صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 18:35
المحور:
الادب والفن
أدت المقاهي دوراً كبيراً في تشكيل الحركة الأدبية والثقافية , بل والسياسية قبل طغيان موجات العولمة , إذ اعتاد الكثير من المثقفين حول العالم على اتخاذها فضاءً ملهماً للإبداع والحوارات والمساجلات الجادة هرباً من تقييد روتين العمل والمحافل التقليدية , مما أسهم في تشكيل ثقافة مستقلة بذاتها ودافعاً لإنتاج أدبي وثقافي مختلف , كما تشهد بذلك ولادة كثير من أعمال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وغيرهم , وعندما نتتبع هذه الظاهرة نجدها تاريخاً شعبياً ثقافياً موازياً للتاريخ الثقافي الرسمي .
تُعد بغداد من أرشد المدن في تشييد المقاهي وتوظيفها ثقافياً , حيث يعتبر(( مقهى الخفافين )) حسب مؤرخ بغداد الشهير جلال الحنفي , أقدم المقاهي في بغداد, وهو قائم منذ أكثر من 950 عاماً , وكان من رواده الكثير من رموز الفكر والأدب منهم : معروف الرصافي وجميل الزهاوي وعبود الكرخي , ويذكر الباحثون أن هناك مقهى شيد في بغداد أسمه مقهى (( خان جغان )) عام 1590 في زمن الوالي العثماني (( جغالة زادة سنان باشا )) الذي عينه السلطان مراد الثالث الذي حكم بغداد من 1586 وحتى 1590 , وأجمع العديد من الدارسين بأن المقهى بمثابة منتدى اجتماعي ثقافي , وملتقى للترفيه أيضًا , وقد يكون أحيانًا مكانًا تناقش فيه الشؤون المحلية والعالمية , وتعقد فيه اللقاءات والجلسات المختلفة حسب المناسبات , التي تخص شخصا أو جماعة معينة , سواء كانت هذه المناسبة مفرحة أو محزنة , عامة أو خاصة , وقد جاء أول ذكر لمقهى في بغداد ورد عام 1590 م , من قبل (( نظمي زادة )) في كتابه (( كلشن خلفا )) , لقد بلغ عدد المقاهي في بغداد 140 مقهى حسب تقارير سنة 1883 م , ثم وصل العدد إلى 599 مقهى في عام 1934.
ثم ينتقل إلى مقهى الشابندر بشارع المتنبي 1917, ويصل إلى مقهى الزهاوي الذي يطل على أهم ساحات بغداد (( ساحة الميدان )) منذ أكثر من مائة عام , وسمي باسم الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي , وهو المقهى الذي شهد كتابة ردوده الشهيرة على الكاتب الكبير (( عباس محمود العقاد )) , ولقد تكلم شاعر الهند الكبير (( طاغور )) عن استضافته الزهاوي له في ذات المقهى , ومن رواده الشاعر محمد مهدي الجواهري , وعالم الاجتماع علي الوردي والرصافي , وقد شهد أيضاً بدايات الحياة الأدبية للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.
شغلت بعض المقاهي مراكز ونوادي للاحزاب , مثلًا كان مقهى ((عنجر)) الواقع في شارع الكفاح , يستقبل الشباب المتحمسين للاتجاهات القومية ومناهضين للشيوعية , وبجوار هذا المقهى أقيم مقهى آخر عرف باسم مقهى 14 تموز كان رواد هذا المقهى من مناصري الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة التي اطاحت بالنظام الملكي يوم 14 تموز عام 1958, وقد امتلأت جدران هذا المقهى بصور عبد الكريم قاسم , وصور الزعيم الشيوعي لينين وماركس وانجلز, أما مقهى (( البرازيلية )) , فقد شهد تأسيس اتحاد الكتاب العراقيين , ونواة لمسرح التشكيل , يقع هذا المقهى وسط شارع الرشيد , أهم شوارع بغداد , تجمع حول طاولات المقهى أدباء وسياسيون , وطلبة كليات وفنانون , شكلوا العهد الذهبي في الحياة الأدبية والفنية العراقية , في هذا المقهى افتتح مسار الحركة التشكيلية العراقية على أيدي (( جواد سليم )) وجماعته , فكتب في مذكراته بعد لقائه بالفنانين البولينيين , تلاميذ الفرنسي (( يونار )) في ذلك المقهى قال : الآن عرفت اللون , الآن عرفت الرسم , كما ارتاد المقهى العديد من الشعراء العراقيين وكبار رواد حركة الشعر الحر , مثل بدر شاكر السياب , وبلند الحيدري , فضلًا عن عبد الرازق عبد الواحد وعبد الوهاب البياتي وغيرهم , وشهد المقهى ولادة فكرة تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين عام 1952 , ولكن الحكومة العراقية التي كانت تتعقب خطوات كل شاعر وأديب شعرت بخطورة مثل هذا المجتمع الأدبي , فأوعزت بالقبض على عدد من الادباء والشعراء ومصادرة انتاجهم.
في نهاية ستينيات القرن الماضي , ظهر مقهى (( المعقدين )) الواقع في شارع السعدون وسط بغداد , ارتاد هذا المقهى كوكبة من ادباء اشتهروا بالتمرد على السائد في المشهد الثقافي , المطلعين على الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي , كالمسرح الفقير والمسرح الأسود , والتقريب , فضلًا عما شهدته مناقشاتهم في العبث والوجود , والعدم والالتزام , جعلت منهم جيلًا خارجًا عن الذوق التقليدي بين الأدباء , ويقال ان تسمية المعقدين اتت تجليًا للصراع الأدبي المفتوح وبناء الشخصية التي تقترح الحداثة , لا كإنتاج نصيّ , بل كمناخ للحياة , من أبرز ادباء هذا المقهى الشاعر عبد الرحمن طهمازي وشريف الربيعي وانور الغساني والرسام ابراهيم زاير.
يقول الناقد حسين مردان: (( يعد مقهى حسن عجمي من أكثر المقاهي شهرة وعراقة , فقد حافظ على حضوره واستمراره عقودًا طويلة , وارتبط اسمه بشارع الرشيد الشهير , وتردد عليه معظم الأدباء والمثقفين , ومن الرواد الذين ارتبط المقهى بهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان يجلس فيه قبيل إلقائه قصائده الوطنية المحرضة إبّان انتفاضة عام 1948 , فكانت الجماهير المأخوذة بسحر قصائده وبلاغتها وتأثيرها , تنطلق من جامع الحيدرخانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة منددة بالمعاهدة الجائرة التي وقعتها الحكومة مع بريطانيا )) , وفي الأربعينات والخمسينات توافد على هذا المقهى إلى جانب الجواهري , كل من كمال الجبوري , والسياب , والبياتي , وعبد الأمير الحصيري , وسواهم من وجوه الفكر والأدب والإبداع , يتداولون الرأي ويعقدون حوارات في مختلف شؤون الفكر والثقافة , ولم يتوقف هذا المقهى عن استقطاب الأجيال الأدبية التالية كجيل الستينات والسبعينات والثمانينات , تلك الأجيال التي شهدت حراكًا ثقافيًا أوسع , وتطويرًا لآفاق التجربة الإبداعية وتوليدًا للاتجاهات والرؤى والمفاهيم الجديدة.
شكل مقهى البرازيلية العهد الذهبي في الحياة الأدبية والفنية في العراق , إذ أصبح لكل أديب شخصيته الخاصة , وظهرت وجوه أخرى جديدة كالشاعر رشدي العامل , والقاص نزار عباس , ومحمد روزنامجي , والصحافي الكبير عبد المجيد الونداوي , وهناك وخلف الواجهة الزجاجية العريضة وحول منضدة صنعت من أعواد الخيزران كان يجلس الفرسان الأربعة (( حسين مردان , وعبد الوهاب البياتي , وكاظم جواد , وعبد الملك نوري )) , الذين أصبحوا نقطة الارتكاز لكل أطراف الحركة الأدبية في العراق , ومع أنهم كانوا مختلفين من ناحية اتجاهاتهم الأدبية , فإنهم شكلوا وحدة متراصة ضد كل بوادر الشعوذة ومحاولات الارتداد , كما يذكر حسين مردان , وفي تلك الفترة انضم إلى هذه المجموعة كل من سعدي يوسف , ومحمود الخطيب , وماجد العامل , وكان يحضر لـ(البرازيلية) أحيانا بعض المفكرين المعروفين كالدكتور فيصل السامر , والأستاذ إبراهيم كبة , والدكتور علي الوردي , وغيرهم , وفي مقهى البرازيلية بالذات نشأت التيارات والأفكار التجديدية في الشعر والأدب .
