أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ولغة الجذور.















المزيد.....

المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ولغة الجذور.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 10:15
المحور: الادب والفن
    


المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ولغة الجذور.

لقد أجاد ألأستاذ إبراهيم البهرزي حين حذّر من (( العنصرية اللغوية )) , مؤكداً أن الكراهية قد تبدأ بكلمة , فحين تتحول ( چا) أو (عجل) من (( ذاكرة بيت )) إلى (( دليل إدانة )) نكون قد انحدرنا إلى لحظة قاسية من الإقصاء , حيث يُكره الإنسان لصوته قبل جسده , إن السخرية من اللهجة ليست مزاحاً , بل هي نزع للإنسانية , فمن يكره لهجتك يكره وجودك , وحين تصبح الكلمة تهمة , يصبح القتل مسألة وقت , فإلى كل من تشرّف بلسان الرافدين : إنَّ لغة الإنسان هي بيته الأول , وصوته هو بصمته الوجودية التي لا تُمحى , وفي العراق , لم تكن اللهجات يوماً مجرد مخارج للحروف , بل كانت طبقات جيولوجية من حضارات سادت ثم بادت , لكنها تركت أنفاسها في أفواهنا.

وعن تنوع اللسان , ووحدة الوجدان , ان العراق , هذه البلاد العجيبة , صهرت الجميع في بوتقتها , فبينما يتميز الكرخي بلهجته , والكاظمي بقوله ( جيبالي ووديالي ) , والبغدادي الأصيل بقلب الراء غيناً كما في لهجة الموصل قديماً , يظل القاسم المشترك أعظم , الجميع يسأل ( شلونك عيوني؟) و ( شكو ماكو؟ ) , والجميع يستخدم ( الچمچة ) و( الخاشوكة ) و (الدوندرمة ) في مزيج مذهل يجمع بين السومرية والأكدية والآرامية , وبين التركية والفارسية وحتى الإيطالية , هكذا هي سيمفونية المفردات من (( الصنطة )) إلى (( الشعواط )) تأملوا كيف نعيش تفاصيل يومنا بكلمات عبرت آلاف السنين لتصل إلينا , حين يحل السكون نقول ( صنطة ) وهي سكينة الآراميين , وحين يقترب الخطر من أرواحنا، نقول ( شاغت روحه ) , وهو الوجع المنحدر من أصل الزمان , حتى في مطابخنا , نستخدم ( الطبك ) و ( البارية ) , في تداخل مذهل بين الأكدية والتركية والمغولية , مما يثبت أن العراق كان دائماً ( مختبراً بشرياً ) ناجحاً , يمتص الثقافات ويصهرها ليعيد إنتاجها بنكهة عراقية خالصة.

في فلسفة الحرف , وحين يكون اللسان وطناً , فإنَّ اللهجة في العراق ليست مجرد وسيلة للتفاهم , بل هي (( متحف صوتي )) متنقل , حين ينطق الجنوبي بـ ( الچا ) , فهو لا يستحضر حرفاً , بل يستحضر طمي السومريين ورطوبة الأهوار وعمق الصبر , وحين يطلق ابن الغربية (العجل ) ,فهو يستدعي شهامة البداوة والامتداد الآرامي الذي لم ينقطع , إنها لغة العاطفة التي تسبق لغة العقل , فالعراقي لا يحب بلسان الفصحى , بل يحب بلهجته , ويعاتب بها , ويناغي طفله بها , لذا , فإن استهداف اللهجة هو استهداف لأكثر مناطق النفس البشرية حميمية وعرياً.

ان عبق التاريخ في مفرداتنا , إننا حين نتحدث , نستحضر آلاف السنين دون أن نشعر: فنحن نسبّ بـ ( إسليمة) وهي الموت في لغات قديمة , ونصف الفوضى بـ ( الطركاعة ) وهي جذر آرامي يعني الخفق والاضطراب , ونطرد الشر بكلمة ( كش) السومرية , ونبدي الحياء بـ ( بلابوش) والهدوء بـ( صنطة ) , أما ( عجل ) و ( چا ) , فهما تاجان على رأس هذا التراث , فالأولى رقة سومرية قيل إن أصلها (( حبيبي )) , والثانية استدراك آرامي أصيل , كيف لهاتين المفردتين الجميلتين أن تتحولا إلى أدوات للفرقة ؟ إن اللهجات العراقية بكل ألوانها — من لدغة الموصل إلى ملح الجنوب وترف بغداد — هي سيمفونية وطن واحد , وليست جدران عزلة.

