أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .















المزيد.....

مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


قالَ شيخُنا (حفظَ اللهُ لسانَهُ من الزلل) , وهو جالسٌ في مجلسِهِ بين تلامذتِه , وقد سُئِل عن سُلطانِ الكلمةِ على القبائلِ , مُستفتحاً بذكرِ العربِ الأوائلِ : يا لَحكمةِ الكلمةِ عندَ العربِ , ويا لعجيبِ فعلِها في الأنوفِ والجوارح , لقد كانت الكلمةُ سَيفَاً قاطِعاً , ترفعُ أقواماً إلى ذُرى المجدِ , وتَخسفُ بآخرين إلى مَهالكِ الذُلِّ , فبيتٌ واحدٌ من شِعرٍ قد غيّرَ وجهَ التاريخِ لقبيلةٍ بأسرِها , وحوّلَ السُخريةَ المُرَّةَ إلى فخارٍ يُتغنَّى به , وبيتٌ آخرُ زَلزلَ أركانَ قبيلةٍ شامخةٍ , حتى سَرَتْ أبناؤها يبدِّلونَ الأنسابَ فراراً من دَنَسِ العارِ, فأسمعوا يا بنيَّ خبرَ بني أنفِ الناقةِ , تلك القبيلة التي غَلَبَ عليها اسمٌ استنقصوه , ولقبٌ استثقلوه , فكان أحدهم إذا سُئِلَ عن أصلِه انتفضَ , وقال : (( من بني قُرَيع )) , ويتجاهلُ ذكرَ جدّهِ الذي جلبَ لهم الاسمَ , وهو جعفرُ أنفُ الناقةِ بنُ قُريعِ بنِ عَوفِ بنِ مالكٍ.

وكانت حكايتُهم أنَّ أبا جعفرٍ هذا نحرَ ناقةً عظيمةً , ووزّعَ لحمَها على أولادِه , غيرَ أنَّ صبياً منهم تأخّرَ في المجيءِ , فلم يجدْ من الجزورِ إلا رأسَها , فأعطاهُ إياهُ الأبُ , فأخذَ الغلامُ الرأسَ , ووضعَ أصابعَه في أنفِها , وجعلَ يجرُّهُ إلى بيتِ أمّه. فرآهُ الناسُ , وسخروا منهُ قائلينَ : (( هذا أنفُ الناقةِ )) , فصارَ الاسمُ عليهِ , ثم ورثَهُ أولادُه من بعدِه , فدُعُوا: بني أنفِ الناقةِ , ومعَ مرورِ السنينَ , صارَ هذا اللقبُ مَثارَ سُخريةٍ وتهكُّمٍ , حتى كادت بناتُ القومِ يُحرمنَ من الزواجِ , لأنَّ الناسَ تنكّبوا أنْ يَنتسبوا إلى مَن يحملونَ اسماً كهذا , ولكنَّ القدرَ خَبَّأَ لهم سِرَّاً عظيماً , إذ نزلَ بهم الشاعرُ المفَوَّهُ الحُطَيئَةُ , واسمُهُ جرولُ بنُ أوسٍ ضيفاً , وكانَ الحُطيئةُ قد نزلَ عندَ رجلٍ من بني أنفِ الناقةِ اسمُهُ بَغيضُ بنُ عامرِ بنِ لؤيٍ , فأكرمَهُ بغيضٌ , وأحسنَ ضيافتَهُ أيما إحسانٍ , فما كانَ من الحُطيئةِ إلا أنْ جادَ قريحتُهُ , فأنشدَ أبياتَهُ الخالدةَ التي كفّتْ عنهم ألسنةَ الساخرينَ , ومحتْ عنهم العارَ, ورفعتْ شأنَهم , مُبيِّناً أنَّ الأنفَ هو مُقدّمُ كلِّ شيءٍ : (( سيري أمامَ فإنَّ الأكثرينَ حَصَى ** والأكرمينَ إذا ما يُنسَبونَ أبَا , قومٌ هُمُ الأنفُ , والأذنابُ غيرُهُمُ ** ومَنْ يُساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبَا؟ )) , فانقلبتْ الموازينُ , وصاروا بعدَ هذا البيتِ يتباهونَ بلقبِهم , ويَجهرونَ بهِ بينَ القبائلِ , بعدما كانَ سبباً في الخزيِ , أصبحَ عنواناً للعِزِّ والفخارِ.

