أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .















المزيد.....

مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 11:00
المحور: الادب والفن
    


(( يقول الشاعر في حضرة التاريخ: مَرّت دهورٌ وهـذا الطينُ ينطقُنا في كلّ نقشٍ به صوتٌ وألوانُ يا إناءَ ( الوركاءِ ) فيكَ ملامحنا أنتَ الخلودُ وفينا نحنُ نُقصانُ )) .

بين أروقةِ الفكرِ, وفي محفلِ الدكتور تحسين أفندي الأخير , حيثُ يطيبُ الحديثُ ويورقُ التذكار , دارت بنا رحى (( عصفِ الأفكار )) لتستقرَّ عند أعظمِ ما جادت بهِ يدُ الصانعِ الرافديني , (( إناء الوركاء النذري )) , ذلك الأثرالمسكونُ بالأسرار , والشاهدُ الباقي على فجرِ الحضارةِ وقصةِ الاستقرار , الذي يختزلُ في بياضِ رُخامهِ حكاية خمسةِ آلافِ عامٍ من المجد.
أثرٌ من نور , ووصفٌ يبهرُ الحضور, لم يكن مجرد وعاءٍ من رخامٍ مرمرِيٍّ (ألبستر شمعي) , بل هو (( سفرُ تكوينٍ)) نُحتَ بصبرِ الأنبياء , لقد تجلّى هذا الإناءُ , المصنوعُ من (( المرمر الشمعي )) النقي , كتحفةٍ أسطوانيةٍ ترتكزُ على قاعدةٍ مخروطيةٍ بارتفاعٍ يناهز الـ (105 سم) , لم يكن مجرد وعاءٍ للطقوس , بل كان (( سفرَ تكوينٍ )) صاغه الفنان السومري في قلب مدينة الوركاء ( أوروك ) بمحافظة المثنى , وليس في مدينة (( أور )) كما قد يتبادرُ للبعض , فهو ابنُ المدينة التي علّمت البشريةَ الحرفَ أول مرة , ليكون قرباناً في معبد الإلهة (إنانا) , ليحكي قصة الوجود , وبحسب رؤية الأثاريين , كالدكتور زهير صاحب , فإن الإناء يُمثل الكشف المعرفي الأول للعقلية الرافدينية في تمثيل نُظم الكون , عبر أربعة حقولٍ تصويريةٍ تترتبُ من الأسفل إلى الأعلى لتصعد بالنفس من الطين إلى القداسة.

وعن سيمفونية الطبقات الأربع , من الطين إلى الآلهة , تأملوا معي هذا الترتيب الكوني العجيب , فالإناء مُقسمٌ إلى أربعة سجلاتٍ تحكي فلسفة (( النظام )) مقابل (( الفوضى )) , في القاعدة, تخرجُ المياه لتنبتَ السنابل والقصب , في إشارةٍ لخيراتِ دجلة والفرات , وفوقها تسيرُ الأنعامُ من كباشٍ ونعاج في موكبِ خصوبةٍ لا ينقطع , ثم يظهرُ الإنسان طوابيرُ من الرجال السومريين , يحملون غلال الأرض في جرارهم بكل خشوع , وفي الذروة: نصلُ إلى (( إنانا )) (عشتار) , حيثُ تُقدم القرابينُ عند بوابتها المزدانة بحزم القصب , ليعلن الفنان السومري أنَّ الحياة دورةٌ تبدأ من الأرض وتنتهي بالقداسة.

حسب فلسفة الوجود , وحين يغدو الحجرُ فكراً , فإنَّ الإمعان في تفاصيل هذا الإناء يكشف لنا عن (( عبقرية التنظيم )) لدى العقل السومري القديم , فهو لم ينحت الأشكال عبثاً , بل صاغ نظاماً كونياً (Cosmology) متكاملاً , ففي القاعدة تخرجُ مياه الحياة لتنبتَ السنابل والقصب , فوقها تسيرُ الأنعامُ في موكبِ خصوبةٍ دائم , ثم يظهرُ الرجالُ حفاةً يحملون غلال الأرض بكل خشوع , وصولاً إلى ذروة الإناء حيث تطلُّ الإلهةُ (إنانا) لتستلم النذور, إنه إعلانٌ ولادة (( المدرسة الواقعية الرمزية )) , التي لم تكتفِ بنقل الطبيعة , بل منحتها هيبة الطقس وجلال العقيدة , ليتحول الحجر الأصم إلى وثيقةٍ سياسية واجتماعية تحكم العلاقة بين الأرض والسماء , ففي توزيع المشاهد على هيئة سجلات دائرية , إشارةٌ مبكرة لفكرة (( الدورة الحياتية )) و (( التراتب الاجتماعي )) لقد أدرك الفنان السومري قبل خمسة آلاف عام أنَّ الاستقرار المدني يبدأ من الأرض (الزراعة) ويمرُّ بالجهد (الإنسان) لينتهي بالشكر (الطقس الديني) , هذا الإناء هو الوثيقة الأولى التي أعلنت أنَّ الرافديني لم يكن يعيش ليأكل فقط , بل كان يقتاتُ على المعنى , ويبحثُ عن الرابط المقدس بين نماء الزرع ورضا السماء.