في سوريا يشتهر مقهى الهافانا الواقع في قلب العاصمة دمشق منذ العام 1945 , ويشبهه رواده بمقهى الفيشاوي المصري لقدمه , ومقهى البرازيل بشارع بورسعيد في وسط دمشق , وأخيراً مقهى الكمال المجاور لهافانا بشقيه الصيفي والشتوي , وفي لبنان يتناول: مقهى عرمرم , المشهور بأمسيات (( شهرياد )) الثقافية الشهيرة من عزف وإلقاء وفن تشكيلي تحت إشراف الحركة الشبابية الأدبية شهرياد ( والاسم خليط من اسمي شهريار وشهرزاد ) , ومقهى المودكا كأشهر مقاهي الحمرا , الذي تمنى الكاتب الكبير عصام محفوظ بسبب بُعد المقهى عن منزله أن يربح جائزة مالية كبيرة , ويشتري الطابق الذي يقع فوق المقهى , كي يتسنى له النزول بلباس النوم إليه , كناية عن شغفه به , ليصل إلى (( محلة الزيتونة )) وهو مقهى هادئ ومبني بالخشب , ويقع على شاطئ بيروت , وكان يجلس فيه الأدباء ساعة الغروب في ندوة شاعرية شهيرة , مثل: بشارة الخوري وشلبي الملاط وأمين الريحاني وجورجي سعد وآخرين , وقبل أن يودع مقاهي لبنان يمر رحومة بمقهى النجار الواقع في البرج , ومن رواده : بشارة الخوري وأمين نخلة ووديع عقل وغيرهم.
المنتديات الثقافية داخل المقاهي ظاهرة قديمة لم تنقطع طوال التاريخ كانت تأخذ أشكالاً تختلف باختلاف البيئات والأزمنة , وفي تونس يأتي ذكر مقهى تحت السور الشعبي بمنطقة باب سويقة في حاضرة تونس , وفي الجزائر يتناول : مقهى طانطافيل أو (( مقهى الجزائر )) بساحة بورسعيد بالعاصمة الجزائرية قرب الحي العتيق , ومقهى الرمانة التاريخي بمدينة تلمسان المسمى على اسم شجرة الرمان التي تتوسط المكان إلى الآن , إضافة إلى مقهى الوداد بمدينة وهران في وسط المدينة بشارع أحمد بن أحمد , إضافة إلى مقاه أخرى مثل: مالاكوف , والتلمساني بالقصبة المعروفين في السابق بمجالس الشعراء والأدباء والفنانين.
وعلى هدي هذه التجارب الخالدة , وفي قلب مدينتنا ( بعقوبة ) ينهض مقهى (أبو رقية) ليكون أكثر من مجرد مساحة لارتشاف القهوة , إنه ينبثق اليوم كواجهة ثقافية واعدة , ومشروع ملهم يعيد لبعقوبة ألقها الأدبي والاجتماعي , إن فلسفة هذا المكان تقوم على إيمان عميق بأن المدن لا تُبنى بالخرسانة فحسب , بل تُشيد بالوعي وبالمساحات التي تحتضن الحوار وتزرع المحبة , لقد نجح المقهى في فترة وجيزة أن يتحول إلى مغناطيس يستقطب النخب المثقفة , من كُتّاب وشعراء وفنانين , وجدوا فيه (الفضاء البديل) الذي يكسر عزلة المثقف ويعيده إلى حاضنته الشعبية , وما يميز هذا المرفق هو ذلك الحضور اللافت والواعي للمرأة , مما يعكس نضجاً اجتماعياً وبيئة آمنة تحترم الخصوصية وتدفع باتجاه الرقي الإنساني , إننا نتطلع لمقهى (أبو رقية) أن يكون النواة الصلبة لمنتدى ثقافي دائم , لا تقتصر نشاطاته على الجلسات العابرة , بل تمتد لتنظيم الحوارات الفكرية المفتوحة , وتوقيع الإصدارات , واللقاءات التي تذيب الجليد بين الأجيال الأدبية , والهدف الأسمى والغاية الجوهرية لهذا الصرح , هو صناعة بيئة وطنية خالصة , تتبنى مفهوم (( المثقف الوطني العضوي )) , ذلك المثقف الذي ينحاز لقضايا شعبه ومدينته , مترفعاً عن الولاءات الضيقة والتحزبات السياسية أو التأثيرات الخارجية , إنه دعوة مفتوحة لتكريس (( الهوية الجامعة )) , ليكون المقهى رئةً يتنفس من خلالها نسيج الشعب بمختلف أطيافه , وبيتاً ثانياً يجمع العراقيين على مائدة الحرية والجمال , في مسعى جاد لاستعادة دور المقاهي التاريخي كصانعة للتغيير ومصنع للأفكار العظيمة.
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