ثمّ التفتَ الشيخُ وقال: وللكلمةِ وجهٌ آخرُ , وجهُ الهدمِ والفناءِ, ألا تسمعونَ بالقصّةِ المشهورةِ التي هَدَمَتْ قبيلةً بأكملِها , وألصقتْ بها العارَ بينَ العربِ , وهي قصّةُ جريرٍ مع الراعي النُّميريِّ في العصرِ الأمويِّ ؟ كانت قبيلةُ نُميرٍ قبيلةً عزيزةَ الجانبِ , حتى جاءَ بيتٌ واحدٌ فأطفأَ ذِكرَها , وألزمَ أبناءَها تغييرَ نسبِهم اتقاءً للعارِ , وكانَ الراعي النميريُّ شاعراً من شعراءِ عصرِهِ , ولهُ مجلسٌ معَ الفرزدقِ في البصرةِ , وكانَ من كُرماءِ قومِه , لكنّهُ تورّطَ في المعركةِ الشعريةِ بينَ جريرٍ والفرزدقِ , وفضَّلَ الفرزدقَ على جريرٍ , ووصلَ به الأمرُ أنْ هجا جريرَ , فغضبَ جريرٌ , وقرّرَ أنْ يُلاقيَهُ , فلما التقى به في البصرةِ , حذّرَهُ جريرٌ, وقالَ لهُ : (( إمَّا أنْ تدعني وصاحبي , وإمَّا أنْ تُغلبني عليهِ , لما لي من مدحِ قومِكَ وذَبّي عنهم )) , فوعدَهُ الراعي بالاعتذارِ , ولكنَّ الأمرَ ساءَ , إذ جاءَ ابنُ الراعي فأسقطَ جريرَ من على فرسِهِ , وقالَ لأبيهِ : (( لا يراكَ الناسُ واقفاً على هذا الكلبِ من بني كُليبٍ )) , فاستشاطَ جريرٌ غضباً , وقالَ لهم : (( أمَا واللهِ لأُثقِلنَّ رواحِلَكُم ولأُوقِرَنَّها بما يسوءُ نساءَ بني نُميرٍ )) , وعادَ جريرٌ إلى خبائِه , وأمضى ليلتَهُ يطلبُ القافيةَ , حتى سُرَّ بها سُروراً عظيدماً , وبدأَ يُملي على راويتِهِ قصيدتَهُ التي سُمِّيتْ الدامِغَةَ لأنها دمغتْ الراعي وقومَهُ , ولما وصلَ إلى البيتِ القاضي , قالَ لراويتِهِ : (( فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ** فَلا كَعْباً بَلَغْتَ وَلا كِلابَا )) , ثم قالَ لهُ : (( أطفئِ السراجَ ونَم , فقد فَرَغْتُ منهم )) .

وفي الصباحِ , شاعتْ القصيدةُ , وكانَ هذا البيتُ أشدَّ ما فيها , إذ أمرَهُم بخفضِ البصرِ ذُلاً ومهانةً , لأنهم لم يبلغوا منزلةَ قبيلتِه (كُلاب) ولا قبيلةَ أمّه (كعب) , ويُرْوى أنَّ الراعيَ وقومَهُ لم يَمرّوا بماءٍ إلا وقد سَبقَهُم إليهِ هذا البيتُ , وخرجتْ نساؤهم وصبيانُهم يقولونَ : (( قَبَّحَكُمُ اللهُ , وقَبَّحَ ما جِئتُمُونا بهِ )) , ومنذُ ذلكَ الحينِ , أخذَ بنو نُميرٍ يُغيِّرونَ نَسَبَهم وينتسبونَ إلى قبيلةِ عامرِ بنِ صعصعةَ , وهي القبيلةُ الأمُّ , هروباً من العارِ , وهكذا صارَ بيتٌ واحدٌ كافياً لإخمادِ قبيلةٍ بأكملِها , بعدَ أنْ كانت تتبجَّحُ بقوتِها وشَرَفِها.

ثم أطرقَ الشيخُ هنيهةً , ونظرَ في وجوهِ تلامذتهِ , مُتسائلاً : أبعدَ هذا القصصِ والعِبَرِ , يظنُّ أحدُكُم أنَّ سُلطانَ الكلمةِ قد زالَ في زمانِنا هذا ؟ هيهات , بلْ زادَ شأنُها , وعَظُمَ خطرُها , إنَّ الكلمةَ التي كانت سيفاً مُشْرَعاً على المنابرِ وفي الأسواقِ , هيَ اليومَ سيفٌ ورمحٌ في كلِّ جيبٍ وفي كلِّ دارٍ , لقد تبدّلَ الزمانُ وتغيّرتِ المجالسُ , ولكنَّ جوهرَ الحقيقةِ باقٍ , فلم يَعُدِ العارُ أو الفخارُ يقتصرُ على بيتِ شعرٍ يُلقى في سوقِ المربدِ , بل صارَ يُحاكُ في كلماتٍ سريعةٍ تُرسلُ عبرَ الأثيرِ , تُعرفُ بـِ (( الرّسائلِ الرقميةِ )) , وإنَّ بيتَ الهجاءِ الذي دمغَ بني نُميرٍ (فغضَّ الطرفَ إنَّكَ من نُميرٍ) , هو اليومَ تعليقٌ ساخرٌ, أو صورةٌ مشوهةٌ , أو كلمةٌ مُنتقاةٌ في وسائطِ التواصلِ الاجتماعيِّ , قد تهدمُ بيتاً أو تُدمّرُ سُمعةَ رجلٍ أو امرأةٍ , في أقلَّ من غمضةِ عينٍ , كما أنّ قصيدةَ الحُطيئةِ التي رفعتْ (بني أنفِ الناقةِ) فصارتْ لهم عزّاً , هيَ اليومَ رسالةُ مدحٍ صادقةٍ , أو كلمةُ تشجيعٍ بَنّاءةٍ , أو فكرةٌ تُنشرُ بالصوتِ والصورةِ , فتبني مجداً لصاحبها وتُلصقُ بهِ لَقَبَ الشرفِ والجودةِ والمصداقيةِ.

فيا أبنائي , إذا كانتْ كلمةٌ واحدةٌ في الماضي تُجبرُ قبيلةً بأسرِها على تغييرِ نَسبِها , فكيفَ بنا اليومَ ونحنُ نعيشُ في زمنِ (( الكلمةِ الفائرةِ)) التي تنتشرُ كالنارِ في الهشيمِ ؟ الخلاصةُ: إنَّ لِسانَ المرءِ في زمانِنا لم يَعُدْ فقطْ ميزاناً لعقلِه , بلْ صارَ (( مفتاحاً لسمعتِه)) التي تُبثُّ للعالمِ أجمع , فاحذروا أنْ تكونَ ألسنتُكم , أو أطرافُ أصابعكم على الشاشاتِ , هيَ سببَ عارٍ تندمونَ عليهِ , أو سببَ مجدٍ تُباهونَ بهِ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .
- مقامة بلقيس .
- مقامة الوجع .


المزيد.....




- معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...
- -إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة
- جائزة الشيخ حمد للترجمة تفتح باب الترشح لدورتها الـ12
- فرنسا: أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو ستدفن بمقبرة على ...
- الشبكة العربية للإبداع والابتكار توثق عامًا استثنائيًا من ال ...
- شطب أسماء جديدة من قائمة نقابة الفنانين السوريين
- الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة
- التجربة القصصية لكامل فرعون في اتحاد الأدباء


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .