الوعي العام بطريقة خطيرة ومُدمّرة , الكثيرون يدمنون هذا الخطاب لأنه يشبعهم بالوهم ويخدّر مشاعرهم , ويستولي على عقولهم ويغذيها بالحماس المفرط , في هذه البيئة , يتم قتل الحس النقدي بالتخويف أو التأنيب , فمن يطالب بالنقد والمساءلة يُتهم فوراً (( بـخيانة الانتماء)) , وهكذا , يتعلم الناس التواطؤ على الصمت , تاركين العقل جانباً ومُكرّسين دورة الهزائم المقدسة.

إن الاستمرار في الركض خلف الأوهام يعني الاستمرار في الهزيمة , الخروج من هذه الدوامة يتطلب جرأة عقلانية لمواجهة الواقع كما هو, دون تجميل أو تضخيم , والبدء في ثقافة محاسبة ومساءلة حقيقية , يجب أن نكسر جدار الصمت لنتحول من مجرد مستهلكين للخطاب العاطفي المُخدّر إلى صناع وعي نقدي قادر على التعلم من التاريخ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .


المزيد.....




- عائشة بنور: النقد عاجز عن مواكبة طوفان الروايات
- لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟
- بعد استحواذ -نتفليكس- على -وارنر- … ما هو مستقبل السينما؟
- من هي أم سيتي البريطانية التي وهبت حياتها لحبيبها الفرعون؟
- المطرب الموصلي عامر يونس يفتح سيرته الفنية في حوار مع «المدى ...
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- الإخوان المسلمون في سوريا.. الجذور الفكرية والخلافات العقائد ...
- هل مات الخيال: كيف تحولت الرواية إلى سيرة ذاتية؟
- فيلم -غرينلاند 2: الهجرة-.. السؤال المؤلم عن معنى الوطن
- الزهرة رميج للجزيرة نت: العلم هو -كوة النور- التي تهزم الاست ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.