أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .















المزيد.....

مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 15:43
المحور: الادب والفن
    


مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .

قال الراوي عفا الله عنه : لما استفحلَ أمرُ النفاق , واستشرى داءُ الخبثِ بين الآفاق , وتاهَ العقلُ العراقيُّ بين الملفَّقاتِ وغلوِّ الطائفيين , رأيتُ أن أسطّرَ مقالةً في أصلِ الأمور ومَنبعِها , ألا وهو النية , فقال البطلُ أبو صفاءٍ وقد خَلُصت نيّتُهُ : يا قومُ , ألا ترونَ إلى أصلِ الأقوالِ والأفعال , إنّ لكل عاقلٍ مختارٍ قصدًا معينًا وراء ما يبدو منه , فقد يكونُ ظاهرًا للعيان في حركة الجوارح , وقد يكونُ خفيًا ضميرًا في سرائرِ القلب , وهذا الأمرُ الباطنيُّ هو مَنطَقُ التيسير أو التعسير, ومفتاحُ الخيرِ أو الشرّ, ولقد أدركَ فطينُ الناسِ قديمًا , أن على قدرِ النوايا تكونُ العطايا , فالنياتُ الطيبةُ مفتاحُ الخيرِ وبوابةُ التوفيقِ والرّزق , وهي من العبادات الخفيةِ التي ما صَفَا داخلُ امرئٍ بها إلا وابتسمت له الدُروب , ولانت له الخُطوبُ , ومالت إليه القلوب , وكما قال اللهُ تعالى في مُحكمِ كتابه: (( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ )) الأنفال: 70 .

عن ألإسهابٌ في غلبةِ نِيَّةِ المَضْمَرِ على ظاهرِ المَنْظَرِ, أجادَ المتنبي حين قال في لؤمِ النوايا وسوءِها , مشيرًا إلى أنَّ القلوبَ هي مَكامِنُ الشرِّ إذا اسْتوحشَتْ , وأنَّ الخِداعَ وإن طالَ فهو إلى زوال , فكمْ من كلامٍ مُزخْرَفٍ يُخفي وراءَهُ نَوايا الأفاعي : (( إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنونُهُ وصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوهُّمِ )) , فالنيةُ الصافيةُ هي القوةُ الخفيّةُ التي لا تُباعُ ولا تُشترى , هي سِرُّ النَّجاةِ وبابُ التوفيقِ الذي لا يُغلَق , وصاحبُها يَستَمِدُّ قُوَّتَهُ من عُمْقِهِ , لا من مُناورةِ الخارِج , كما قال الشاعرُ الحكيمُ مُخاطبًا القلبَ الطاهرَ: (( وإذا كانتِ النُّفوسُ كبارًا تَعِبَتْ في مُرادِها الأجسامُ )) , فنيتُكَ الصافيةُ هي التي ترفعُ منزلتَك , وتُحوِّلُ المِحَنَ إلى مِنَح , وتجعلُك غالبًا وإن رأيتَ في بادئ الأمرِ غيرَ ذلك , لأنَّ عالمَ النواميسِ الكونيةِ محكمٌ , ولا يضيعُ عندهُ إحسانُ المُريدِ الصادق.

إنَّ النيةَ الصالحةَ تُورِثُ حلاوةً في الحياةِ لا تَعْدِلُها حلاوةٌ , وهي بمثابةِ التوحيدِ في حلاوتِهِ للرّوح , كما أشارَ المتنبي فيما تقدم , فإذا صَفَتْ نيتُكَ , صَفَتْ لكَ الحياةُ بأسرِها , وهُدِيتَ إلى مَسارٍ واضحٍ لا لَفَّ فيه ولا دَوَران , وعلى النقيضِ من ذلك , نجدُ النفاقَ وسوءَ النوايا يُورِثُ مرارةً دائمةً لصاحبهِ , حتى وإن نالَ بغيتَهُ الزائلةَ بالتملُّق والتحايُل , وفي ذلك يقولُ الشافعيُّ مُنبّهًا على جوهرِ النوايا : (( عِندَ الإلهِ لها فضلٌ ومنقبةٌ إن صحّتِ النِّيَةُ لا قولٌ ولا عملُ )) , فلا يُكتملُ إدراكُ النيةِ الصافيةِ إلا بِسُمُوِّ المرءِ عن الغرضِ الشخصيِّ الماديِّ الذي هو جزءٌ غريزيٌّ منه , فلا تتعلَّقُ نيتُهُ بالجانبِ التعبُّديِّ فقط , بل تشملُ كلَّ ميادينِ الحياةِ وتصرفاتِها , وهيَ , أي النِّيَّة , كالجوهرِ الثمينِ لا يُدركُ قيمتَهُ إلا من اكتَنَزَهُ وصانَهُ , ومن ضيّعَهُ عاشَ في وحلِ الشقاءِ والبؤسِ , مُتعاملاً بجهلٍ وقِيَمٍ مُهتزَّة , كما قال الشاعرُ مُتغنِّيًا بالطُّهرِ الداخلي : (( يا قلبُ كمْ لكَ من خيرٍ إذا صَدَقَتْ نياتُ أهلِ التُّقى والطُّهْرِ في القِيَمِ )) .

واعلموا , يا عبادَ الله , أنَّ نظافةَ القلبِ وسلامةَ الصدرِ والنيةَ الصافية هي مفتاحُ التيسير والفتوحاتِ في هذه الحياة , فالقَلبُ الطيّبُ يتواجدُ بطبيعتِهِ داخلَ الإنسانِ الحَسّاس , الذي يشعرُ بألمِ وأحزانِ غيرهِ , ولا يعرفُ الحِقدَ والضغينة , ويسامحُ بسهولة , ولكنَّ الجهلَ صارَ مُخيفًا , والنّاسُ يَخْلطُونَ بين النيةِ الصافيةِ والسذاجةِ المذمومة, فبعضُهم يرى صفاءَ النيةِ ضَعفًا , ويحسبُ حاملَها ساذجًا مغفّلًا , والأمرُ ليس كذلك , بل ثَمَّةَ خيطٌ رفيع : فالنيةُ الصافيةُ تعني نقاءَ الجوهرِ والترفعَ عن التمويه والخداع , بينما السذاجةُ تشيرُ إلى الغباءِ والوقوعِ صيدًا سهلاً للمكر.

وصاحبُ النيةِ الصافيةِ يعاملُ النّاسَ جميعًا بالصدقِ قلبًا وقالبًا , حتى مع من ليس أهلاً لتلك المعاملة , ويَظَلُّ على نقائهِ رغم كثرةِ من يُظهِرونَ له الخيرَ ويُخفونَ في بواطنهم شَرَّ العقاربِ التي لا بُدَّ أن تلدغَ صاحبَها يومًا , فلا تكن أيها الإنسانُ كالعبدِ السعيدِ الذي يلهثُ وراءَ إرضاءِ سيدهِ , وكأنّهُ في سباقٍ لحيازةِ الذُّلّ , بل كُنْ صافيَ النيةِ مع نفسِكَ , حتى تستطيعَ أن تُحبَّ الحياةَ وتمنحَها حريّةَ القرار.

ولئن رأيتَ في حياتكَ أنَّ الملفَّقاتِ صارت حقائق , وأنَّ الشيءَ ونقيضَه يتواجدُ في الوقتِ ذاتهِ , حتى اهتزَّت البنيةُ الأخلاقيةُ , فاعلمْ أنّ هذهِ مُنغِّصاتٌ تُبتلى بها في بادئِ الأمر, فمهما كان داخلُك شفافًا , فثَمَّةَ من لا يرى إلا الغَبَش , ويَصْنَعُ لصاحبِ النيةِ الصافيةِ قرونَ الشيطانِ , كما لَقِيَ أصفَى الناسِ نيةً , رسولُ الله , أبشعَ صنوفِ الإيذاء , ولكنْ , أنتَ الغالِبُ بنيّتكَ الصافيةِ إن طالَ الزّمنُ أو قصُر, فصاحبُ النيةِ الصافيةِ لا يثبّطُهُ ما يتعرضُ له من سوء , بل يصيرُ ذلك دافعًا لنجاحِهِ , وتكونُ نيتُهُ فكرةً عمليّةً حاكمةً لسلوكهِ , فكم من أبوابٍ عظيمةٍ فُتحتْ بمفتاحِ النيةِ الصافية , وكم من إنسانٍ رُزِقَ بفضلها فوقَ ما يرجوه.

فاعلمْ يا هذا: أنكَ تملكُ كنزًا لا يُقَدَّرُ بثمنٍ , فالنيةُ الصافيةُ لا يمكنُ شراؤها , ولا تنبعُ إلا من القلوبِ الطاهرةِ فقط , وعلى قدرِ صفاءِ النوايا تكونُ العطايا, فاجعلْ نيتَك أساسَ أقوالِكَ وأفعالِك , وسيتولى اللهُ كلَّ أمرِك ويرضيكَ حتمًا , واعلمْ أخيرًا : أنَّ المواقفَ كفيلةٌ بأن توضحَ لكَ , ولو بعدَ حين , أنه ليس كلُّ قريبٍ يتعاملُ معكَ بصدقٍ , وليس كلُّ كلامٍ مُنمَّقٍ صادقٌ من القلبِ , وليس كلُّ من تصرفَ بالطيبةِ معكَ يعبّرُ على نَصاعةِ نيتِهِ.

والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...
- المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة.
- مقامة الباب الموصد في جحيم التواجد .
- المقامة العراقية في نفاق سلوى , وكذب إبراهيم عرب , وسقوط الغ ...
- مقامة عِطْرُ التُّشْرِينِيَّاتِ في حُرُوفِ العِرَاقِيَّات : ...
- مقامة البهاتة .
- مقامة ألألواح : الى من رأت .


المزيد.....




- الممثل جوزيف غوردون ليفيت ينضم إلى حملة لإنهاء حصانة بعض شرك ...
- فضيحة صادمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بطلها -شات جي بي ت ...
- أسعد دوراكوفيتش: ترجمتي الثانية للقرآن تسعى إلى تعليم محبة ا ...
- نص سيريالى بعنوان:( بقايَا وَجْه تتدرَّب)الشاعرمحمد ابوالحسن ...
- الفيلم الكوري -لا خيار آخر-.. تبديد وهم الحرية
- الموت يغيّب الشاعر المناضل عبد الناصر صالح
- المنافسة الفنية بين القاهرة والرياض: تحولات في موازين التأثي ...
- خارج -جلباب- الآباء.. كيف تحدى أبناء الفنانين -تهمة- الشهرة ...
- مركز التنّور يصدر كتاب (Critical Inflections) لسناء الشّعلا ...
- نقابة المهن التمثيلية في مصر تحذر من عمليات احتيال تستهدف ال ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .