أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة البهاتة .














المزيد.....

مقامة البهاتة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 16:56
المحور: الادب والفن
    


مقامة البهاتة :

استذكرت اليوم , أيام زمن الوطنية الجميل , المقاتل الذي يتكلم بلهجة أهل حديثة , ألذي قبضت عليه القوات الأيرانية على الجبهة أثناء مشاركته في احد افواج الجيش الشعبي , جاءه مراسل الأذاعة الأيرانية وطلب رأيه بحرب العراق (( المفروضة )) على الجمهورية الأسلامية , أحتار فيما يقول وهو المعروف بشجاعته وحبه للوطن , ولما كان لا مناص من الأجابة , وأنه كان يريد التخلص من الموقف دون أن يقول مايسيء لبلده ولتاريخه الوطني , قال : (( بهاته , بهاته , من كلا الطرفين )) , ونظر للكاميرا نظرة لا مَحِيصَ من معناها , مما دعاني لتدبيج المقامة الآتية , بلسان حالٍ يجمع بين السخرية السوداء (الباروديا) والأنفة الوطنية .

حدثنا الحارث بن همام , قال : بينما أنا في زمنٍ كثر فيه الطغام , واختلطت فيه الذممُ بالأوهام , تذكرتُ حكايةً من زمن الصمود , ومعدن الرجال الأسود , حكاية مقاتلٍ من أرض ( حديثة ) الأبية , ذي لهجةٍ عذبةٍ نقية , وقع في قبضة الخصوم , في يومٍ عبوسٍ مسموم , فجاءه ( مراسلٌ ) يحمل ميكروفونه كأنه خنجر, يبتغي منه قولاً يكسر به خاطر الوطن أو يتجبر, سأله عن (( الحرب المفروضة )) - كما يزعمون - , وعن رأيه في موازين المنون , فاحتار البطلُ في أمره , إن نطق بالحق قتلوه , وإن نطق بالباطل خذل أهله وباعوه , فنظر إلى الكاميرا نظرةً يمتزج فيها الذكاء بالبلادة , والأنفة بالسجادة , وقال بلهجةٍ عراقيةٍ ( حديثية ) صرفة , تُغلف الحكمة بالحرفة: (( بهاتة.. بهاتة.. من كلا الطرفين )) .

يا قوم: لقد كان منهجي في الحياة , أن ألبس ثوب الأبلهِ عند العُتاة , ففي موازين القوى غير المتكافئة , تكون الحماقةُ المصطنعة هي الدرعُ الدافئة , تقمصتُ دور (( الغشيم )) لأفهم معادن الرجال , فأبصرتُ من كان بريقه أصلاً ومن كان مجرد انعكاسٍ للخيال , فالحياةُ كقلم الرصاص , تبرينا العثراتُ لنكتب بخطٍ أجمل بلا مناص , حتى يفنى القلمُ ولا يبقى إلا الأثر , وما خطته اليدُ من جميل العبر, ثم التفتُّ يميناً فقلت: أيحسبون أن الصراخ قوة حجة ؟ بل هو فراغٌ في اللجة , وكما قال سقراط الحكيم لما سُئل عن ركلة حمار: (( أأقاضيه أم أرده بمثلها ؟ )) كلا , فالحكمةُ تختار الصمت سموّاً , لا عجزاً ولا خلوّاً , فإذا ركلك الزمانُ بجهل أهله , فترفع عن النزول إلى وحله.

وا حسرتاه , لقد بتنا في زمنٍ يقرأ فيه اللصوصُ علينا الكتب المقدسة , ويوهموننا بالأماني المكدسة , يتحدثون عن (( عامٍ جديد )) , والوجوهُ قديمة والقيودُ من حديد , أيُّ فصولٍ تتعاقب ونحن في قيد اللحظة الألعن ؟ وأيُّ أزمنةٍ تتبدل واللصُ في المحراب يُفتن ؟ لن يكون العامُ جديداً , حتى يسقط السؤالُ عن الطائفةِ والجنس , وحتى نغسل أرواحنا من دنس الأمس , لن يكون جديداً حتى يرتفع صوتُ الشجن في ((عرصات الهندية )) , ونرقص بلا خوفٍ من هويةٍ أو قضية , ويا صاحبي , تذكر قول ابن الجوزي لما غابت قمره , وحجبها عنه (( جبلان من بشر: أزيحا النور عن بصري , سألتكما بربكما قليلين , كي أرى قمري , فنحنُ أيضاً نطلبُ إزاحة جبال الزيف , لعلنا نرى قمر الوطن خلف غمام الحيف.

ثم استطرد الحارث بن همام , وقال : وعرجتُ بذاكرتي على (( شارع العرصات )) , حيث كانت الأيامُ تزهو بالمسرات , قبل أن تغزوها (( البهاتة )) من كل الجهات , هناك , حيث كان الهواءُ يمرُّ عبر البيوت الأنيقة كأنه عطرٌ معتق , والناسُ يمشون بخطىً لا تعرفُ التفرق , تذكرتُ كيف كنا نتبادلُ الضحكاتِ عند انتصاف الليل , ونحنُ نحملُ أحلامنا فوق صهوات الخيل , لم نكن نسألُ الجار: (( من أي طائفةٍ أنت ؟ )) , ولا (( من أي الأديان جئت ؟)) , بل كانت (( الباجة )) و(( المسكوف )) ديانةَ الجائعين , و(( المقام )) , و(( ياس خضر)) صلاةَ العاشقين , كنا نغتسلُ بماء الوداد , ونمشي في العرصات وكأننا ملوكُ البلاد.

يا لضيعةِ العمر, اليوم صار الشارعُ غريباً , والمكانُ نحيباً , دخل اللصوصُ من أبوابٍ خلفية , ولبسوا ثياب الوعظ والهوية , وباتوا يقرأون علينا آيات الصلاح , وهم من سرقوا من الصباحِ , الصباح , وكأن أينشتاين حين وضع للكون بعداً رابعاً , لم يدرِ أننا سنبقى في بُعدنا (( الألعن )) نراوحُ مكاناً , ونقتاتُ هوانا , ولكن , حين يشتدُّ الكرب , وتضيقُ الدروب بالقلب , أتذكرُ صاحبنا بطل (( حديثة )) وصيحة (( البهاتة )) أدركتُ حينها أن (( الأبله )) ليس من فقد العقل , بل هو الذي يتظاهر بالجهل ليصون كرامةَ الأصل , فما جدوى الرد على حمارٍ ركلك ؟ أو جاهلٍ بالسبِ كبلك ؟
إنها (( القدرة على التجاوز)) معيار الفوز لا الحياز , أن تقف في قلب (( شارع العرصات )) المهجور , وتتخيل أن الفرحَ آتٍ لا محالةَ عبر العصور , أن تؤمن بأن القلم - وإن برته العثرات- سيكتبُ في نهاية السطر: (( العراقُ باقٍ , والبهاتةُ إلى سقر )) , فيا صاحب السر: لا تغرنك الوجوهُ الصارخة , ولا الشعاراتُ الباذخة , فالصراخُ دليلُ الفراغ , والحكمةُ تسكنُ في الصمتِ والاتزان , كن كقلم الرصاص , كلما انكسر رأسُك من صدمات الحياة , ازددتَ حدةً لترسم فجراً جديداً ,وتكتب تاريخاً لا يعرفُ التزييف ولا (( البهاتة )).

الخاتمة: ليس للمرء داعمٌ سوى نفسه , حين تقرر أن تنهض من رمسها وأمسها , فـ (( البُهتان )) هو التصنع , والوطنيةُ هي الترفع , وسلامٌ على الأرض التي لم يحن أوان سلامها , ومجدٌ للأرواح التي لم تنحنِ رغم آلامها.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .


المزيد.....




- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة البهاتة .