أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .














المزيد.....

المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 11:29
المحور: الادب والفن
    


حدثنا عيسى بن هشام قال : بينما أنا في (( الدوحة )) مُقيم , كقنفذٍ ليلٍ في جُحره مستقيم , أرقبُ الصيفَ كيف يمضي والشتاءَ كيف يأتي , وأعدُّ الأيامَ عَدَّ الشحيحِ لدرهمه , والبعيدِ عن مَغنمِه , غمرني شوقٌ عارمٌ لبلادٍ تركتُ فيها الفؤاد , وهناك خلف غزةَ والرمال , ذكرياتٌ تأبى الزوال , تذكرتُ جدي الشيخَ الوقور, صاحبَ القلبِ الصبور, الذي كان يرى ببصيرته ما لا يراه المبصرون , ويمسحُ بكفِّه على وجوهنا فنستكينُ ونكون , كان يجلسُ على عتبةِ الدار , كأنه بقايا أثرٍ من ملاحمِ الكبار , يطلبُ من (( مدللةَ )) أن تُديرَ المذياع , بحثاً عن لحنٍ ضاع , فإذا عَزَّ الطلب , وجَفَّ المأرب , وضعَ يدَه على خدِّه والتهب , وغنى بصوتٍ رقيقٍ يفيضُ عتب: (( زوروني كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة )) .

فيا للهِ من لحنٍ تداولته الشفاه , وضاعت بين الرواةِ أطواه , أصلُه من أرض (( الموصل )) الحدباء , حيث ولدَ (( عثمان )) في فقرٍ وضراء , هو عثمان بن علي الموصليّ , الذي فَقَدَ والدَه في السابعة , وأصيب بالجدري فذهبت عيناه الدامعة , لكن الله أبدله بنورِ النغم , وبصيرةِ القلم , كفله آلُ العمري الكرام , فصار نابغةً بين الأنام , تنقلَ بين بغداد والشام , وحطَّ في (( إسطنبول )) رحالَ الإعظام .

قيلَ إنه دخلَ عاصمةَ بني عثمان , فصارَ فيها أعظمَ قارئٍ للقرآن , يجوّدُ اللفظَ ويُلحّنُ الروح , ويشفي بجمالِ صوته الجروح , حتى سَمِع به السلطانُ ((عبد الحميد )) , فأمرَ بجلبِه ليكونَ منه القريبَ والبعيد , فما حلَّ ببلدٍ إلا وكان فيها معلماً وتلميذاً , يُدخلُ (( الحجاز كار)) لمصرَ ويرسخُه تشييداً , ويُهدي للأتراكِ مقامَ العراقِ عريقاً , فغدا لكل فنٍّ منارةً وطريقاً.

يا صاحبي , هل عرفتَ أصلَ (( زوروني )) ؟ إنها في البدء كانت (( تنزيلةً )) صوفية , ونفحةً قدسية , نَظَمها المُلّا عثمان حين رأى المصطفى ( ص ) في منامه , يُعاتبه على جفائهِ في منامه , فأفاق والقلبُ في وجيب , وصاغ (( زُر قبر الحبيب مرة )) بدمعٍ صبيب , فكانت تُغنى في الموالدِ والأذكار, وتُطربُ الأخيارَ والأبرار: (( زُر قبرَ الحبيب مرة غرام.. يا قلبِ زر مرة غرام كي تحظى بالنظرة.. ادر كاساً وناولني غرام.. وبالإحسانِ عاملني غرام..)) .

ثم طار اللحنُ إلى (( الشام )) , والتقاه هناك (( سيد درويش )) الهمام , فجالسَ الموصليَّ ثلاثَ سنوات , واقتبسَ من معينه الدرّ والياقوت , ويُقال إن (( جليلة )) الفاتنة , في لحظةِ عتابٍ ساكنة , قالت لسيّدها : (( ابقَ زرنا يا شيخ كل سنة مرة )) , فاستذكرَ لحنَ أستاذِه , وصبَّ فيه لوعةَ اتئاده , فصارت الأغنيةُ أيقونةَ العصور, وفتنةَ السطور.

ولم يكن ذلك اللحنُ يتيمَه , بل كانت له ألحانٌ عظيمة , نُسِبت لغيره في مأساةٍ فنية , وغفلةٍ تاريخية , فمنه (( فوق النخل )) و(( البنت الشلبية )) , و(( يا أم العيون السود )) و(( طلعت يا محلا نورها )) السنية , كان شاعراً , خطيباً , وطنياً , ورجلاً في الحقِّ قوياً , نادى بكفِّ يدِ الإنجليز عن العباد , وصان بعلمه مجدَ البلاد .

أتذكرُ حكايةً تُروى عن دِقّةِ سمعه , ورفعةِ طبعه , إذ كان يسيرُ مع حفيده في الدروب , فسمعَ عوداً يئنُّ من القلوب , فوقفَ وقال : (( يا عزيلاً , لقد قتلني هذا العازفُ بجهله , دُلّني على بابِ أهله )) , فطرقَ البابَ بعصاهُ الغليظة , وصاح صيحةً مستفيضة: (( يا عازفَ العود , إنَّ وترَ النوى نازلٌ.. شُدَّه قليلاً )) .

فرحمَ اللهُ زمناً كان فيه النغمُ صلاة , واللحنُ طوقَ نجاة , ورحمَ اللهُ جدي الذي لم يكن يَعرفُ (( سيد درويش )) ولا (( الموصلي )) , بل كانت (( فيروز)) عنده هي الملاذُ والمُجلي , كانت تأخذه إلى ذلك الركنِ القصيّ , من عتمةِ الروحِ والوقتِ المنسيّ , فيبكي أطفالاً كبروا وهربوا , وفي بلادِ الغربةِ اغتربوا , بينما هو هناك على العتبةِ ينتظر , (( زوروني ولو مرة )) والقلبُ يعتصر.

قال عيسى بن هشام: ولما اجتمعَ القُطبانِ في (( شامِ الشريف )) , واصطدمَ ربيعُ الفنِّ بزهرهِ الوريف , أنشدَ لسانُ الحالِ موشحاً يحكي ذاك الوصال , ويُخلّدُ ما انتقلَ من الرجالِ إلى الرجال : (( يا دمشقُ اسجعي بلحنِ الخلودِ واجمعي العُـربَ في رُباكِ السجودِ , جـاءكِ (( الموصليُّ )) بالبُـردِ يـزهو فـي جـلالِ الإيمـانِ والـتـوحـيـدِ , ضـريرُ العينِ لكنَّ في الـفؤادِ نـورُ ربٍّ , وسِـرُّ عـزفِ العـودِ جـثـا (( درويشُ )) عـنـدَهُ تلمـيذاً يغرفُ السِّـرَّ مـن لدُن مجودِ , فـأهـداهُ (( زُر قـبرَ الحبيبِ )) عـهـداً فـصارَ (( زورونـي )) في كل عيدِ نغمٌ سـرى من نينوى لمصرٍ يُطربُ الروحَ بالهوى الـمـنـشـودِ )) .

قال عيسى بن هشام : وهكذا يا صاحبي , تظلُّ الألحانُ أرواحاً تتناسخُ في أجسادِ الأجيال , وقصصاً تُروى لتمسحَ عن الوجوهِ كَدَرَ المحال , إنَّ قصَّةَ (( زوروني كل سنة مرة )) ليست مجردَ نغمٍ عابر , بل هي تنهيدةُ وطنٍ , وصيحةُ مُهاجر , ووفاءُ تلميذٍ لأستاذٍ صابر, لقد مضى المُلّا عثمانُ إلى ربهِ كفيفاً بَصيراً , وتركَ خلفَه ليلَ المحبينَ مُستنيراً , ومضى جدي على عتبةِ دارهِ في غزة , يرجو من الأيامِ أن تعودَ ببعضِ عِزّة , تاركاً لي هذا الوجعَ المقيم , والشجنَ الذي لا يبرحُ قلبي السقيم , فيا من تسمعُ هذا اللحنَ اليوم , تذكّر أنَّ خلفَ العذوبةِ آلاماً , وخلفَ الشهرةِ جنوداً مجهولينَ أقاموا للفنِّ أعلاماً , وحافظ على ذكراهم , فما النسيانُ إلا مَوتٌ ثانٍ , وما الوفاءُ إلا أن نحفظَ للأولِ حقَّ الإحسانِ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .
- مقامة اكسير الشباب.
- مقامة إيلدار: رقصة البجع على إيقاع وجع عراقي .
- مقامة ( مو ساحك دروب ) : أيقونة الخوف النبيل وبوصلة الشجن ال ...
- مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .


المزيد.....




- ما بين السطور.. كيف تحايل الإنسان على الرقابة باليوميات المش ...
- وفاة الممثلة الكندية كاثرين أوهارا نجمة -وحدي في المنزل- عن ...
- وفاة كاثرين أوهارا، نجمة مسلسل -شيتس كريك- وفيلم -هوم ألون- ...
- حزب التقدم والاشتراكية يعزي في وفاة الفنان المغربي الكبير عب ...
- وفاة الممثلة الكندية كاثرين أوهارا نجمة -وحدي في المنزل- عن ...
- هدى شعراوي: إلى أين وصلت التحقيقات بقضية الفنانة السورية؟
- مهرجان عمّار يختتم دورته بتكريم سينمائيين مهتمين بالمجتمع وا ...
- رواية -غليف- تقتفي أثر الحرب في غزة وتشرح -رأسمالية المراقبة ...
- فوضى السرد: انتحار روائي أم صورة لعالم جديد؟
- ندوب صامتة.. كيف أعادت السينما رسم ملامح الرجل المنكسر؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .