أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.














المزيد.....

المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 13:52
المحور: الادب والفن
    


حَدَّثَ مسكين بن مأكول قال: لما انفتحت الأبواب , ودخلت الغربان الغاب , ورأينا العجب العجاب في أرض الرافدين بعد عام المصيبة والخراب , التفتُّ يميناً وشمالاً , فإذا بكل زاويةٍ (( دبش )) ينهب مالاً , وإذا بالشعب (( مدبوشٌ )) حالاً وبالاً , واعلموا يا سادة , أن حال ساستنا اليوم كحال ذلك (( الحلاق )) في قديم الزمان , حين أتاه (( قصابٌ )) شجَّت عينه شظية عظم (سكفة) , فبدلاً من أن يخرجها الحلاق ويريح المسكين , أبقاها في عينه لغرضٍ في النفس دفين , كان يداويها بالدهن والتعقيم يوماً بعد يوم , والقصاب يأتيه كل مساء بـ (( اللحم والمعلاك )) جزاءً على العلاج الموهوم , استمر (( الاستنزاف )) أياماً , حتى غاب الحلاق وترك ابنه في الدكان , فجاء القصاب يشكو الألم , فنظر الولد (ببراءة الجهل) وسحب العظمة بلمسة يد , فلما عاد الأب وعلم بفعل ابنه , لطم وجهه وقال بمرارة: ((عفي عليك يا ابني , من (دبش) بعد نأكل لحم ومعلاك )) , وهكذا هم ساسة الغفلة في بلادي , أبقوا جرح الوطن مفتوحاً , والكهرباء مقطوعة , والخدمات ممنوعة , لكي يستمر تدفق (( اللحم والمعلاك )) إلى موائدهم , فإذا طاب الوطن , ماتوا هم من الجوع .

ثم سألتُ عن أصل (( دبش )) هذا الذي ضاعت عنده الحقوق , فقيل لي : هو ((عزرا ساسون دبش )) , كان مديراً لمالية ميناء البصرة , يمسك الدفاتر والرواتب بيدٍ حديدية , فلما حزم أمتعته ورحل إلى حيفا عام 1951 , ترك العمال يصرخون خلفه : (( أين أجورنا ؟ )) فكان الجواب الساخر : (( اقبض من دبش )) , والآن , يا ويح العراق , فقد صار لنا في كل وزارة (( دبش )) , وفي كل دائرة (( ساسون )) , المواطن يطالب بحقه في النفط , فيقولون له : (( اقبض من دبش )) , يطالب بتعويضات العقارات المنهوبة , فيأتيه الصدى : (( اقبض من دبش )) , حتى صار الموظف والمتقاعد يقرأ قصيدة الملا عبود الكرخي بدمع العين : (( ساعة وأكسر المجرشة وألعن أبو كل من جرش , بالشلب أجرش للفجر , وأقبض فلوسي من دبش )) .

لقد تعددت المسميات والضياع واحد , ففي البصرة (( دبش )) وفي كردستان يقولون للخيبة (( اكتب عالثلج )) , وهناك رواية سمعتها من رجل عاصر تعدد الاعراق والأجناس والأديان في عدن أيام الاربعينات , حيث يقولون : (( حاسب ريح )) , وهي مأخوذة من طقوس الهندوس الذين كانوا في عدن , فعندما يموت شخص منهم , يحرقون جثته في أعلى جبل كريتر , ويأخذون رماد جسده , وينثروها من أعلى ذاك الجبل ثم يقولون : (( حاسب ريح )) , يعني لن يُحاسب في الاخره , لأن الريح نثرت رماده فلم يبق منه شيء , أما مواطننا (( المدبوش )) فقد تاهت حقوقه بين حكوماتٍ متعاقبة , وقراراتٍ متضاربة , كلما جاءت أمةٌ لعنت أختها , وكلما وعدت حكومةٌ بشروق الشمس , أظلمت الدنيا بفسادٍ جديد.