وكي نبين جناية (( العنصرية اللغوية )) وصناعة الإقصاء : فإن ما يشهده الواقع اليوم من محاولات (( تنميط )) البشر بناءً على مخارج حروفهم هو (( تغوط شعبي )) كما وصفه البهرزي , أي انحدار قيمي يُحول التنوع من مصدر ثراء إلى مادة للسخرية , إن الفضائيات التي تفتح أبوابها لمن يعانون من (( عفن طائفي )) إنما يمارسون تدريباً مبكراً على الإقصاء الجسدي , فالتاريخ العراقي يعلمنا بمرارة أن (( الرصاصة تتبع السخرية )) , وأن الدم يُسفك دائماً بعد أن يُجرّد الإنسان من قيمة صوته وجمال انتمائه , إن السخرية من ( اللدغة ) أو ( المطّة ) أو ( النبرة ) هي في جوهرها رفض للآخر كوجود , ومحاولة بائسة لفرض ( مركزية لغوية ) لا وجود لها في بلد قام أصلاً على التعدد.

إن ما تفعله القنوات (( المسمومة )) من استضافة للعقول المعفنة طائفياً , ما هو إلا محاولة لاستخراج الصديد من جرح الوطن , لكننا نرد عليهم بالجمال والشعر, فالعراقي بوعيه يدرك أن لهجته هي (( حوبته )) وأصله , وكما قال شاعر الغربة والحنين مظفر النواب , معاتباً بمرارة المحب ومستخدماً سحر المفردة الجنوبية : (( چا ما اله حوبة بذاتك الحبابة كل ذاك العمر؟ )) , نعم , أليس لهذا العمر المشترك , ولتلك اللغة التي رضعناها سوية , (( حوبة )) تردع المسيئين وتجمع الشتات ؟ واللهجةُ ليست خياراً , بل هي حياةٌ منطوقة , وذاكرةُ شارعٍ مسروقة , فما أحلى ( لدغةَ ) الموصل , و( مطّةَ ) ديالي , و( رصانةَ ) الأنبار, و( مُلوحةَ ) الجنوب , و(غَنجَ ) بغداد , كما قال شاعرُهم يوماً : (( شحلات العجل بلسانج , يا لعد , يا چا يا كحلة عرب بعيون كُردية )) , إن الكلمة أمانة , واللهجة هوية , والعراق أكبر من أن تختصره كراهية عابرة.

إن العودة إلى احتضان لهجاتنا بكل تنوعها هي الخطوة الأولى نحو التعافي الوطني , فلا تدعوا القنوات المسمومة تسرق منكم جمال التنوع , ولا تتركوا العابثين يحولون (( الكلام العفوي)) إلى (( دليل إدانة )) , العراق ليس لوناً واحداً , بل هو قوس قزح من الأصوات , هو ( چا ) التي تملأ الروح عتباً لذيذاً , وهو (عجل ) التي تمنح الحوار ثباتاً ويقيناً , وهو ( لعد) التي تمنح البغدادي رقة في المنطق , إننا مدينون لهذه الأرض بأن نحفظ صوتها , وأن نتذكر دائماً صرخة مظفر النواب وهي تجلجل في وجداننا العراقي : (( چا ما اله حوبة بذاتك الحبابة كل ذاك العمر؟ )) , نعم , إن لهذا العمر المشترك (( حوبة )) و(( ذمة )) , وإن هذه اللهجات هي (( كحلة العرب في العيون الكردية )) , وهي الخيط السري الذي يربط قلوبنا مهما تباعدت الجغرافيا أو فرقتنا السياسة , فلنعتز بـ (چا) و (عجل) و (لعد) , ولنجعل منها جسوراً للمحبة لا خنادق للفرقة , ففي نهاية المطاف , اللغة تجمع ما تفرقه السياسة , وكلنا غصون في شجرة واحدة , جذورها سومر وأغصانها العراق .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .
- مقامة بلقيس .


المزيد.....




- نجلاء البحيري تطلق -امرأة الأسئلة-.. إصدار شعري جديد يطرق أب ...
- المغرب يعلن اكتشاف بقايا عظمية تعود لـ 773 ألف سنة بالدار ال ...
- بعد فوزه بعدة جوائز.. موعد عرض فيلم -كولونيا- في مصر والعالم ...
- العودة إلى الشعب: مأزق التعددية الحزبية وفشل التمثيل السياسي ...
- اعتقال مادورو.. كيف صيغت الرواية؟
- 10 نصوص هايكو بقلم الشاعر: محمد عقدة.دمنهور.مصر.
- معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...
- -إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ولغة الجذور.