أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.














المزيد.....

مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


يطل علينا المندلاوي الجميل بنفَس قصصي واعد , ليصور في قصته (( المحطة )) خيبة جيلٍ بأكمله , وقدرة جميلة على خلق عوالم رمزية , تمس الواقع بمرارة وذكاء , هاهو يطل علينا اليوم من خلال قصة قصيرة , بارعة في تصوير (( خيبة جيلنا )) , تبدأ بمحاولة أبو علاء فرض هيبته بالنظارة والكلمات المنمقة , وهوالبطل المأزوم و الشخصية الثرثارة , الذي يحاول استعادة سطوته المفقودة عبر الكلام المستمر , الذي يمثل الجيل الذي عاش الأمجاد الغابرة (( مقاومة الإنجليز, العمل السري )) , نراه في بداية القصة شخصاً يحاول قولبة هزيمته في إطار الحداثة , وتنتهي بصرخاته التي اختلطت بنباح الكلاب , إنها قصة عن جيل أضاع بوصلته بين أمجاد الماضي وانكسارات الحاضر , وعن جيل جديد (( صفاء )) يقف مشلولاً أمام تداعي أصنامه , المتلقي المصدوم الذي بنى تصوراته عن (( الأبطال )) من خلال الحكايات , وصدمة صفاء هي صدمة (( اكتشاف الحقيقة )) , فهو يرى أمامه رجلاً منطفئاً , مهزوماً , ومبرمجاً , عكس الصورة الأسطورية التي نقلها له أخوه , ذلك الغائب , او الشخصية المحركة لوعي صفاء , والذي فقد بصره (( ربما رمزاً للتضحية أو للعمى الأيديولوجي )) من أجل قيم يمثلها أبو علاء , بينما أبو علاء نفسه تكرس الآن لـ (( البرمجة )) والجمود.

هذه القصة القصيرة ثرية بالدلالات الرمزية والاجتماعية , وتكشف عن صراع عميق بين الأجيال , بين الذاكرة والواقع , وبين الأيديولوجيا والعدمية , والمحطة فيها مرآة للوطن , فهي ليست مجرد مكان للانتظار, بل هي رمز للدولة أو المجتمع , و بقاء التاج الملكي على الواجهة رغم تغير النظام السياسي يشير إلى (( التغيير الشكلي )) الذي لم يمس الجوهر , وإلغاء المحطة , هو قرار عبثي ينم عن سوء تخطيط (( التغيير من أجل التغيير فقط )) , مما جعل السفر عبئاً على الفقراء , هذا يعكس نقدأً سياسياً مبطناً للتحولات الاجتماعية التي تزيد من معاناة الشعب بدلاً من رفاهيته , وظهور الكلاب في نهاية القصة وتحول المحطة إلى (( خرابة )) تسكنها القطعان يرمز إلى التوحش والخراب الذي يحل بالأمكنة حين تفقد وظيفتها الإنسانية وروحها التاريخية.

القصة الناجحة هي التي تفتح باباً للنقاش , ان أستخدام مصطلح (( البرمجة )) يعبر عن ذكاء شديد كقناع للهزيمة , أبو علاء يدعي أن حياته المبرمجة هي علامة (( نهوض القرن )) , لكنه في الحقيقة يمارس (( الزهد الإجباري )) لأنه لم يعد يملك القدرة على الفعل , والمفارقة تظهر عندما يذهب للمحطة (( ليفلت من البرمجة )) , بما يدل على أن ما يسميه نظاماً هو في الحقيقة (( سجن )) يحاول الهروب منه للماضي , كما ان رد صفاء بكلمة (( البرمجة يا أبا علاء )) حين سأل عن الماء , كانت طعنة ذكية , فهي تعيد تعريف (( البرمجة )) باعتبارها (( فقراً وجدباً )) وليست (( تحضراً )) .

النقد دائماً هو (( المرآة )) التي تجعل المبدع يرى نصه من زوايا جديدة , فعن اللغة والأسلوب , لقد غلب على الحوار (( المونولوج )) من طرف أبي علاء , مما يعكس تهميشه لجيل صفاء , فهو لا يريد أن يسمع , بل يريد أن يُسمع ليؤكد وجوده , رغم ان نبرته الجنائزية تسيطر عليها رائحة الموت , والصمت الكالح والزبد على الشفتين كرمز للاحتضار الأيديولوجي , مما يهيئ القارئ للنهاية المأساوية , في الخاتمة الصادمة, نهاية أبو علاء بين أنياب الكلاب وهو يحاول تقليد القطار (( رمز القوة والسرعة القديمة )) , وهي نهاية تراجيدية تمثل (( افتراس الواقع للماضي )) حيث أبو علاء الذي حاول الركض في زمن لم يعد فيه قطارات , فكانت النتيجة هي السقوط.

لقد أسقطَ المندلاوي الأيقونات , وعرّى البيروقراطيةَ , وكشفَ عقدةَ النقصِ تجاهَ (أوروبا) التي قلدناها في القشورِ وتركنا اللباب , هي قصةٌ تفتحُ أبوابَ النقاشِ على مصراعيها , وتجعلُنا نتساءل : هل نحنُ بصددِ بناءِ مستقبلٍ , أم أننا نركضُ خلفَ قطارٍ مضى , في محطةٍ أكلتْها الكلاب؟

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .


المزيد.....




- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون: -سنقوم ...
- الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال ...
- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.