تظهروحدة الأسلوب في مدرسة النحت السومري الأولى , وتتجلى الأهمية الفنية لهذا الأثر في كونه (( المخطط الأول )) الذي سارت عليه الفنون الرافدينية لقرون طويلة , ففيه نرى بذور (( المنظور السومري )) في عرض الأجساد , حيثُ تُنحت الوجوه والسيقان بوضع جانبي بينما الصدور بوضع أمامي , لضمان إظهار القوة والوضوح , إنَّ التباين المذهل بين انسيابية حركة الحيوانات وبين وقار وصلابة موكب الرجال حاملي النذور, يعكسُ قدرة الفنان على تطويع الرخام الأصم ليمنحه نبضاً وحياة , إنه إعلانُ ولادة (( المدرسة الواقعية الرمزية )) , التي لم تكتفِ بنقل الطبيعة كما هي , بل أضافت إليها هيبة الطقس وجلال العقيدة , فصار الإناءُ مدرسةً تخرجت منها مسلات العصور التالية.

ثم نأتي الى المأساة , والاستهداف الممنهج , بالحرب على الذاكرة والوجود , حين غدرَ بهِ (( شذاذ الآفاق )) , فأضحى الجمالَ في بلادي جريح , حين تعرض هذا الإناءُ لغدرِ الزمانِ وغزوِ المكان ففي عام 2003 , امتدت يدُ الغدرِ والسلبِ لتطالَ هذا الأثر الخالد , سُرق الإناءُ من المتحف العراقي , وضاع وسط ضجيج الحرب , وتكسّر إلى أربع عشرة قطعة على يد لصوصٍ لا يدركون أنهم يحطمون مِرآة هويتهم , وبجهودٍ دولية وملاحقاتٍ مضنية , عاد الإناءُ إلينا (( كسيراً ولكن شامخاً )) , ليتم ترميمه بدقةٍ أعادت له هيبته , وليثبت أنَّ تراثاً يمتد لآلاف السنين لا يمكن أن يمحوه عابرون.

إنَّ ما أصاب الإناء لم يكن سرقةً عابرة , اقترفها لصوصُ الأزمات , بل كان فصلاً من حربٍ ممنهجة استهدفت (( الذاكرة الجمعية )) للعراق , لقد سعى الأعداءُ وشذاذُ الآفاق إلى قطعِ الصلة بين العراقي وجذوره الضاربة في أعماق الأرض , ومن هنا كان المخططُ يهدف إلى إفراغ العراق من هويته الحضارية وتحويله إلى ساحةٍ بلا ماضٍ , ليسهل تشكيل مستقبله وفق أهواء الغزاة في محاولةٍ لـ (( اغتيالٍ معنوي )) لأمةٍ تستمدُ قوتها من إرثها العظيم , فمن يمتلك التاريخ يمتلك المستقبل , لذا كان المخطط يهدف لإفراغ العراق من هويته الحضارية وتحويله إلى ساحةٍ بلا ماضٍ , ليسهل تشكيل مستقبله وفق أهواء الغزاة , كانت سرقة إناء الوركاء محاولةً لطمس أول وثيقةٍ للتنظيم المدني , وتحويل رمز ((السيادة الحضارية )) إلى حطامٍ في أسواق التهريب السوداء, , لولا أنَّ إرادة الحق العراقي كانت بالمرصاد.

لقد عُثر على الإناء بعد جهدٍ جهيد , ولكنه وجد مكسراً إلى أجزاء , يحملُ آثار تشويهٍ متعمد جراء محاولات إخفائه بدفنه في أماكن رطبة , إلا أنَّ إرادة الحق الرافديني تأبى الانكسار , فقد تمكنت الأيادي الوطنية من ترميم أجزائه وإعادته إلى عرشه في القاعة السومرية بالمتحف الوطني , إنَّ بقاء هذا الإناء حتى يومنا هذا , رغم كل محاولات المحو والتخريب التي طالت تراثنا منذ عهد إنسان (( النيندرتال )) في كهوف الشمال وحتى اليوم، هو الدليل الأكبر على صلابة الهوية العراقية.

سيبقى(( الإناء النذري )) مرآتنا التي نرى فيها عظمة الأجداد , هو رسالةٌ تقول : إنَّ الفنَّ هو وسيلتنا لفهم الكون , وإنّهَ ليس مجرد قطعةٍ في متحف , بل هو (( مانيفستو)) فني أرسى قواعد المدرسة السومرية التي مزجت بين الواقعية الحية والتجريد الرمزي , هو رسالةٌ من أجدادنا تقول : إنَّ الفنَّ هو وسيلتنا لفهم الكون , وإنَّ الروحَ الرافدينية , مهما انكسرت , تظلُّ قادرةً على الالتئام والنهوض من جديد , تماماً كما التأمت قطعُ هذا الإناء لتعود وتتصدر المشهد ببهائها القديم , شاهدةً على أنَّ العراق كان , وسيبقى , منبعاً للحضارةِ التي لا تموت.

بقلم: صباح الزهيري






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .
- مقامة بلقيس .
- مقامة الوجع .
- المقامة الباراسايكولوجية في غرام الأرواح المُنقِيَة .
- مقامة الخشوف .
- مقامة الحروفية : عماد الدين النسيمي المسلوخ حياً .


المزيد.....




- -تحرش وفصل تعسفي-.. عازف يقاضي ويل سميث وشركة تدير أعماله
- -بي تي إس- تعلن رسميا موعد ألبومها الجديد بعد 4 سنوات من الغ ...
- اعتقال -سينمائي- للرئيس وترامب يؤكد أن بلاده تولت إدارة الأم ...
- المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقو ...
- -الأقنعة- للسعودي محمد البلوي.. الحرية ليست نهاية سعيدة
- تطورات الحالة الصحية للفنان محيي إسماعيل عقب تعرضه لجلطة وغي ...
- جميل عازر... من صانع الهوية إلى إرثٍ لا يُنسى
- المعايير العلمية في لغة الخطاب الإعلامي) في اتحاد الأدباء... ...
- -?ي?ا لا ?يتا-.. بسام كوسا بطل مسرحية جديدة في موسم الرياض
- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .