أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .















المزيد.....

مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


حدثنا الحارثُ بنُ همام , قال : شَهِدتُ بلاداً الرافدينِ فيها تئن , والحسرةُ في صدورِ أهلها تفتن , رأيتُ العوامَ قد ضاقت بهم السبل , وأعيَتهم الحِيَل , فاجتمعوا في المحافلِ والأسواق , يتبادلون أحلاماً هي أرقُّ من الأوراق , وأظهرواَ عَقْدَ العزمِ وظِلُّ اليسار, وقالوا : يا هؤلاء , طالَ ليلُ العِثار , ولا مَنجى لنا إلا بظهورِ أهلِ اليسار , عسى أن يأتوا بميزانٍ عدل , فيُصلحوا ما أفسدهُ أهلُ الجهل , ويُرمموا ما خربه الأشرارُ من ذيولِ الغزاة , الذين جعلوا الوطنَ نهباً لكلِّ غاوٍ وعُتاة , فبنى القومُ قصوراً من أمنيات , وظنوا أن الخلاصَ في الشعارات , ورأوا في (( اليسار )) ثوباً أبيضَ نقياً , سيغسلُ عن وجهِ العراقِ وجعاً عتياً .

حقيقةُ الوباء : الفسادُ كالهواء , لكنَّ غافلاً منهم فاتهُ أمرٌ عظيم , وخطبٌ جسيم , إنَّ الفسادَ في تلك الربوع لم يك طارئاً يزول , بل صارَ ريحاً صرصراً تجول , لقد عمَّ الوباءُ حتى شملَ الرداءَ والبدن , واستشرى (( داءُ الفساد )) في مفاصلِ الزمن , فيا ويحَ قلبي , كيفَ نضمنُ أنَّ مَن بَعُدَ عن الكرسيِّ بالأمس , لم يَتلوث بصدئه في الهمس؟ وكيفَ نؤمنُ لليسارِ طهارةً , وقد صارَ الفسادُ في الديارِ تجارة ؟ إنَّ العفنَ إذا طالَ الجذور, لم تسلم منهُ الثمارُ وإن زَهت بالظهور .

بعد أن استبشر القوم ببيارق (( اليسار )) ظناً منهم أن الألوان تضمن الطهارة , غاب عنهم أن الداء لم يعد فعلاً عابراً , بل صار (( عدوى بيئية )) لا تنذر ولا تذر, فالفساد في ديارنا لم يعد خياراً يتخذه المرء , بل صار (( هواءً )) يستنشقه الصالح والطالح , فمن رفض التلوث به اختنق وأُقصي , ومن سايره نجا ببدنه وهلكت مبادئه , إنها بيئة تفرض قوانينها القسرية , حيث يُصبح (( النقاء )) فيها عجزاً , و(( النزاهة )) غُربة , مما يجعل الرهان على نظافة القادمين رهاناً على سمكة تسبح في بحيرة من زيت , فكيف لها ألا تتلوث ؟ فيا أيها الراجي طهارةً في بئرٍ مسمومة , اعلم أنَّ الخلاصَ لا يأتي بتبديلِ الوجوهِ المكلومة , بل بتنقيةِ المَنبع , وتطهيرِ المَرتع , فما فائدةُ الميزانِ إذا كانَ القائمُ عليهِ يخشى السجان , أو يطمعُ في الصولجان ؟

ثم إن هؤلاء الحالمين بالخلاص فاتهم أن الإشكالية ليست في (( الأيديولوجيا )) ولا في الشعارات البراقة , بل في (( طاحونة السياسة )) التي تطحن العظام قبل العقول , إن الماكنة التي تُدير شؤون البلاد قد صُممت لتعيد إنتاج السواد مهما كان لون الثوب الذي يرتديه القادم الجديد , فاليسار واليمين , حين يدخلون دهاليز المصالح ومنعرجات الغنائم , يجدون أنفسهم أمام خيارين : إما الانكسار تحت تروس المنظومة , أو التحول إلى ترزية يفصلون المبادئ على مقاس الكراسي , فالعلّة ليست في السائق , بل في المحرك الذي لا يعمل إلا بوقود المحاصصة والفساد.

وعلى الرائي ألا يغفل عن (( دور العوام )) أنفسهم في هذا المشهد الدرامي , فهم الذين ينفخون في الرماد ليصنعوا منه صنمًا جديداً يعبدونه , ثم يلطمون الخدود إذا ما استبد بهم , إن العوام الذين يطالبون بالنزاهة هم أنفسهم الذين يبحثون عن (( الواسطة )) في شؤونهم الصغرى , ويصفقون للزعيم الذي يمنحهم فتاتاً من حقوقهم المنهوبة , فالتلوث لم يقف عند عتبات القصور , بل تسلل إلى النفوس التي باتت تطلب الخلاص من الخارج وهي غارقة في ازدواجية المعايير , لتظل الدائرة مفرغة : شعب يصنع الطغاة بآماله الساذجة , وساسة يقتاتون على جهل من يظن أن (( اللون )) السياسي كفيل بغسل أدران التاريخ.

أضاف الحارثُ بنُ همام : بينا أنا أجولُ في فكرِ من استبدَّ به الحنين , وتاهَ بين ماضٍ وحاضرٍ كئيب , رأيتُ القومَ ينظرونَ بعينِ (( الود )) أو عينِ (( الشنآن )) , فقلتُ لهم : يا قوم , إنَّ الهوى يُعمي البصيرةَ ويُضيعُ الميزان , دعونا من سباقِ (( العينين )) , ولننظر بـ(( عينِ اليقين )) , فلا يبررُ فسادَ اليومِ عَفنُ الأمس , ولا يُغطى ضوءُ الحقيقةِ بكفِّ الشمس , إنَّ ليلَ العراقِ طويل , وقد تداولتهُ يدُ القالِ والقيل , كان القومُ يبحثون عن (( مُنتشِلين)) من الغرق , فإذا بهم لا يحظون إلا بـ(( نشّالين )) في الغسق , واسمعوا الفرقَ بين العهدين , لتعرفوا أين وقعَ الحيفُ على الرافدين : في الغابرِ من الزمان , كان هناك (( فسادٌ للنظام )) حيثُ الدارُ ملكٌ لصاحبها , والخزينةُ جيبٌ لربّها , كان السارقُ يسرقُ من (( جيبِ السلطان )) , فما كان السلطانُ يتسامحُ مع من يشاركهُ في الصولجان , بل يَهبُ (( المكرمات )) مَنّاً وسلوى , ليحصرَ الجورَ في يدهِ قصراً وجدوى , فكان الفسادُ مَحجوراً في رقعةٍ ضيقة , كأنه مِلحيةٌ في يدِ طاغيةٍ مُحرقة.

ولادةُ (( نظامِ الفساد )) , أما في الحاضرِ من الأيام , فقد انقلبَ السحرُ على الساحر , وصرنا أمام ((نظامٍ للفساد)) فاجر , لم تعد الدولةُ مِليةً لواحد , بل صارت (( مائدةً )) لكلِّ حاقدٍ وجاحد , إنها (( بُنيةُ المحاصصة )) اللعينة , التي وزعت أشلاءَ الوطنِ الثمينة , فصارت الوزاراتُ في (( المزادِ السياسي )) تُباع , وتوزعت المقدراتُ بين الفصائلِ والأتباع , هل سمعتم يا سادة بوطنٍ يُباعُ بالقطعة ؟ وتُقسّمُ فيهِ الضمائرُ بالجرعة ؟ فصارت الوزارةُ ملكاً للوزيرِ وحزبه , وعائلتهِ وصحبه , يشتري بها الولاء , ويوزعُ من (( الحرامِ )) عطاءَ البلاء.

حُجّةُ البديلِ والمآل , فيا مَن تبررون قبحَ الحاضرِ بظلمِ الغابر, اعلموا أنَّ الفاسدين يختلفون باختلافِ (( البِناء )) , وكلٌّ منهما أورثَ البلادَ العناء , فإذا كان الفسادُ الحالي استمراراً لما سلف , فوا أسفاه على ما ضاعَ وما تلف , وقولوا لمن يبرر, إذا كان الخلفُ كالسلفِ في الرداءة , فما ميزةُ (( البديل )) وما وجهُ الكفاءة ؟ ولماذا جئتم بوعودِ الإصلاحِ والعدل , إذا كان مآلُكم هو مآلُ أهلِ الجهل , إنَّ اليسارَ الذي يرتجي العوامُ صعوده , إن دخلَ في هذا (( النظامِ البنيوي )) سحقت عهوده , فالبحرُ مالحٌ أجاج , ولا يُصلحُ ماءَه تبديلُ الزجاج.

ثم التفتَ الحارثُ بنُ همام إلى الجمعِ الحائر, وقال : (( يا قوم , إنَّ العلّةَ ليست في الثوبِ بل في الجسد , ولا في الركابِ بل في الصيدِ والطرد , إنَّ مَن يرتجي من (( اليسار )) أو (( اليمين )) خلاصاً , وهو يغضُّ الطرف عن (( نظام الفساد )) الذي صار رصاصاً , كمن يرجو من الذئب أن يحرسَ القطيع , أو من الشتاء أن يمنحَ الربيع , فلا مخرجَ لنا مما نحن فيه , إلا بأمرين لا يجهلهما إلا السفيه , الأول هدمُ الهياكلِ لا تبديلُ الوجوه, إنَّ العِبرة ليست بمَن يجلسُ على الكرسي , بل بقوائمِ الكرسيِّ التي صُنعت من عظامِ المحاصصة , فما لم تُكسر (( بنيةُ الغنائم )) , ويُطهر (( المزادُ القائم )) سيظلُّ القادمُ - مهما علا شأنه - أسيراً للماكنة , وتابعاً لليدِ المارنة , والثاني صحوةُ العوام من سكرةِ الأوهام : إنَّ ((عينَ الود )) التي تغفرُ لزعيمِ الفصيل , و(( عينَ الكراهية )) التي تعمي عن عدلِ الخصمِ النبيل , هما القيدُ الذي يرسفُ فيه الوطن , فالحلُّ يبدأ من رفضِ (( المكرمات )) المغموسةِ في الحرام , ومن الكفِّ عن بيعِ الضمائرِ في سوقِ الأوهام.

(( فلا يغرنكم صبغ الجدران والأساس مائل , ولا يخدعنكم صفاء الماء والمنبع حائل )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .


المزيد.....




- التجمُّع الدولي لاتحادات الكتّاب يكرّم الشاعر مراد السوداني ...
- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...
- فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
- سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...
- بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من - ...
- شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
- وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط ...
- فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .