أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .














المزيد.....

مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:21
المحور: الادب والفن
    


مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .

قال الراوي عيسى بن النظر , وقد جالسني أبو الذات المُغتربة ذات غداة , وقد بدت عليه سِماتُ التفكير وعبوسُ الزمان , وهو يُقلّبُ في كفّه كتاباً للشّيخ سارتر , سارحاً في فضاء الوجود والقضاء : (( يا أبا الذات , ما لي أراك شارد الذهن , كأنّما وَرَدتَ الجحيمَ وعُدتَ من بَطْنِ الأبوابِ الموصَدةِ؟ )) , فتنهّدَ الشيخ تنهيدةً أحرقتْ مهجتَهُ , وقال : (( يا ابن النظر , لقد قرأتُ في كتاب لا مخرج قولاً هزّ كياني , وأيقظَ ما كانَ خامداً من عذابي : (( الآخرُ هو الجحيمُ )) , فما أشدَّها من كلمةٍ , وما أعمقَها من عِبرة , ومضى الشيخُ يَنثرُ القولَ بأسلوبٍ حَزينٍ مَوزون : يا صاحِ , إنّ القومَ في لُبّ المُعضلةِ , ثلاثةٌ حُشروا في غرفةٍ ضَيّقةٍ , بلا قاضٍ ولا سياط , فكانَ عذابُهم التواجدُ معاً بلا فِرار, فكلٌّ يطلبُ من الآخر ما لا يستطيعُ الآخرُ قضاءه , وكلٌّ أسيرُ نظرةِ الآخرِ وحُكمِه , حتى صارَ الوجودُ ضيقاً , والمخرجُ مفقوداً.

فما هذه الحالُ إلاّ ما نُعايشُهُ في أوطانٍ تَهاوَى نَسجُها , وصارَ اجتماعُنا فيها عذاباً مُقيماً , لا خلاصَ منهُ ولا فكاك , فإذا رَدّدَ الناسُ القولَ اليومَ غاضبين , جاعلينَ الغيرَ شَمّاعةَ همومِهم , لم يلتفتوا إلى أنّهُم هُم بدورِهم جَحيمُ الآخرِ, يُسبّبونَ لهُ المآسيَ والآلامَ بقصدٍ أو بغيرِ قصد , كلُّنا يَرى عيوبَ القومِ ونواقصَهُم بِعَينِ الحقيقةِ التي يَدّعيها , وينسى أنَّ الآخرَ يَرى فيهِ عينَ النقصِ الذي يرفضُهُ , فذلك غُرورُ النَّقصِ الذي يُلبِسُ صاحِبَهُ ثوبَ الأفضليّةِ والكِبرياء , فهل الآخرُ صخرةٌ عَسيرةٌ على الطريق , أم هوَ العَونُ والمُعين؟

لقد بيّنَ سارترُ أنَّ البَلاءَ في سوءِ الاختيارِ وفسادِ العلاقةِ , فالإنسانُ حُرٌّ في وجودِهِ , وهوَ مَن يختارُ مَسيرَهُ , ومَن يُحدّدُ ماهيَّتَهُ بنفسِهِ , فليستِ الأشياءُ حولَنا ما يُتعبُ الأرواحَ , بل هوَ الخوفُ والقلقُ والأوهامُ , التي يَصنعُها العقلُ على ما لمْ يَكُنْ أو قدْ زالَ وانقضَى , ويُقالُ إنَّ الحَياةَ لا تَطيبُ إلاّ بِالتَّحرّرِ من قُيودِ العَلاقاتِ الثقيلةِ , فالحُبُّ والصّداقةُ والعائلةُ قد تَكونُ حَواجزَ زُجاجيّةً تُعيقُ الرُّوحَ في سَعيها إلى السُموِّ الفردي , وإنَّ الثِّقةَ في الغيرِ قد تُفضي إلى الخيبةِ والنَّدَمِ , فتُحوِّلُ الكائِنَ مَهزلةً في نهايةِ المآل.

ثم تطرق الشيخ لوصف الجحيم الوطني قائلا : (( يا ابن النظر , هل رأيتَ ضيقاً كضيقِ الأوطانِ حينَ تُصابُ بالوهنِ , وتَفتَكُ بها فُصولُ الفُرقةِ والبَوار؟ لقد أضحى نسيجُنا الوطنيُّ خِرقةً باليةً , مُمزّقةً على مَذبحِ الأهواءِ المُختَلِفةِ , فنحنُ في قاعِ بئرٍ ضيّقةٍ , كلُّنا يُبصِرُ الشمسَ ولا يَستطيعُ أنْ يَنفُذَ إليها , وها هوَ البابُ قد أُوصدَ علينا بِحِقدِ السنينَ وطولِ العِداءِ , فصِرنا الأسرى في قاعةٍ لا زُجاجَ فيها ولا مِرآة , سوى وجوهِ بعضِنا نَعكِسُ عليها مآسينا , فكُلُّ فِئةٍ تَرى في الأخرى جَلاّدَها , وكُلُّ طائِفةٍ تَتّهمُ الأخرى بِكُلِّ ما عَراها من نَكباتٍ ومِحَن , فالجحيمُ لم يَعُدْ فرداً واحداً , بل صارَ وطناً كاملاً )) .

لقد صارَ الآخرُ في هذا الوَطنِ المَكلومِ خَصماً في الرِّزقِ , وعَدُوّاً في المَذهَبِ , وسُلطاناً على الحَقِّ , فإذا سَألتَ عن الوظيفةِ , قيلَ لكَ: الآخرُ هو الذي نالَها بِولائِهِ لا بِكفاءتِه, وإذا سَعيتَ للإنصافِ , قيلَ لكَ: الآخرُ هو الذي سَطَرَ القَوانينَ لِصالِحِه, فالنظرةُ هنا ليستْ مجرّدَ حُكمٍ فلسفيٍّ , بل هيَ سَيفٌ مَسلولٌ على الرّقابِ , يَحرِمُنا حَقَّ العَيشِ المُشترَكِ والكَرامةِ الإنسانيّةِ , وكُلُّ واحدٍ مِنّا يُطالبُ الآخَرَ بِمَخرَجٍ لهُ من هذا الجحيمِ , والآخرُ لا يَملِكُ إلاّ أنْ يُشارِكَهُ العذابَ , وذلكَ هوَ الجحيمُ الأكبرُ الذي لا مَفَرَّ منهُ ولا نَجاةَ.

ولكن , وفي ختامِ القولِ , ألمحَ سارترُ إلى أنَّ حُكمَ الآخرينَ يَصنعُنا , وأنّنا لا نَعرِفُ ذَواتَنا إلاّ بِنظرَتِهم إلينا , فإذا فسَدتْ عَلاقاتُنا معهم , وغَدَتْ مُلتويةً ومُفسِدةً , صِرنا في الجحيمِ الأكيدِ , لأنَّنا وَقَعنا في الاعتمادِ الكامِلِ على مَن يُعذّبُنا بنظرتِه , ويَسلبُ حُريّتَنا , فالجلاّدُ في مَشهدِ سارترَ هوَ الآخرُ الذي يُعذّبُنا بالحَقيقةِ التي نُحاولُ الهربَ منها , فنُصبِحُ عُراةً كالديدانِ أمامَ حُكمِه , فكيفَ الخَلاصُ من هذهِ النّظرةِ العَدوانيّةِ ؟ وإلى متى نَظَلُّ أسارى لِما يَنظُرُهُ الآخرُ فينا ؟ فإنْ كانتْ الكورونا قد فَرَضَتْ علينا التَّباعُدَ الاجتماعيَّ , مُؤكِّدةً نبوءةَ سارترَ في كونِ الآخرِ جَحيماً يُهدِّدُنا بالموتِ الجسديِّ , فهلْ نَستطيعُ أنْ نَجعَلَ الآخرَ نَعيماً يَبنينا , أم أنَّ الاغترابَ في عالَمِ الافتراضِ وشَغَبِ التَّباهي سَيَزيدُنا عُزلةً وهَواناً ؟ ولذا , أيقنتُ أنّ الآخرَ هو الجحيمُ والنَّعيمُ معاً , فَمَن أحسَنَ الاختيارَ , نجا , ومَن أساءَهُ , هلكَ وهام.

فأمسكَ الشيخُ بالكتابِ وضمّهُ إلى صدرهِ , وارتفعَ صَوتُهُ مُعلناً الحقيقةَ المُرّة : (( يا ابن النظر , إنَّ هذا الوَطنَ المَقطوعَ نَسيجُهُ , الذي صِرنا فيهِ جَحيمَاً مُشترَكاً لا فِرارَ منهُ , ليسَ إلاّ مِرآةً لِفسادِنا الداخليِّ وكَذبِنا على ذَواتِنا , فَلْيَعلَمِ القومُ أنّ المَخرجَ الوَحيدَ من غُرفةِ العِداءِ الموصَدةِ , هوَ في أنْ نَكُفَّ عن تَحميلِ الآخرِ عِبءَ المَأساةِ , ونَبدأَ بِمعرفةِ ذَواتِنا بِصدقٍ , كي لا نُحكِّمَ فينا النّظرةَ الحاقِدةَ , فنُصبِحَ أسرى الجَلّادِ الذي نَصنَعُهُ بأيدينا )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...


المزيد.....




- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .