أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .














المزيد.....

المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية.

حكى هرقل بن المنصور, قال: بَيْنما نحنُ في زمنٍ كدِر, وليلٍ مستمر, رأينا في أرض الرافدين عُجاباً , تضيقُ به الصدورُ عتاباً , رأينا شيخاً قد بلغ من العمر عتياً , يظنُّ أنه ما زال في الناس نبياً , يخطو على أعتاب الثمانين بوهنٍ ظاهر , وقد أذلّتهُ الأيامُ بين باطنٍ وظاهر, تراهُ في صورته كأنّهُ طفلٌ غرير, يرتدي من (( الحافظات )) ما يقي به نفسه من التقصير, وقسطرةُ البولِ على ساقه علامة , في مشهدٍ يسلبُ الهيبةَ والكرامة .

يا قوم , إنّ هذا الرجل , قد كان لإيران نِعمَ الوفاء , وبئسَ العطاء , فتحَ خزائن العراقِ لكلِّ طامع , وبدّدَ ترليوناً من الذهبِ اللامع , فكانت أموالُ اليتامى (( قبلة الحياة )) لطاغيةِ الشام ,و(( قبلة الخفاش )) لمرشدٍ يقتاتُ على الآلام , أطعمَ بها (( اليمني )) و((اللبناني )) , حتى استقام عودهم , وجاعَ أهل الدار وضاعَ جودهم.

ثمَّ قلتُ لصاحبي وهو خبيرٌ بالأساطير: ألا ترى أنَّ هذا النظامَ الذي يحرّكهم كأنه الهيدرا؟ قال: صدقتَ يا بن المنصور, هي الأفعوانُ ذو الرؤوسِ المتعددة , تسكنُ مستنقعاتِ الغدرِ المتجددة , كلما قُطِعَ لها رأسٌ نبتَ مكانَهُ رأسان , في مكرٍ يعجزُ عن وصفهِ اللسان , نظامٌ يتشكلُ بـ (( خلايا جذعية )) من الفوضى , لا يشيبُ ولا يهرمُ ما دامَ المالُ يمضي .

ولكن , لكلِّ ليلٍ فجر, ولكلِّ ظلمٍ حجر, لقد جاء اليومَ من يحملُ (( الميسم )) ليُكوي الجراح , ويقطعَ دابرَ النباح , فها هو من يتقمصُ دورَ هرقل الصنديد , لا يكتفي بقطعِ الرؤوسِ بل يحرقُ العروقَ بالحديد , لقد كوى رؤوسَ الهيدرا في ضاحيةِ لبنان , وفي خنادقِ غزةَ واليمنِ وأرضِ الفُرسِ ببيان .

أما (( الشيخُ المُسن )) الذي أرادت إيران بعثَهُ من مرقده , لينهبَ ما تبقى من الفتاتِ بموعده , فقد جاءه (( الفيتو )) كصرخةِ الحق , وقال له بملءِ الفم : (( كش ملك )) ,فيا عجباه , أيحاولُ من كان في التسعين , والآخر ذو الثمانين , إحياءَ إمبراطوريةٍ نخرها السوس , واستنزفتها الدروس؟ إنَّ الهيدرا التي تظنُّ نفسها خالدة , ستُدفنُ رؤوسُها تحت صخرةٍ راكدة , ولن يبقى منها إلا سَمٌّ في نقع , وذكرى شؤمٍ في بقع.

واستطردتُ في الحديثِ مع صاحبي , فقلت: يا هذا , إنَّ هيدرا الرافدينِ قد فاقت أسطورةَ اليونانِ مَكراً , واستحدثت في فنونِ البقاءِ غَدراً , فهي تدّعي (( الخلودَ البيولوجي )) في مياهِ الفسادِ الآسنة , وتزعمُ أنها (( جنينٌ أبديّ )) لا تفتكُ به السنونَ الخائنة , تظنُّ أنها تُبدلُ خلاياها كل عشرين يوماً , لتمحو عن وجهِها القبيحِ لوماً , فتستبدلُ وجهاً عابساً بوجهٍ كالح , وتقايضُ فاسداً بصالحٍ غيرِ صالح , حتى أوهمت الناسَ أنَّ مَوتها مُحال , وأنَّ بقاءها فوقَ القيلِ والقال .

