أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشريح المندلاوي لقلب الشرق.














المزيد.....

مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشريح المندلاوي لقلب الشرق.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 10:47
المحور: الادب والفن
    


بشغفه المعهود, يعاود المندلاوي الجميل تقليب نتاجات الكاتبة السورية نجاح إبراهيم , ويفتح نافذة على وجع شرقيّ عتيق , حيث الحب شجرة تنمو في صمت ويُحكم عليها بالخناق تحت وطأة (( أهرام التقاليد المتهرئة )) , متوقفاً هذه المرة عند قصة (( أهدى من قطاة )) , حيث استوقفه ذلك التدفق الوجداني الذي يرى في الحب (( جسراً يقرب المرء من الله )) , وبه يدرك كنه المعرفة الحقة , يحلل المندلاوي لغة الكاتبة التي تصف الحب كـ (( شجرة نمت بصمت )) , يتعهدها المحبون بالتشذيب والريّ بخضاب الروح , في علاقة وجودية يرى فيها كل طرف (( نصفه الضائع )) , فإذا غاب المحبوب (( انطفأت الأشياء )) في عيني صاحبه , إنها محاولة مستميتة لإحياء الذات في الآخر , لكنها تصطدم بواقع شرقي مأزوم , حيث يجد الرجل - بعد فوات الأوان - أن عقداً من الزمن يفصل بينه وبين قلبه , ليقف الاثنان أمام (( أهرام من التقاليد المتهرئة )) , تمنع البوح وتفرض الصمت على امرأة (( يغسلها الخجل المتوارث وينسقها معجم المحرمات )) , ليتحول العشق إلى (( مهارة في الوأد وتلذذ بالعذاب )) .

نص غني بالشجن والتحليل النفسي العميق للصراع بين العاطفة والقيود المجتمعية , ذو جوانب وجدانية ولغوية تربط بين (( القطاة )) كرمز , وبين الحالة الشعورية للأبطال ,مع صور بيانية , يبرع صاحبنا المندلاوي الجميل في تشريح وجعها الصامت , ليرينا كيف تتحول (( القطاة )) من مجرد طائر يُضرب به المثل في الهداية والسكينة , إلى رمز للمرأة التي تهتدي بقلبها في وعورة التصحر الاجتماعي , لكنها تظل حبيسة (( خجلها المتوارث )) , كما إن استشهاد المندلاوي بعبارة (( أهدى من قطاة )) ليس مجرد استحضار للمثل العربي القديم , بل هو إسقاط على تلك الروح التي تعرف وجهتها (الحب) يقيناً , لكنها تضل الطريق بسبب (( أهرام التقاليد )) .

لم تكن قراءة المندلاوي مجرد استعراض لقصة حب , بل كانت تعرية للمسكوت عنه في وجدان الشرق , حيث يظل القلب (( قطاةً )) تهتدي بالحب , لكنها تفتقد الجرأة على الطيران خارج أقفاص الموروث , لتظل العبارة الختامية تتردد بمرارة : (( كيف يُغرس فينا النبل والمشاعر, ثم يُحكم علينا بالصمت باسم الحرام؟ )) , وفي ثنائية القرب والبعد يبرز التعليق كيف استطاعت نجاح إبراهيم جعل الحب جسراً ميتافيزيقياً (يقرب المرء من الله) , بينما الواقع يجعله جحيماً من (( المحرمات )) , هذا التضاد هو ما خلق حالة (( التلذذ بالعذاب )) التي أشارت إليها الكاتبة بذكاء , حيث يصبح الحرمان نوعاً من الطقس الصوفي الذي يقتات عليه المحبون.

ثم هناك لغة الؤاد الصامت, عندما يشار إلى أن الأبطال يمتلكون (( مهارة في الوأد )) , وهي استعارة قاسية تعكس حجم القمع الذاتي , فالعاطفة هنا لا تموت بصورة طبيعية , بل تُدفن حية تحت ركام (( معجم العيب )) , مما يحول العلاقة إلى شجرة تنمو بصمت , لكنها تُسقى بدموع الحرمان لا بماء الوصال , ثم هناك تراجيديا (مرور القطار) وفارق العقد من الزمن , فهو ليست إلا بحثاً مضنياً عن نصفٍ ضائع في توقيتٍ خاطئ , حيث يتحول المحبوب إلى ضوءٍ وحيد في عتمة الانطفاء , وأشارة الزمن والقطار الفائت , والتوقف عند (( مرور القطار )) , وفارق العقد من الزمن يعكس تراجيديا البحث عن (( النصف الضائع )) في الوقت الضائع , إنها محاولة لاسترداد العمر المهدور عبر وجه الآخر , وهي محاولة يصفها المندلاوي بأنها محكومة بالانطفاء بمجرد البعد , لأن الأشياء تستمد ضوءها من وجود المحبوب فقط .

ختاماً , يضعنا المندلاوي في قراءته هذه أمام سؤال الهوية العاطفية في مجتمعاتنا , هل كُتب علينا أن نظل (( قطاةً )) مبصرة في داخلها , عمياء عن سبل النجاة في واقعها ؟ إن القراءة لم تكن مجرد مديح للنص , بل كانت تشخيصاً لحالة الانفصام بين ما نؤمن به (( نبلاً ومشاعراً )) وما نمارسه (( وأداً وصمتاً )) , لقد نجح المندلاوي في إعادة صياغة وجع (( نجاح إبراهيم )) ليجعل منه صرخة في وجه التقاليد التي لا تكتفي بقتل الحب , بل تجبر المحبين على التلذذ بجنازاتهم اليومية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .


المزيد.....




- -حتى لا تنسى أميركا 1777- رواية عن اعتراف المغرب باستقلالها ...
- العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة ...
- شهادات مؤثرة لأطباء غزة بعد عرض فيلم -الطبيب الأخير- بمنتدى ...
- أزمة داخل كواليس -مناعة-.. اتهامات متبادلة بين هند صبري ومها ...
- المنتدى الثقافي الأوروبي الفلسطيني يعقد مؤتمره الثاني ‏بمشار ...
- باحث إسرائيلي يحذر: تهميش التمثيل السياسي للفلسطينيين يمهد ل ...
- -نحن الذين لم نمت بعد-.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة ...
- كيف تحول شات جي بي تي من مساعد ذكي إلى -رسام الكاريكاتير الأ ...
- مرتفعات وذرينغ: ما قصة الرواية التي لا تزال تثير الجدل رغم م ...
- عصر ترامب وحالة الطوارئ اللغوية: كيف تحولت الكلمات إلى سلاح ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشريح المندلاوي لقلب الشرق.