أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة (( الفرد )) .














المزيد.....

مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة (( الفرد )) .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 19:17
المحور: الادب والفن
    


في بلادنا المنكوبة , معطوبة العقول , لا يُغْتَفَر (( الخروج )) عن المألوف , ولا (( الخروج )) على السلطة الحاكمة , ولا (( الخروج )) من تعاسة الإجماع العام , ومن هنا نتحاشى الصدام بالصمت , وندَّعي أن السكوت حكمة والسكون فضيلة , فيغدو التغابي ذكاءً ماكرًا ننفلت به من شراك المصائد المنصوبة في الزوايا , ونسير مع القطيع في وسط الطريق , المؤدي بنا لا محالة إلى الهلاك , كأن الأُنس بالبؤس , أحسن حالًا وأسلم مآلًا من خطر الانفراد.

يقول فريدريك نيتشه من (هكذا تكلم زرادشت ) : (( الرعاع اعتنقوا أفكارهم بدون براهين , فكيف يمكنك أن تقنعهم بزيفها من خلال البراهين؟ إن الإقناع في سوق الرعاع لا يقوم إلا على نبرات الصوت وحركات الجسد , أما البراهين فهي تثير نفورهم )) , وفي سيكلوجية القطيع ,عندما يغيب الوطن تعود علاقات المجتمع الى ما قبل دولة المواطنة , ويسود نمط علاقات التعصب القبلي والديني والطائفي , وبعد ذبح العراق , يريد أياد علاوي أن تصطف معه القوى الوطنية ( الشريفة ؟ ) , وكأنه قد أصبح ضرب المعارضة الوطنية الحقيقية مع المعارضة العميلة في الخلاط يحقق المراد , كان العربي بن مهيدي , القائد الثوري الفذ للثورة الجزائرية , قد كتب أستشرافا : ((كل خطأ ترتكبه أثناء عملية التحرر, ستدفع ثمنه بعد التحرر)) , وهو الذي قال عنه القائد الفرنسي الذي قتله أثناء معركة الجزائر العاصمة (( أتمنى ان يكون لفرنسا رئيس كالعربي بن مهيدي )) .

يناقش نيتشه هذه الفكرة في عدة نصوص : فهو يرى ان الطاغية يستمد قوته من خوف الناس فيذكر في كتابه ( غسق الأصنام ) - قسم (( مشاكل الحضارة )) : (( حيثما ترى طاغية قويًا , فابحث عن قطيع خائف )) , وهو يرى ان العادة أقوى من العقل حين يذكرفي كتابه (( العلم المرح )) بأنه (( ليس الإنسان عبدًا للأفكار , بل للعادة التي تُخيفه من كل جديد )) , وهذا كله سيقود إلى ظاهرة الارتباط النفسي بالسلطة ففي (( جينيالوجيا الأخلاق )) - الرسالة الثانية - يقول ان (( الناس يطيعون من يفرض ذاته , لا لأنه أقوى , بل لأنهم أضعف مما يظنون )) .

ثقافة القطيع , أو ((عقلية السرب )) , ليست مجرد وصفٍ لسلوك اجتماعي , بل هي ظاهرة نفسية عميقة تشير إلى تحكّم المجتمع في سلوك أفراده , إنها حالة من الاتباع الأعمى للمجموع دون مسوغ منطقي أو تفكير نقدي , حيث يندفع الإنسان غريزياً للتأقلم مع المجموع خوفاً من (( العزلة )) , لدرجة قد تجعله يتبنى سلوكيات تتناقض تماماً مع قناعاته الشخصية.

صناعة (( الفزاعة )) وتعطيل العقل , تبدأ صناعة القطيع بوأد أسئلة الصغار وتخويفهم من التفكير خارج السرب بمفردات (عيب , حرام , لا تسأل) ومع الوقت . تظهر (( الفزاعات )) , وهي تلك الأفكار المخيفة التي تُستخدم لقيادة الناس دون تفكير , وكما يقول أبيكتتيوس: (( الناس لا يخافون من الأشياء بحد ذاتها , بل من الأفكار المرتبطة بها )) , فهناك المحرض التكنولوجي, عندما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي (( كبسة زر )) توقظ العقلية الجمعية عبر الإشاعة , ثم هناك مايسمى وهم الراعي, عندما ينجرف الناس خلف القادة (سياسيين أو رجال دين) ظناً منهم أن مصلحتهم واحدة , غافلين عن قول ستندال: (( يحاول الراعي دائماً إقناع الخراف بأن مصلحته ومصالحها واحدة )) .

وفي قراءة فنية في لوحة (( الخروج عن القطيع )) : تُجسد اللوحة التي تحمل هذا الاسم جوهر الصراع بين الذاتية والذوبان , فنشاهد وجوه زرقاء متجمدة, ويظهر القطيع كصف طويل بملامح كئيبة ومتحجرة , في إشارة إلى توقف نموهم الفكري وتلاشي هوياتهم , الا انه هناك المتمرد الناري , عندما يبرز شخص يندفع بقوة للخارج , لونه يتحول تدريجياً إلى وهجٍ ناري , صابغاً كيانه بلون التمرد الأحمر , عيناه تصرخان , ويداه تصارعان (( سلطة الأب )) أو (( العرف )) التي تحاول جره للداخل مرة أخرى , لنصل الى الصحوة المتأخرة, فالخارج عن القطيع في اللوحة هو ذاك الذي اكتشف فجأة أنه كان يدافع عن قناعات زرعها فيه أجداده أو مجتمعه , ولم تكن يوماً ملكاً له.

مأزق الواقع العربي و(( صنميّة )) الفكر: لقد انساق الكثيرون في منطقتنا منذ عقود إلى (( إيقاف عقولهم )) , وسلموا مفاتيح تفكيرهم لغيرهم , وتلك هي عبودية العقل, حيث ان العبودية الحقيقية ليست قيوداً حديدية , بل هي أن يستسلم عقلك للغير , وهناك خداع القوة , لأن الجماهير - كما يرى لوبون - تتبع الصخب والقوة وتصفق للخراب , وتنبذ الأخلاقي الهادئ , أضف لها تقديس الرعاع , فمن سخرية الأقدار أن الجاهلية كانت تنحت تماثيل للصالحين , بينما صرنا نحن نصنع تماثيل للرعاع والأوباش ونقدسهم.

طريق النجاة (مانيفستو الحرية ) , او كيف نتحاشى أن نكون (( ببغاوات )) عقولها في آذانها ؟ : أنشد أغنيتك الخاصة, ولا تردد أغاني الآخرين مهما أحببتهم , فالحب الزائد يقلل الاستقلالية , وخذ حذر نيتشه , وأنت تخوض حرباً للتحرر من قطيع , احذر من الانضمام لقطيع آخر دون أن تشعر , وأعلم ان المراجعة شجاعة , فلا تخف من إعادة النظر في معتقداتك , فالمراجعة إما تزيدك يقيناً أو تمنحك بديلاً أفضل , فكن بطلاً لحياتك, وارفض دور (( العبد السعيد )) الذي يلهث وراء إرضاء سيده.

اللحظة الفارقة , هل أنت القائد أم الصدى؟ القرار الآن في ملعبك , السير وراء القطيع هو أول امتهان للكرامة الإنسانية , وهو انتحار جماعي لا يرده عقل , وتذكر قول دوستويفسكي : (( لا ينبغي للإنسان أن يشبه جمهرة الناس , كن مختلفاً حتى وإن كنت وحيداً )) , والسؤال الذي سيبقى يطاردك عند إغلاق هذه الصفحة: هل تلك الأفكار التي تسكن رأسك هي (( أنت )) , أم أنها مجرد ضجيج الآخرين , احتلت عقلك رغماً عنك؟

يقول حاتم الطائي : (( ونفسك أكرمها فإنك إن تهن.. عليك لن تجد لك الدهر مكرما )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .


المزيد.....




- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...
- -فتح- تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني وحضور إسرائيل في اجتماع - ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة (( الفرد )) .