أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شمس الله .















المزيد.....

مقامة شمس الله .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


مقامة شمس الله :

نشر الدكتور محمود الجاف تحت عنوان : (( حين غابت شمسُ العراق , خيَّم على الدنيا الظلام )) فلما عن شاعر حضر مؤتمرا للشعراء العرب , وكان كل يمثل بلده , ألا العراق الذي افتقده عريف الحفل , ألأمر الذي دعى هذا الشاعر البدوي الذي كان مستمعا , وأستفزه الكلام عن غياب العراق , أن يرتجل ألأبيات التالية : (( أحنه شمس الله التعلت بالسما ساعة الغبنا وصارت الدنيا ظلام ,احنه احرف كتاب وملحمة ومن سكتنه عافت الناس الكلام , واحنه سنينه العدل بين الشعوب وأحنه علمنه الخلك شنهو السلام , واحنا اصحاب العهود الوثقه ومن سوانا يرعي للناس الذمام , واحنا من عدنا طلعت خيل الجهاد تدعو الله وتنشر الحب والوئام , واحنا سنينا العدل بين الشعوب واحنه علمنا الخلك شنهو السلام , واحنا ديوان الكرم والمرجله واحنا عزنا الوهب للعز احترام , واحنا قطب شلون مادار الفلك يرجعلنا انعيد للناس النظام , واحنا اهل نوح ونجاته ومركبه ومن يفيض الماي يوصل لنسام , واحنا بيدين النبي موسى عصى يوم نزعل نبتلع نلقف هوام , واحنا بلسان النبي طه هدايه تهدي الثقلين من الانام , واحنا اهل الله ورحمته وايته واحنا فرزنه الحلال من الحرام , واحنا ابراج الكواكب بالسما لو نزول ايصير بالكون اصطدام , واحنا جند الله واسوده وغضبته واحنا سيف الحق بركاب اللئام , واحنا صرنا هلال تركبنا العباد واحنا فرحه عيد من بعد الصيام , واحنا الاجل اخيارنا الدنيا انبنت لو جفوها اقرا على الدنيا السلام , اولياء الله وراثه من الرسول منهم النعيمي نسل خير الانام ,علم شامخ فوك هامات الجبال يوم طاحت وانزلت كل العلام )) .

أبيات تعكس رقة الغياب ومرارة المحنة التي تلت الغزو, مع الحفاظ على روح الفخر والانكسار في آن واحد : وبعد أن كان العراق (( شمس الله )) التي لا تغيب , توارت خلف سحب الغدر , فخيّم على الرافدين ليلٌ طال أمده , واستأسدت في عتمته الغربان , دخل الغرباء بأحذيتهم الثقيلة , لا ليفتحوا أبواب الحرية كما زعموا , بل ليوصدوا أبواب التاريخ بوجه أصحابه , وليسرقوا من مآذن بغداد رنين ذهبها , ومن دجلة بريق صباه , لقد غاب العراق , فغاب معه ميزان العرب , وتيتمت العروبة في مهدها , وكيف لا تظلم الدنيا , وقد أُطفئت (( منارة العلم )) التي كانت تضيء للعالم دروب المعرفة ؟ وكيف لا يضطرب نظام الكون , وقد تداعى القطب الذي كان يمسك توازن القوم ؟ لقد صار العراق -الذي سنّ العدل بين الشعوب- مسرحاً للظلم , وميدانًا تجول فيه خيول الفوضى , بعد أن كانت خيوله لا تسرج إلا للجهاد والوئام .

يا لوعة الكلمات حين تبحث عن وطنها , فالشاعر الذي ارتجل تلك الأبيات , لم يكن يدافع عن (( اسم )) في خارطة , بل كان يرمم (( روحاً )) تمزقت بين أنياب الغزو , إن محنة العراق بعد غيابه القسري لم تكن محنة جغرافيا , بل كانت نكبة حضارة , حيث استبدلوا بـ (( الديوان )) ركاماً , وبـ (( الكرم )) عوزاً , وبـ (( المرجلة )) غربةً في داخل الوطن , ولكن , وإن غابت الشمس ساعة , فمعدنها الضياء , وإن توارى الهلال خلف الغمام , فمصيره التمام , سيبقى العراق (( آية الله ورحمته )) في أرضه , وسيذكر التاريخ أن (( سيف الحق )) الذي نبا يوماً , لا بد أن يصقله الصبر ليعود أشد مضاءً , فمن كان أهله (( نسل خير الأنام )) لا يضام .

لقد كان غيابُ العراق عن مِحفله زلزالاً لم يرجَّ أركان قاعة الشعر فحسب , بل رجَّ ضمير الأمة , فبين ليلةٍ وضحاها , تحول (( قطب الرّحى )) إلى أرضٍ مستباحة , وصار مهدُ القوانين وموئلُ الأنبياء مسرحاً لعبث العابثين , حين غابت شمس العراق تحت وطأة الغزو , لم يغب الضياء عن بغداد وحدها , بل أظلمت البصيرة في عيون جيرانها , وتيتمت القيم التي كانت تذود عن حمى العروبة , لقد أرادوا بذاك الغزو غرس (( الخوف )) في قلبٍ لا يعرف إلا الجود , واستبدال (( مسلة العدل )) بشريعة الغاب , حتى غدا المواطن الذي علّم الدنيا (( شنهو السلام )) غريباً في أزقةِ مدنه , يبحث بين الأنقاض عن بقايا (( ديوان الكرم )) الذي هدمته معاول الحقد , وعن (( خيل الجهاد )) التي كُبلت في مرابضها لتفسح المجال لغربان الخراب.

إنها المحنةُ التي جعلت من (( أحرف الكتاب )) صرخاتٍ مكتومة , ومن (( ملحمة التاريخ )) أطلالاً يبكي عليها الشجر والحجر, لقد غُيّب العراق قسراً , فحاولوا طمس (( أبراج الكواكب )) التي كانت ترقبها العباد , وظنوا أن كسر السيف سيمحو تاريخ (( أسود الله وغضبته )) , لكنهم تناسوا أن من كان (( أصل النجاة )) ومركبها لا يغرق في لجة الدماء , ومن كانت في يمينه (( عصى موسى )) سيظل قادراً على لقف هوام الزيف مهما تكاثرت , إن هذا الغياب الذي أوجع ذاك الشاعر البدوي واستفزَّ كبرياءه , لم يكن إلا غيمةً سوداء في نهارٍ طويل , فالعراق الذي (( انبنت الدنيا لأجل أخياره )) لا يسلم مفاتيح الفجر للظلام للأبد , وستظل صرخةُ ذاك الشاعر في المؤتمر شاهداً على أن (( الشمس )) قد تتوارى خلف دخان الحروب , لكنها أبداً لا تستأذن أحداً لكي تشرق من جديد.

ومضة ختامية للمقامة :
(( يا غريب الدار لا تنشد علام , العراق بخير لو جار النظام , تظل رايتنا ترف فوق السحاب , ويظل شموخنا عصي على السهام , نحنُ الأصلُ وفصلُ القولِ فينا , ومن بعدنا يُرفعُ عن الدنيا الكلام )) , ولما كانت الشمس بركان في السماء , ومصدر الحياة الذي يهدد الأرض بالهلاك , تتجلى محنة الغياب , وانكسار الضياء , وفي غياهب الانكسار , وضياع البوصلة , ونزيف الروح , وصمود الهوية خلف الرماد : (( واحنا شريان الحضارة ومن هله , من فجرنا انصاغ للدنيا لجام , واحنا أول من كتب حرف وقرأ , وعلم الجاهل يفك ريق القلام , واحنا ما هزهز جبلنا ريح عاد , وما طفى نيراننا كيد اللئام , لو عطش دجلة شربنا من الفرات , ولو غفى التاريخ نكعدله قيام )) .

وفي الفجر المنتظر , عودة الشمس إلى مدارها , وحين يحصحص أوانُ الحق , وتنقشع دخانُ المحنة عن وجه الرافدين , ليعلن للعالم أن (( قطب الفلك )) لا يحيد عن مداره مهما اشتدّ الزمان , في تلك اللحظة الدرامية , سيصعد العراق من جديد منصة التاريخ , لن يصعد بجراحٍ نازفة , بل بهيبة الأنبياء وصبر الأولياء , كأنه (( نوح )) الذي خرج من لجّة الطوفان ليمنح الأرض عهدًا جديدًا , تسمّرت العيون وشخصت الأبصار , فالشمس التي ظنوا أنها غابت خلف تلال الغزو , أشرقت بضياءٍ لا تشوبه عتمة , وكأن تلك السنين العجاف لم تكن إلا صقلاً لمعدنه الأصيل , عاد العراق ليملأ مقعده الشاغر , ليس بكلمات الخطابة , بل بوقار (( أصحاب العهود الوثيقة )) , ليعيد للناس نظامهم , وللعروبة توازنها , وللكلام ملحه ومعناه .

وعندها , ستصمت كل الأصوات التي تجاسرت في غيابه , وسترتعد هوام الزيف أمام (( عصا )) حقيقته , فالعراق ليس مجرد بلدٍ يُغزى , بل هو (( آيةُ الله )) في خلقه , وسرُّ بقاء الضياء في كونٍ كاد يبتلعه الظلام , وسيعود (( أهل الهداية )) ليفترشوا سجاد الصلاة في محراب المجد , وليعلنوا أن الدار التي بُنيت لأجل الأخيار لا تسقط , وأن (( الهلال )) الذي ارتقبته العباد صار بدراً يضيء ليل السائلين , وحينها فقط , سيدرك الجميع أن الدنيا بلا عراق كصيامٍ بلا عيد , وأن بغداد مهما توجعت , تبقى هي (( فرحة الصائم )) ومنارة القادمين , ليختم التاريخ سجله بمداد من نور: (( إن غابت شمسُ الأرضِ أجمع , تظلُّ شمسُ الله في العراقِ ساطعةً , لا يحجبها غزوٌ , ولا يطفيها غدر )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .
- مقامة بلقيس .
- مقامة الوجع .
- المقامة الباراسايكولوجية في غرام الأرواح المُنقِيَة .
- مقامة الخشوف .
- مقامة الحروفية : عماد الدين النسيمي المسلوخ حياً .
- مقامة عفونة العقل : حين يموت العقل قبل الجسد .
- مقامة الفتوحات العالية .


المزيد.....




- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...
- أولو وترينشين: عاصمتا الثقافة الأوروبية لعام 2026
- بابا نويل في غزة.. موسيقى وأمل فوق الركام لأطفال أنهكتهم الح ...
- من تلة في -سديروت-.. مأساة غزة تتحوّل إلى -عرض سينمائي- مقاب ...
- بالصور.. دول العالم تبدأ باستقبال عام 2026
- -أبطال الصحراء-.. رواية سعودية جديدة تنطلق من الربع الخالي إ ...
- الانفصاليون اليمنيون يرفضون الانسحاب من حضرموت والمهرة
- سارة سعادة.. فنانة شابة تجسد معاناة سكان غزة عبر لوحاتها وسط ...
-  متاهات سوداء
- الصور الفوتوغرافية وألبوماتها في نصوص الأدب والشعر


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شمس الله .