فقال صاحبي مُتعجباً: ولكن يا بن المنصور, إنَّ العلمَ يقولُ إنَّ الهيدرا تشيخُ إذا تغيرت البيئةُ من حولِها , وتفقدُ سحرَ خلودِها إذا جفّت الينابيعُ التي تمدُّها بحولِها , فما بالُ هذه الهيدرا السياسية لا تموت ؟ قلتُ : يا مسكين , إنَّ سرَّ بقائها كان في (( الخلايا الجذعية )) من دولاراتِ النفطِ المنهوبة , التي كانت تُحقنُ في عروقِها المشروبة , أما اليوم , فقد تبدّلَ الطقسُ وزمجرَ الإعصار, وحلّت برودةُ (( الفيتو)) التي تُجمّدُ الأبصار , إنَّ الهيدرا التي لا تهرم , بدأت اليومَ تتآكلُ وتُهزم , لأنَّ النارَ لم تحرق الرؤوسَ فحسب , بل جففت المستنقعَ الذي فيه تتقلبُ وتلعب , فها هي ملامحُ الشيخوخةِ تظهرُ على (( شيخ الثمانين )) وأربابِ نعمته , ولم تعد (( حافظاتُه )) تسترُ عورةَ نظامهِ ولا خيبةَ أمته .

ثم ختمتُ القولَ فقلت : إنَّ الذي يظنُّ أنَّ التاريخَ يُعادُ بوجوهٍ استهلكها المرض , وأجسادٍ أكلها الغرض , كمن يحاولُ حبسَ الماءِ في المنخل , فالهيدرا مهما أنبتت من رؤوس , مصيرُها تحتَ صخرةِ هرقلَ دروس , وقد فُضحَ المستور, وبانَ المخبور, ولم يبقَ إلا أن يُسدل الستار, على مَن جعلَ من أوطاننا حطباً للنار.

يقول الشاعر : (( عَادَ الصَّبِيُّ إِلَى الحِفَاضِ مُكَبَّلا ... بَعْدَ العُتُوِّ وَمَا جَنَاهُ تَدَلَّلا , يَمْشِي بِأَنْبُوبِ الهَوَانِ وَسَاقُهُ ... شَهِدَتْ بِأَنَّ العُمْرَ وَلَّى وَانْجَلَى , تِرْلِيُونُ نَهْبٍ فِي الخَزَائِنِ بَدَّدَتْ ... كَفَّاهُ مَالاً لِلرَّعِيَّةِ أُهْمِلا , أَعْطَى "لِبَشَّارٍ" حَيَاةً بَعْدَمَا ... ضَاقَ الخِنَاقُ بِهِ وَمَاتَ تَعَلُّلا , وَسَقَى جُذُورَ "الهَيْدَرَا" مِنْ دَمِّنَا ... حَتَّى اسْتَطَالَ الرَّأْسُ فِينَا وَاعْتَلَى , لَكِنَّ قَوْلَ ( الكِشِّ ) جَاءَ بِمَوْعِدٍ ... فَاسْقُطْ ( مَلِيكاً ) فِي المَزَابِلِ أَرْذَلا , لا ( خَبيثا ) وَلا (( العُدَارُ )) بِمُنْقِذٍ ... مَنْ بَاعَ دِجْلَةَ لِلْغَرِيبِ وَهَلَّلا )) .

صباح الزهيري .

توضيح لغوي بسيط :
• العُدَارُ: هو أحد الأسماء العربية القديمة لوحش (( الهيدرا )) الأسطوري.
• أنبوب الهوان: إشارة إلى قسطرة البول التي ذكرت في وصف صورته الحالية.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...


المزيد.....




- فيلم -القيمة العاطفية-.. عائلة في مرآة الفن
- نجاح بعد الستين.. كاتبة أمريكية دخلت قوائم الأكثر مبيعا بروا ...
- وزير الشباب والثقافة المغربي ينفي اتهامات التشهيـر ويعلن لجو ...
- اللوحة التي تأخرت قرنين عن موعدها.. تعود لتحكي ذاكرة شاعر
- تقليد متقن لياسر العظمة يذكّر بالجانب الكوميدي للممثل تيم حس ...
- يوسف شاهين.. أيقونة سينمائية جعلت الفن صوتا للحرية والسينما ...
- لماذا يعود أذكى جيل في التاريخ إلى -الهواتف الغبية-؟
- فلسطين تحضر بجرحها وصوتها في قلب معرض الكتاب بالقاهرة
- فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي ال ...
- نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى إثر إصابته بجلطة دماغية ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .