أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن العراقي.















المزيد.....

مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن العراقي.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 19:02
المحور: الادب والفن
    


صديقنا الثمانيني الآخر , ألأستاذ الذي فارقنا وأستوطن بغداد , كتب على صفحته : ((صور لا تغادر الذاكرة : ( ربّ استر على هواي من ممشى الغروب , جاهل وخاف عليه مو ساحك دروب ) , اسكرتني هذه الكناية ( جاهل وخاف عليه , مو ساحك دروب ) مع صوت أنوار عبد الوهاب المطعم باللوز والفستق وعسل دجلة ( موساحك دروب ) مازال هذا الغرّ الصغير يشغل بالها الى حد الدعاء له بالستر والحفظ وقت الغروب , غروب الظلمة التي ( تلتمُّ ) بها الشياطين , وهو صغير غضّ وقد يتعرض لأذى محتمل منهم , انها حزمة من مشاعر التخوف والتهلف والتشوق لهذا الجاهل الذي لم يسحق دروب , وهو طريًّ كنبع الماء , يا لروعة من رسم هذه الصورة بالحروف )) .

تنساب كلمات الأغنية لتزلزل الروح كشلال من العاطفة السبعينية : (( عمدة ارد اتيه الروح وبعاصف الريح بلجن على نزل هواي من يصفن تطيح , ياهلا , ريت الله لاينطيك يالصحت بأسمه فر فرة الملهوف كلبي شيلزمه ,ياهلا , ربي استر على هواي من ممشى الغروب جاهل واخاف عليه مو ساحك دروب , ياهلا , هم انتي مثل العين مكدرلج انهاج شو كلج تفزبن من يكبل هواج )) , ذلك هو جيل السبعينات العراقي عندما يسمع هذه الكلمات تنشدها انوار عبد الوهاب بصوتها الجميل تخنقه العبره , كلام رقيق وذكريات , أحد ألأخوة من اليمن علق قائلا : (( سمعت هذه المطربه تغني هذه الاغنيه بالصدفه , اصبت برجفه وذهول من رقة الصوت واللحن الشجي , ومع اني لم افهم ماتقول , ولكني شعرت وفهمت فحوى الكلمات من خلال التعبيرالصادق والاحساس )) .

كانت أنوار لا تغني للآذان , بل كانت ترسم بآهاتها خارطة للوجع العراقي, حيث تلتقي ضفاف الفرات ببرد الغربة في صقيع السويد , (( مدموغه ع اليافوخ ما اشوف الحذاي اصبح يريجي اليوم حنظل على هواي )) ولدت في مدينة الناصرية التي خرج منها الكثير من الفنانين عام 1943 وهي من الديانة الصابئية , اسمها الحقيقي (نادية عبد الجبار) , هي ابنة الصحفي المعروف عبد الجبار عبد الكريم , جاءت الى العراق عام 2003 ولكن وجدت الكثير من الامور التي لا تشجع على البقاء وعادت من جديد الى السويد , صوت أنوار عبد الوهاب التي انطلقت من الفعاليات المدرسية , ذلك الصوت النسائي الحزين والعذب الذي يسحر الجميع , برنينه الخاص ونكهته العذبة , يحمل في طياته شجنًا مميزًا لا يُخطئه السمع , بصوتها الحاد القوي الذي يمتد على مدى أوكتافين , يُعدّ من نوع السوبرانو الحاد , وهو صوت ذو طاقة قوية وقابلية على أداء الصولو.

كانت بدايتها في الفعاليات المدرسية وشاركت في وقتها بترديد الاناشيد , حيث شقت طريقها في عالم الفن رغم الصعوبات وتهديد الاهل لها ولكنها استمرت بعملها , وفي عام 1959 غنت في حفل اقيم في معهد الفنون الجميلة ونالت اعجاب وتشجيع الحاضرين , عرفت بعدها بالمطربة أنوار عبد الوهاب حيث نالت شهرة واسعة في كافة اغانيها , وقد درست فن الاوبرا في المانيا الديمقراطية حيث سجلت اول اغانيها للتلفزيون عام 1970, وانتمت بعدها الى فرقة الانشاد العراقية عام 1971 وامضت فيها مدة 3 سنوات حيث تصدرت المرتبة الاولى في الغناء الانفرادي من خلال فرقة الانشاد , وفي عام 1973 تزوجت من الفنان الممثل والمخرج روميو يوسف وكان اول ظهور لها على قاعة الخلد على المسرح في كرادة مريم حيث غنت اغنيتين هما ( وين رايح وين ) , من مقام العجم والثانية ( تاذيني ) ونجحت في هذه الاغاني بشكل يفوق الوصف , وقدمت عدد من الاغاني للفنانة زكية جورج ( وين رايح وين . وداد حسن. وتاذيني. وكصة المودة ) , وعلى الرغم من ان الفنانة لديها عدد قليل من الاغاني الا انها تعد من المطربات المتميزات من جيلها وصوتها ذو رنين ونكهة عذبة وشجن متميز في جميع ما ادته من الاغاني وارتقت له موسيقيا , وقدمت عبدالوهاب عدد من الاغاني ومنها ( انة من اكولن اه واتذكر ايامي , وبمحاسنك وبهاك , ومن يوم الهجر , عد وانة عد ونشوف , وتاليها وياك ) .

