أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.














المزيد.....

مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 10:50
المحور: الادب والفن
    


عندما سأله عن رأيه , قال الدرويش للمحسوب : يا صاحبي , أتعرفُ ما قالهُ لي الظِّلُّ حينَ انفصلَ عنّي؟ قال : (( لم أعد أطيقُ أن أسيرَ خلفَك , إنّ نورَكَ أوسعُ من ظنوني )) , فعلمتُ حينها أنّ الطريقَ الذي أبحثُ عنه كانَ يمشي في داخلي ولم أكن أُصغي , أحتفظُ لك بمكانٍ لا تجلسُ فيه , أمدُّ لك خيطًا تعمدتَ أن تقطعه , وأربطه في معصمي , لا لأنك تستحقّ , ولا لأنني أنسى , بل لأن يدي لا تعرفُ شكلَ الطعن , أمشي وفي ظهري نافذةٌ مفتوحة , يدخلُ منها الهواءُ ولا أديرُ لها جدارًا , الخيانةُ حدثٌ عابر, أما الوفاءُ فطريقتي في التنفّس , أعرفُ ما فعلتَ , وأعرفُ ما لم تفعل , وأعرفُ أن قلبي ليس ساحةً لأتعلمَ القسوة , لذلك أبقى كما أنا , لا كي أبرّئك , بل كي لا أخونَ نفسي وأنا أتعافى منك. وحدَهم الذينَ احترقتْ أصابعُهم بشهوةِ المعرفة , يدركونَ أنّ النارَليستْ عدوًّا , بل كلمةٌ حارّة , تقولُ للإنسان : اقتربْ , ولكن لتتطهّر , لا لتهلك , يا هذا , في كلّ جرحٍ ممرٌّ سرّيّ يُفضي إلى الله , وفي كلّ خسارةٍ ولادةٌ , لا يراها إلّا من فتحَ نافذةَ قلبِهِ على ليلٍ تسبحُ فيهِ أسماءٌ لا تتجلّى إلّا لمن عرفوا أنّ الأرواحَ أوسعُ من الخرائط , ولما قلتُ للغيم : لماذا تمطرُ على الأرض ولا تمطرُ على القلوب ؟ فقال : (( لأنّ القلوبَ لا تزالُ تخافُ من الطوفان الذي يحملُها إلى ذاتِها )) , وعندها فهمتُ أنّ الفيضَ ليس ماءً , بل معنى ينزلُ حينَ يتهيّأ الوعي للاستقبال.

إنّ الذينَ يهاجرون في الأرض كثيرون , لكنّ الذين يهاجرون في أرواحِهم قليلون , وقليلون جدًا من يعودونَ منها سالمين , فيا أنتَ , يا من أسمعُ في أنفاسِك وقعَ أسئلةٍ لم تولدْ بعد , اعلمْ أنّ الحقيقةَ لا تُعطَى بل تُكتَشف , وأنّ الطريق لا ينتهي عند بابٍ بل يبدأُ من وراءِهِ , كما يبدأُ النهار من قلبِ الظلمة , لا من حافّةِ الشرق , لقد رأيتُ في المنام مَلَكًا يكتبُ على جبينِ طفلٍ نازح : (( لن يضيع هذا الضوء , ولو ضاعَت منازلُه )) , ورأيتُ أمًّا تنفُضُ الغبارَ عن صدرِها كأنّها تُعيدُ تكوينَ العالم بصبرِها وحده , فعرفتُ أنّ السلام ليس اتّفاقًا بل نَفَسُ أمّ , وأنّ الحبَّ ليس رغبةً بل طريقُ الخلاص .

يا ساكني الجهاتِ الأربع , اعلموا أنّ الفتنَ لا تُطفِئها الكتبُ ولا الجيوشُ ولا الخطب , بل يُطفئها قلبٌ واحدٌ حين يُقرّر أن يتّسعَ للعالم كما يتّسعُ البحرُ لملايين الدموع دونَ أن يغرق , في النهاية , ما السَّيرُ إلّا أن تخلعَ ظلَّك الأخير , وتقفَ عاريًا أمام الحقيقة , وما الحقيقة إلّا أن تُدركَ أنّك أنتَ والآخر والسماء والماء والجرح والندى , وجهٌ واحدٌ يتجلّى بلا أسماء , ومَا بَيْنَ صَفَّارَةِ إِنْذَارٍ وَصَفَّارَة يَحُطُّ طَائِرُ الشَّمْسِ عَلَى أَصِيصِ النَّعْنَاعِ فَأَسْتَنْشِقُ عِبقَ الِانْتِصَارْ , ومَا بَيْنَ صَفَّارَةِ إِنْذَارٍ وَصَفَّارَة , أَصِيرُ أَنَا قيثَارَة , تُحَوِّلُ الِانْتِظَارَ إِلَى اخْضِرَارْ.

في وَمْضَةُ السُّؤَالِ المُنْكَسِرِ, وعَلَى أَنْقاضِ بَيْتِهِ , لَمْ يَبْكِ الطِّفْلُ , بَلْ رَمَى سُؤالَهُ فِي وَجْهِ الرِّيحِ : (( لِماذا؟ )) , فَسَقَطَ المَنْطِقُ , وَارْتَجَفَ الحَطَبُ , وَأَدْرَكَتِ الإِنْسانِيَّةُ , أَنَّ الرَّصاصَةَ الَّتِي لا تَقْتُلُ الجَسَدَ , تَقْتُلُ المَعْنَى , وفي وَمْضَةُ التَّحَدِّي عَلَى رُكامِ الذاكِرَةِ , وَضَعْتُ قَناديلَ الأَمْلِ مُضاءَةً , لا لِتُنيرَ الطَّريقَ المُظْلِمَ بَلْ لِتَفْقأَ عَيْنَ الحَرْبِ , فَقَدْ اصْطَفَيْتُ نَاري , وَأَحْرَقْتُ بِنُورِها عَتْمَةَ الِانْطِفاءِ.

يقرأ الدرويش في سفر الإقرار بالتهجي : باب الحب , فصل الضياع , ترجمان الأشواق , عين شمس نظام الزهد ,سِفر الإقرار , سَورة الأرق : (( اقرأ بٰسم ربك الذي خلق )) ,الفقد , التنهيدة , البؤس , الشتات , الشتاء , والمجازات المرسلة , يا محي الدين أينك يا وتدي؟ تظل الآفاق عرجى دونك , تزهر إشبيلة موت صغير , أكنس كف القدر و أرفد حيرتي بالقرب من قاسيون (( الذي يعول عليه )) , ألفظ التقية كلها , أكتب الالتياع - كله كله - بكامل قواه العقلية , وعندما يصل الى سورة التوبة , الآية الأولى , براءةٌ من اعتزالاتي و هدوئي و ضجري , رِدّتي عن جنوني و طفولتي , إشراكي بـ (( إسرافي في أمري )) , عذرا من فيلق الشعر - المتنبي الأغر - سقمي , على قلق كأن الريح تحته , أصهر (( البيان )) لكبوة قلبي , و أختصمُ مع المعاني ,الاستثناء أولًا .

هل انكسر النشيد يا درويش؟ فماذا يتبقى لي؟ أنا المحسوب الذي ما منحه سيد الكلمات فرصةً , تركني أرتق المقطوع , ماذا بعدُ بابل ؟ عشتارُ , هزي بجذع الوصل , يساقط إليّ قلبًا جنيًا , ويا أيها اليسوع : تمدد الانتظار , مريم المجدلية تعد الغياب قصرًا و جمعًا , تعصر إثمها خمرًا , ترتشفه مللًا زُليخي الهِيئة , ويوسفُ , خزندار القلوب (( من لوى كاحل الزمن و بتر عنق القصيد؟ )) , سمعته يردد شعرا : (( تاقت إليك عجافٌ أنت يوسفها هلاّ رميت على العميان قُمصانا , وكم سقاني في سجن عاشقها زليخي الهوى والشّوق هذيانا , سُهوبُ عينيك جبٌّ إذ رميتُ بهِ أَبيتُ إلا بقاء فيه ولهانا , قصصت ثوبي بسحر اللّحظ من دبرِ فأوثقوني سجينآ فيك سكرانا , هلاّ عفوتَ على المحبوسِ تُرهقُه خزائن ُ الأرض إذْ ما صار سلطانا )) .

يرجع صداه في أفقي : (( مِن قلبِ يعقوبَ حتى قلبِ يوسُفِهِ ذئبٌ وجُبٌّ وأشواقٌ وأحزانُ ,عينانِ وابيَضّتا , ظَهرٌ كمئذنةٍ مقسومةٍ وتراتيلٌ وقُمصانُ , وسُنبلاتٌ بلونِ الحُلْمِ يعبُرُها قلبٌ نبيٌّ وسلطانٌ وسَجّانُ , فمَن يؤذّنُ في العيرِ التي فصَلتْ أنّ الذي في ظلامِ السِّجنِ إنسانُ؟ )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...


المزيد.....




- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون: -سنقوم ...
- الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال ...
- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.