أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.














المزيد.....

مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 09:33
المحور: الادب والفن
    


يقول الشاعر ياسر الجابري : (( أدر للغيب ظهرك يا عراقي وإن لم يغدُ معك على وفاقِ , وقوفاً طالما في الدهر قامت لك الدنيا على قدمٍ وساقِ , ولو سرج البراق لغيرِ طه لما أسرى سواك على البراقِ )) , بهذه الروحية , يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية , حيث يواجه اقتصاداً مرتبكاً , مؤسسات مترهّلة , حدوداً رخوة , وخلافات سياسية تتجدد مع كل موسم , مما أدى إلى تراجع واضح في هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون , وسط وجهات نظر متباينة لا تخلو من الحدة , وهي الصفة التي وسمت الشخصية العراقية منذ قرون .

إن الانحياز الأعمى والتعصب الديني والقومي يُفقدان حتى المتعلمين عقولهم , ويقود الى الانقسام المجتمعي , وفخ الجهل والتعصب , فكيف الحال بمن يفتقرون أصلاً إلى العلم والثقافة ؟ ان تداعيات الجهل تفرز الأمية أرضاً خصبة للأحقاد , والعنف الأيديولوجي يحول الخلافات السياسية إلى جرائم قتل وتصفيات , وغياب المعايير كما وصف يحيى السماوي المشهد : (( في وطن بات مسلخاً بشرياً ما عُدنا نميّز فيه بين اللصّ والنّاطور, بين البرتقالة والقنبلة , ولا بين عِمامَتي زياد بن أبيه وعمّار بن ياسر )) .

وعن مفارقة الزمن , ينحدر العراق من (( باليه بغداد )) إلى (( العصر الجاموسي )) : لأنه (( هو العراق يا صدراً ألوذ به كما يلوذ عصفور بذي زغب )) , قبل أن يبتلعنا هذا العصر , وقبل مجيء سلالات (( كركوش )) وعصور (( الطين والزنجار )) , كان العراق رائداً , ففي عام 1968 تأسست مدرسة بغداد للموسيقى والباليه , لتكون الأولى في الشرق الأوسط التي تدرج الفن جنباً إلى جنب مع الرياضيات واللغة , واليوم , يهاجم البعض هذا الإرث بدعاوى واهية , لكن الحقيقة أن من يعاني من (( سعار جنسي )) أو بيئة مضطربة , سيثيره حتى حذاء طفلة , وهنا نتساءل : لماذا ننفعل بهذه السرعة ؟ ولماذا يتحول الخلاف التافه إلى مفتاح لسرداب طويل من الكراهية؟

في سيكولوجية الإنسان العراقي , يكون الصمت مخزنا للانفعال , فالصمت في التجربة العراقية ليس دليل اتزان , بل هو آلية بقاء , لقد علّم التاريخ القريب الفرد أن الكلام مكلف , وأن التعبير قد يُساء فهمه أو يُعاقب عليه , ففي الذاكرة المتشابكة , خلاف اليوم يستدعي خيانة الأمس , ونقاش بسيط يستحضر تاريخاً من التهميش , وتقول نظرية القشة ان الانفعال العراقي ليس رد فعل آنياً , بل هو ذاكرة متراكمة تبحث عن ذريعة , والقشة التي تقصم ظهر البعير لا تسببت في السقوط , بل أزاحت الستار عن حِملٍ ثقيل كان يتضخم بصمت , لنصل الى الحقيقة المرة(( نحن لا نصمت لأننا متسامحون , بل لأننا مُتعبون )).

ان أزمة الدولة هي غياب الكفاءة وحكم (( القرابة )) , وفي الدول التي تحترم شعوبها , تكون الكفاءة والولاء الوطني هما بوابة المناصب , أما في العراق فقد انقلبت المعادلة , وباتت (( القرابة السياسية )) بطاقة العبور والمعيار الوحيد لتولي مناصب السفراء والوزراء والمستشارين , و تُمعن الطبقة السياسية في توزيع الغنائم وتقاسم الدولة كأنها (( مزرعة حزبية )) أو عائلية , متجاهلة آهات الشعب , وبينما يصطف الشرفاء في الميادين يدفعون دمائهم لملمة شتات الوطن , تفرط الطبقة الحاكمة في السيادة والمسؤولية لتثبيت سلطتها , وفي عراق ما بعد الخراب , يبدو أن كل شيء قابل للكسرحتى كرامة المواطن التي تضيع في زحمة التواقيع والمخاطبات.

وفي استشراف المستقبل , نتطلع الى الشباب كرافعة للتغيير, فعلى الرغم من قتامة المشهد وتغلغل (( القرابة السياسية )) في مفاصل الدولة , إلا أن العراق لا يزال يمتلك مخزوناً بشرياً لا ينضب , الشباب العراقي اليوم , الذي نشأ بين ركام الحروب وصدمات التحول , بدأ يدرك أن الصمت لم يعد آلية بقاء , بل صار عبئاً يعيق المستقبل , وبدأ وعي جديد يتكون , جيل يرفض التصنيف الطائفي والمناطقي , ويبحث عن (( دولة المواطنة )) لا (( دولة المكونات )) , وبدأت المبادرة الفردية تظهر وبروز طاقات شابة في الفن والتكنولوجيا والعمل المدني , تعيد إحياء روح مدرسة الموسيقى والباليه , وتتحدى (( العصر الجاموسي )) بالمعرفة والجمال .

وفي الخاتمة , وما وراء الصمت والانتظار: إن العراق ليس مجرد جغرافيا للمحن , بل هو مختبر دائم للقيامة من بين الرماد , إن الانتقال من (( ذاكرة الوجع )) إلى (( إرادة البناء )) يتطلب شجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة السلطة , شجاعة في استبدال الصمت المتعب بحوار منتج , وفي تحويل الانفعال المتراكم إلى طاقة للتغيير السلمي والقانوني , لقد آن الأوان لكي لا تُقصم ظهورنا بقشة , بل لكي نبني من تلك القشاش أعشاشاً للأمان , ونعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته , فالعراق الذي أسرى على (( براق )) التاريخ أول مرة , قادر على أن يسرج خيل النهضة من جديد , شرط أن يدرك أبناؤه أن الوطن لا يُورث كضيعة , بل يُبنى كصرح للكفاءة والعدل.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- -غلطة شنيعة-.. مرشد يشوه هرم أوناس بمصر والمنصات تتفاعل
- نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم ...
- بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين ...
- محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 ...
- عراقجي: بالتوازي مع المسار السياسي ستجتمع الفرق الفنية في ا ...
- العاشر من رمضان.. مكة بين الحزن والفتح والجيش الإسرائيلي يُق ...
- فرنسا: من هي كاترين بيغار خليفة رشيدة داتي على رأس وزارة الث ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.