أنوار ليست مجرد صوت جاء من الجنوب العراقي , أنها صوت دافئ وفنانه قديره ومحترمه بفنها , وذاكرة غنائية كاملة تسكن الوجدان الشعبي منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم , في كل مرة يُذكر اسمها , تنبعث في الذهن أصداء الجنوب , رائحة النخيل , مرارة الفقد , وحنين الماء القادم من دجلة والفرات , وهي واحدة من تلك الأصوات التي لا تتكرر لأنها لم تُصنع في استوديو, ولم تُنتجها موظة زمن محدد , بل صقلتها الحياة نفسها , هي سجل موسيقي عن الغربة وفراق الوطن والاحبة , شهادة على أن الغناء قادر على ان يكون راوية لاحزان الناس واوجاعهم وفراق الاحبة , حين يجد صوتاً يناسبه , يتحول إلى فن خالد , ربما غابت عن العيون لسنوات طويلة , لكن أصواتاً مثل صوت أنوار عبد الوهاب لا تهرم ولا تموت , إنها ذاكرة تتنفس عبر جيل وتنتقل إلى الذي يليه , فحين يتذكر العراقيون الحب , أو الوطن , أو المطر فوق شواطئ البصرة , يتذكرون معها أن بعض الأصوات ليست للغناء فقط , بل للبقاء.

لم تكن أغاني السبعينات , وبحّة أنوار عبد الوهاب تحديداً , مجرد أرشفة لزمنٍ مضى, بل هي اليوم بمثابة (( البوصلة العاطفية )) للأجيال الجديدة , ففي الوقت الذي تضج فيه الموسيقى الصاخبة , يلوذ الشاب العراقي والعربي اليوم بصوت أنوار ليجد فيه (( الهدوء والصدق )) , لقد تحولت كلمات مثل (مو ساحك دروب) من جملة في أغنية قديمة إلى (( أيقونة )) يتداولها الشباب في منصات التواصل , ليس بابتعادٍ عن العصر , بل بحثاً عن تلك (( الرقة المفقودة )) والكلمة التي تلمس الروح مباشرة دون استئذان , وكأن هذا الجيل يرمم انكساراته المعاصرة بترميم ذاكرته اللحنية.

ومع جينات الشجن , نتسائل لماذا لا تموت هذه الألحان؟ أن أجيالنا الحالية تتفاعل مع هذا النتاج لأنها تجد فيه ((هوية بصرية وسمعية )) متكاملة , فصوت أنوار عبد الوهاب يحمل في طياته جينات الشجن العراقي العابر للزمان , إن استماع شاب في العشرينيات من عمره لهذه الأغاني ليس مجرد (( نوستالجيا )) لزمن لم يعشه , بل هو اعتراف بأن المشاعر الإنسانية النبيلة — من خوفٍ على الحبيب ولهفةٍ عليه — هي لغة عالمية لا تشيخ , لقد أثبتت هذه الأغاني أنها عصية على النسيان , لأنها لم تُصنع للتجارة , بل صُبّت فيها أرواحُ ملحنين وشعراء وفنانين جعلوا من الوجدان العراقي مدرسةً يتعلم منها الأحفاد كيف يحبون , وكيف يشتاقون , وكيف يحولون الألم إلى فنٍ خالد.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...


المزيد.....




- شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
- الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا ...
- سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية ...
- كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا ...
- كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت. ...
- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...
- مايكل بي. جوردان يقول إن مشاهدة فيلم -Sinners- أبكته
- أحزان فيروز تتجدد في جنازة هلي الرحباني.. أمومة استثنائية خل ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن العراقي.