قال مسكين بن مأكول : واعلموا أن (( دبش )) لم يكن مجرد مدير ماليةٍ رحل , بل صار (( منهجاً )) لمن أراد أن يأكل وينكر الفضل , ففي حكايات (( قصبة الحي )) في واسط , كان الفقير إذا استدان من أخيه بلا (( سند )) أو حجة , جحده المدين وقال له بملء فيه: (( إنجان ما عندك سَنَد , اقبض فلوسك من دَبَش )) , واليوم، يا حسرةً على شعبٍ ضاعت (( سنود )) وطنه في دهاليز المحاصصة , فلا الورق يثبت حقاً , ولا الدستور يحمي مستحقاً , المواطن يحمل (( سند )) مواطنته , والسياسي يحمل (( سند )) عمالته , فإذا سأل الفقير عن حقه في ميزانية الانفجار , قالوا له : أين السند؟ وإذا أبرزه , قالوا : هذا ورقٌ بله واشرب ماءه , واذهب فاقبض من دبش الخضراء .

ثم انظروا إلى حال (( دبش التاجر)) الذي احتال على شريكه الطيب , فأخذ المال ليأتيه بـ (( الحرير من الصين )) ثم توارى خلف الغيوم والديون , وهكذا حال (( مقاولاتنا )) و(( إعمارنا )) اليوم , وعودٌ كحرير الصين , ومشاريع لا نراها إلا في (( شاشات التلفاز)) , وبين سطور التصريحات, يجمعون ميزانيات البلاد , ويعدوننا بـ (( جنةٍ عرضها الأرصفة )) , فإذا ولّى العام , طارت الأموال إلى البنوك القاصية , وبقيت بضاعتنا (( حصىً وتراباً )) , ومن يسأل عن حسابه يقال له : (( انتظر عودة دبش من سفره الطويل )) , ودبشُنا اليوم لا يعود , بل يغير جلده وجوازه , ويتركنا نلوك الصبر على أرصفة الخيبة.

وإتماماً لهذه (( المقامة الدبشية )) التي تحاكي واقع العراق الجريح وتكشف ألاعيب (( دبشات )) العصر الحديث الذين برعوا في فنون التسويف والنهب , نقول : يا أيها الناس , إن (( دبش )) لم يمت في حيفا عام 1962 كما تقول الحكايات , بل تناسل وتكاثر في بلادنا حتى صار طبقةً سياسية , فهو المسؤول الذي يبتلع ميزانية الكهرباء ويتركنا للحر , وهو المتعهد الذي يسرق السلة التموينية من أفواه الفقراء , وهو صاحب (( الضمير المنفصل )) الذي لا تهزه دمعة يتيم أو أنة مظلوم , فيا أيها المواطن الصابر, إن سألت عن موعد الاستقرار , أو عن أموال الإعمار , أو عن كرامة الديار في ظل هؤلاء السراق , فلا تتعب حنجرتك بالصراخ , بل التفت إلى أخيك وقل له بمرارة العراقي الأصيل: (( يا صاحبي , اقبض من دبش )) .

العراق ولّاد بالقصص التي تُحوّل الألم إلى أدب ساخر وسلاح فكري بوجه الفساد , لتكون صوتاً معبراً عن لسان حال الغيورين , ومرآة تعكس واقع (( دبشات )) هذا الزمان عسى أن يأتي يومٌ يسترد فيه المواطن حقوقه كاملة غير منقوصة , فيا أيها العراقيُّ (( المُدبوش )) , لا تجعلنَّ يأسك يسلمك لسكينة الذل , فالحلاقُ سيكتشف يوماً أن (( لحمه ومعلاكه )) هو دمُ الشعب , وأنَّ العظمةَ التي سحبها الولدُ الصغير (الجيل الجديد) هي بدايةُ الإبصار , وإن غداً لناظره قريب , ولو كان الوعدُ من (( دبش )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .


المزيد.....




- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...
- ارتفاع الإيرادات وتوسع خارج أوروبا: من يراهن على السينما الف ...
- السينما سلاحا لمواجهة الآخر.. من ينتصر في الحرب الأميركية ال ...
- التاريخ تحت مقصلة السياسة.. أكبر متاحف أميركا يرضخ لضغوط ترا ...
- صبّ تماثيل الدب لمهرجان برلين السينمائي في دورته الـ76
- مدرسة غازي خسرو بك بسراييفو.. خمسة قرون من -حراسة الزمن-


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.