أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السياسة دِفئاً ؟















المزيد.....

مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السياسة دِفئاً ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:49
المحور: الادب والفن
    


تحت عنوان فكرة القنفذ وشخصية الهندي , كتب فاضل الساعدي : في برد العراق القارص , تعود إلى الذاكرة حكاية القنافذ , حين يشتد الصقيع تتقارب لتتدفأ , فإذا اقتربت أكثر , وخزتها الأشواك فتتباعد , ثم تعود لتبحث عن مسافةٍ ذكية تمنح الدفء بلا ألم , تلك المسافة ليست حيلةً بيولوجية فحسب , بل حكمةٌ إنسانية عميقة , فالعلاقات بين البشر تشبه هذا التوازن الدقيق : عزلةٌ كاملة تُميت الروح , واقترابٌ أعمى يجرح القلب , الحكمة أن نعرف أين نقف , ومتى نقترب , ومتى نبتعد , في حياتنا اليومية نلتقي بمن نأكل معهم البط والأوز القوزي كتفاً إلى كتف , نشاركهم الخبز والضحكة , لكنهم يحملون أشواكاً خفية , كلماتٌ مسمومة , نياتٌ مُلتبسة , وضجيجٌ لا يدفئ أحداً , وهنا يأتي التحذير: ليس كل من اقترب منحك دفئاً , وليس كل صخبٍ حياة , أما (( الهندي )) الذي يملأ المكان ضجةً وضرباً على الصدور , فقصته قصيرة : شوكٌ كثير , دفءٌ معدوم , وصوتٌ عالٍ يعوّض فراغ المعنى , فاحذر, فبعض القنافذ لا تبحث عن الدفء , بل عن الوخز فقط.

ينقلنا فيصل القاسم إلى وجه القنفذ القبيح في عالم السياسة حين يقول: (( ليس هناك في القنافذ أملس , وكذلك في السياسة ليس هناك شريف )) ,والقنفذ حيوان شوكي صغير من فصيلة الثدييات , ينام شتاء ويستيقظ ربيعا , يعيش على الديدان والحشرات الصغيرة , والفئران الصغيرة , وبيض الطيور البرية , أي حيوان طفيلي لا يظهر نهارا إلا نادرا , ولا يبحث عن طعامه إلا ليلا , وعندما يداهمه الخطر , يتحول إلى كرة شوكية يحتمي بها , فلا أحد يستطيع ايذاءه , وتلك الأوصاف التي يتصف بها القنفذ ، هي نفس الأوصاف التي يتصف بها أغلبية الساسة في بلادنا ، فهم طفيليون يختفون شتاء ، أي عند دفع الثمن ، ويظهرون ربيعا ، اي عند أقتسام الربح ، ويحيكون دساءسهم ليلا لا نهارا إلا نادرا ، وعندما يداهمهم أي خطر مادي ، فهم يحتمون بتلك الكرة الشوكية ، التي لم تكن بالنسبة لهم ، سوى تلك المكونات الاجتماعية أو السياسية التي ينتمون إليها . أما إذا داهمهم خطر معنوي كالنقد مثلا ، فهم أيضا يحتمون بتلك الكرة الشوكية ، التي لم تكن هنا ، سوى الدجل والتزييف للحقائق الذي يقومون به ، بحيث لا يستطيع المستمع إليهم ، الخروج بأي نتيجة من أحاديثهم .

في سنة 1851 تأمّل الفيلسوف الألماني شوبنهاور في موقف حيوان القنفذ , اعتبرها واحدة من معضلات الإنسان الإجتماعية النفسية , فسماها: (( مُعضلة القنفذ Hedgehog s dilemma )) , حيث قام (( شوبنهاور )) بإسقاط هذه النظرية على العلاقات الانسانية , مؤكد أن الإنسان , الكائن الوحيد الذي يشعر بحاجة قوية لأن يقترب من الناس ويتفاعل معهم , وأنّ الوحدة تبقى قاسية جداً ومؤلمة بالنسبة للإنسان (مثل البرد بالنسبة للقنفذ) , فيقرّر أن يفعل مثل القنفذ ويبحث عن أبناء جنسه ويلتصق بهم من أجل الدفء النفسي , المشكلة أن التصاقه وقربه , لن يكون مصدر سعادة وراحة على الدوام , وإنما قد تكون مصدر ألم وتعب , وهنا تتولّد مشاعر سلبية كثيرة مثل الضغط النفسي والإحراج والإحساس بالوحدة والتردد في الأفكار وغيرها.

إن معضلة القنفذ , هي كناية عن التحديات التي تواجه العلاقات البشرية الحميمة, فهو يصف الحالة التي تسعى فيها مجموعة من القنافذ تسعى إلى أن تبقى قريبة من بعضها البعض لتبادل الحرارة خلال الطقس البارد , في نفس الوقت يجب أن يبقوا متفرقين ليتجنبوا إيذاء بعضهم البعض بأشواكهم , على الرغم من أنها تشترك جميعا في الرغبة في علاقة تبادل وثيقة , إلا أن هذا قد لا يحدث لأسباب لا يمكنهم تجنبها , وقد استخدم كلًا من آرثر شوبنهاور وسيغموند فرويد هذه الحالة لوصف ما يشعرون به , وهو حالة الفرد بالنسبة إلى الآخرين في المجتمع , إن معضلة القنفذ تشير إلى أنه على الرغم من النوايا الحسنة , العلاقات الإنسانية الحميمة , لا يمكن أن تحدث دون قدر كبير من الأذى المتبادل , مما يؤدي إلى سلوك حذر وضعف العلاقات بدلًا من تقويتها , في معضلة القنفذ , يفضل أن يعتدل الفرد في علاقته مع الآخرين سواء لتحقيق مصلحة شخصية أو لمصلحة الآخرين , معضلة القنفذ تستخدم لشرح الانطواء والانعزال.

قصة هذه المعضلة تكاد تختصرها المقولة العربية المتداولة , والتي تنسب لسيدنا علي بن أبي طالب : (( أحبِبْ حبيبَكَ هونًا ما , عَسى أن يَكونَ بَغيضَكَ يومًا ما , وأبغِض بغيضَكَ هونًا ما عسَى أن يَكونَ حبيبَكَ يومًا ما )) , لتبقى كلمة السر المحافظة على مسافة آمنة مع جميع من حولك , من شريك حياتك وحتى زميل العمل الذي قد لا تتقاطع معه أبداً .

(( قنفذ السياسة )) مصطلح يُستخدم في سياقين رئيسيين: استراتيجية الدفاع العسكري غير المتكافئ او استراتيجية القنفذ التي تتبناها الدول الصغيرة لجعل غزوها مكلفاً جداً للمعتدي , أو دلالة سياسية/اجتماعية مستوحاة من فلسفة شوبنهاور التي تشير إلى الحاجة للتقارب مع الحفاظ على مسافة آمنة (أشواك) لتجنب الأذى المتبادل , واستراتيجية القنفذ الدفاع : تعني تحويل الدولة إلى (( كرة شوكية )) دفاعية , تُركز على الأسلحة الذكية والمتحركة لصد القوى العسكرية الكبرى , مثل نموذج الدفاع التايواني.

يذكر الخبراء مثلًا شهيرًا للتوكيد على أهمية تسطيح العلاقات , وهو نموذج (( عزلة المبدعين )) للعالم المخترع ((توماس أديسون )) الذي كانت أضائته للبشرية ليلها بنظام الكهرباء زلزالاً نقل البشرية حرفيًا من عصور الظلام إلى النور والتقدُّم , محولاً صممه الجزئي إلى درع يحميه من الضجيج , ليضيء للبشرية طريقها بالكهرباء , وبسبب أنه كان يعاني من الصمم الجزئي بسبب تعرُّضه لنوبات متكررة من الحمَّى , كان يرتدي في أذنه سمَّاعة طبِّية , لكنه كلَّما أراد التركيز في عمله , كان يخلع سمَّاعته طواعية لينعم بالهدوء والرَّاحة , ما يعني أنه كان يطبِّق حرفيًا نظرية القنفذ , فاستمتاعه بالأوقات التي كان يقضيها مع نفسه تنم عن أن علاقاته بالآخرين لم تكن عميقة , باستثناء علاقته بالدائرة القريبة له بالتأكيد , لكن طبيعة النفس البشرية اعتادت على النفور من تسطيح العلاقات , لأن الإنسان جُبِل على أن يكون اجتماعياً , والدخول في العلاقات يقيه من خطر الشعور بالوحدة التي قد تسبب له الاكتئاب.

