أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.














المزيد.....

مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


حكى الحارثُ بنُ هَمّام قال: بينما أنا في مجلسٍ قد ضَمّ ذوي الألباب , وجالَ فيهِ حديثُ الزواجِ والأنساب , ذكرَ أحدُ الحاضرينَ خبراً استوقفَ العقول , واستدعى من الذاكرةِ ما قالهُ الرسول : (( إياكم وخضراءَ الدِّمَن)) , فقلنا: وما الخضراءُ في عُرفِ العرب ؟ قال : هي الحسناءُ التي نبتت في مَنبتِ السوء , فغَرّ ظاهرُها , وساءَ مَخبرُها , كعُشبةٍ نضرةٍ فوقَ مَزبلةٍ قذرة , ثم انبرى من المجلسِ شيخٌ حكيم , بصيرٌ بتقلباتِ الزمانِ القديم , فقال: يا قوم , إنّ من خضراءِ الدِّمنِ ما لا يُرى بالعين , بل يُدركُ بالعقلِ والدَّين , واسمعوا حكايةَ الطائعِ العباسيّ مع ابنةِ عضدِ الدولةِ البُويهيّ , فقد كانَ الطائعُ هائماً بحبّها , أسيراً لِقُربها , لكنّهُ كانَ رجلاً ذا أَنَفَة , يخشى على مملكتهِ من التَّلِفة , فكان إذا دارت الكؤوس , وخشيَ أن تغلبهُ النفوس , دفعَ مِفتاحَ حُجرتها إلى خَدَمِه , وأقسمَ باللّهِ قسماً ألزمهُ بدمِه: (( لا تمكّنوني من الدخولِ إليها وإن سكرت , ولا تفتحوا البابَ ولو ندمتُ وجُرت , خشيةَ أن يَحبلَ منها الودود , فيرثَ الخلافةَ أبناءُ الديلمِ والجنود , فتضيعَ الدار , ويذهبَ الوقار)) ,فتنفسَ الحاضرون الصُّعَداء , وقالوا: للّهِ دَرُّ الطائع , كان للمُلكِ حارساً , وللوطنيةِ –بمفهومِ زمانهِ– فارساً.

وهنا نهضَ (( أبو الفتحِ الإسكندري )) وكان مُتوارياً في ظِلّ القوم , فتبسّمَ بمرارةٍ وقال: يا عُصبةَ الخير , إنّ الطائعَ قد مضى , وحكمُ الزمانِ بما تَرون قد قضى , لكنّ أعجبَ العُجاب , في زمانِنا الذي أغلقَ كلَّ باب , أنَّ قوماً من (( الجماعة )) سلكوا في الغُربةِ مسالكَ الزواج , وتخيّروا من بلادِ (( إيران )) عَرائسَ المزاج , أيامَ كانوا في المَنافي يشكونَ العَوزَ والاحتياج , فلما دارَ الزمان , وآلَ إليهم الحُكمُ والسُّلطان , واعتلوا الكراسيّ في بغدادَ الرشيد , نَسوا ما فعلهُ الطائعُ السديد , ثم أردفَ قائلاً بنبرةٍ حزينة : لقد سَلّم هؤلاءِ القِفلَ والمِفتاح , لِمَن بيدهِ الإغلاقُ والافتتاح , فما عادوا يملكونَ من أمرِهم نقيراً , ولا من شأنِ دارِهم قطميراً , ينتظرون أمرَ ( الوليّ ) في الرواحِ والغُدوّ , ولو كان في ذلكَ حرقُ البلادِ وإرضاءُ العدوّ , فخضراءُ الدِّمنِ التي حذّرَ منها المصطفى , قد صارت اليومَ (( عقيدةً وموقفا )) , إذ نبتَ هؤلاءِ في كنفِ الغريب , فصاروا لهُ السَّمعَ والمُجيب , وباعوا مِفتاحَ الدار, لمن لا يرقبُ فينا إلّاً ولا ذِمّةً ولا جار , قال الحارثُ بن همام: فعجبتُ من بَيانِ الإسكندريّ , وكيف ربطَ بين المَنبتِ الرديّ , والولاءِ الأجنبيّ الشقيّ , فافترقَ القومُ وهم يرددون : (( رحمَ اللهُ الطائع , الذي صانَ المفتاح , ولعنَ اللهُ كلَّ من أباحَ الدارَ واستباح )) .

ثم تنهد الإسكندريّ حتى كاد ينفطرُ صَدرُه , وقال : يا مَعشرَ الرّواة , إنّ المصيبةَ ليست في زواجِ الأبدان , بل في زواجِ الولاءاتِ والوجدان , لقد غَرست (خضراءُ الدِّمَن) جذورَها في كراسيّ الحكم , فاستحالت ثمارُها علقماً يُجرّعُ الأمةَ غُصصَ الهضم , فوا عجباً لرجالٍ كانوا يَدّعون المظلومية , حتى إذا تَمكّنوا أضاعوا الخصوصية , فصار (القِفلُ) الذي صانهُ الطائعُ رمزاً للمَنعة , وصار (المِفتاحُ) في أيديهم أداةً للطاعةِ والتبعية , وأضافَ وهو يقلّبُ كفيهِ عَجباً: انظروا كيف يُصاغُ القرار, خلفَ غبارِ الجوار, فبغدادُ التي كانت عاصمةَ الدنيا وقُطبَ الرحى , باتت اليومَ مسرحاً لمن هبّ ودبّ واستوى , لا يُبرَمُ فيها أمر, ولا يُدفعُ عنها ضُر, إلا بختمِ ( الوليّ ) الذي وراءَ الحدود , وكأنّ أهلَ الدارِ ضيوفٌ أو عُبيدٌ في الوجود , لقد استبدلوا ( بساطَ العروبة ) الوثير, بـ(سجّادٍ) مَحيكٍ بخيوطِ المكرِ والتدبير, وظنّوا أنّ التلوّنَ بصبغتِهم نجاة , وما علموا أنّهُ الذوبانُ في بئرِ الشتات , ثم صرخَ بلسانٍ فصيح , وقولٍ صريح: ويحَهم , ألم يقرؤوا في كُتبِ السِّيَر, أنّ مَن استقوى بالغريبِ كُسر, ومَن جعلَ مِفتاحَ بيتِهِ في يَدِ جارهِ هُجر؟ لقد أكلوا من مائدتِنا , وصلّوا في قبلتِنا , لكنّ قلوبَهم تَهوي إلى حيثُ نَبتوا في الغُربة , فباعوا العِزّةَ بالشُّربة , فلا الطائعُ فيهم يُحتذى صدقُه , ولا الحياءُ فيهم يُرجى رِفقُه , جَعلوا الوطنَ حديقةً مستباحة , والسيادةَ كلمةً ممسوحةً في ألواحِ الوقاحة .

قال الحارثُ بن همام: فلما بلغَ قوله هذا المَداه , واهتزّت لهُ أركانُ النَّداه , علمنا أنّ الداءَ قد استفحل , وأنّ الوعيَ قد ترحّل , فما (( خضراءُ الدمن )) إلا فتنةُ المظهرِ الذي يخفي نَتنَ المَخبر , وما (( القفلُ والمفتاح )) إلا أمانةُ الأوطانِ التي لا تُباعُ في سوقِ الأثمان , فخرجنا والقلوبُ واجفة , والعيونُ على بغدادَ ذارفة , نرددُ قولَ القائل: إذا كانَ ربُّ الدارِ بالدُّفِ ضارباً , فشيمةُ أهلِ البيتِ كلهم الرقصُ , فكيفَ إذا كانَ ربُّ الدارِ قد أضاعَ المفتاح , وسلّمَ الدارَ لمن يَستلُّ السلاح؟ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .
- مقامة بلقيس .
- مقامة الوجع .
- المقامة الباراسايكولوجية في غرام الأرواح المُنقِيَة .
- مقامة الخشوف .
- مقامة الحروفية : عماد الدين النسيمي المسلوخ حياً .
- مقامة عفونة العقل : حين يموت العقل قبل الجسد .


المزيد.....




- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..
- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.