وعلى سبيل المقارنة بين الشعوب , نجد أن اليابانيين قد أخذوا نظرية القنفذ إلى أقصى حدودها, حيث يعدّ الشعب الياباني من أوائل الشعوب التي طبَّقت النظرية بكل تفاصيلها منذ قديم الأزل , ولا يزال يطبِّقها حتى الآن , فالفرد الياباني يعشق التمتُّع بخصوصيته ويفضِّل رسم الحدود بينه وبين أقرانه , ودخوله في علاقات حميمية يكون أمراً شديد الصعوبة , ويعزى السبب في ذلك إلى أن جميع أفراد الشعب يخشون الوقوع في أخطاء عند التعامل مع الآخرين , لأن أقل الهفوات قد تجلب لهم الخزي والعار ليس فقط على مدار سنوات طويلة , بل قد تلازمهم تلك الوصمة طوال العمر , ولهذا السبب , يفضل الفرد الياباني عدم مغادرة منزل العائلة , وإذا كان مقدَّرًا له الخروج , يستمتع بوجوده في غرفة صغيرة للإحساس بالدفء والحميمية مع نفسه , أضف إلى هذا , فإن إدمان الفرد الياباني للعمل يمنحه الفرصة لتسطيح العلاقات , وكذلك يكون الوسيلة الفعَّالة لتعويض الشعور بالوحدة.

يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد جاءت لتقدم حلاً زائفاً لمعضلة القنفذ , فهي توهمنا بالدفء بينما تكرس العزلة , فخلف الشاشات , يمارس الإنسان انطواءه بصدرٍ رحب , منخرطاً في علاقاتٍ سطحية مع المئات أو الألوف , يمنحهم فتات الانتباه ويسترد منهم ضجيجاً لا يدفئ روحاً , إنها (( المسافة الرقمية )) التي جعلت الحظر (Block) بديلاً عن التفاهم , و الإعجاب (Like) بديلاً عن العناق , لقد كان (( أديسون )) يخلع سماعته ليصنع من صمته نوراً يضيء العالم , أما إنسان اليوم فيرتدي سماعاته ليغرق في سيلٍ من التفاهة يطفئ نور بصيرته , إن التحدي الأكبر اليوم ليس في تجنب وخز الآخرين , بل في ألا نتحول نحن إلى قنافذ إلكترونية , نملك آلاف المتابعين ولا نملك صديقاً واحداً نأمن لدفئه , لتبقى الحكمة دائماً في تلك (( المسافة الذكية )) : أن نقترب بقلوبنا بما يكفي للمودة , ونبتعد بعقولنا بما يكفي للحرية , فلا نموت برداً من الجفاء , ولا نموت جرحاً من رداءة الاختيار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .


المزيد.....




- لماذا يعود أذكى جيل في التاريخ إلى -الهواتف الغبية-؟
- فلسطين تحضر بجرحها وصوتها في قلب معرض الكتاب بالقاهرة
- فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي ال ...
- نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى إثر إصابته بجلطة دماغية ...
- محمد بن سلمان لـ بزشکيان: لن نسمح باستخدام أجواء أو أراضي ال ...
- الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قل ...
- خريطة سينمائية سياسية.. افتتاح أفغاني لمهرجان برلين السينمائ ...
- مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلم ...
- رحلة العقل العربي من الانبهار بكنوز أمريكا الجنوبية إلى تشري ...
- مصر.. آخر تطورات الحالة الصحيّة للفنان سامح الصريطي


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السياسة دِفئاً ؟