أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .















المزيد.....

مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 22:35
المحور: الادب والفن
    


تمر علينا ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب , الشخصية التي لم تكن مجرد حاكم , بل كانت تجسيداً لـ (( سلطة الحق )) في أنقى صورها , علي الذي عاش بين سيوف الفتن وقلبه معلق بالملكوت , ترك لنا إرثاً يتجاوز حدود الزمن , وكان يقينه يواجه الردى , فلم يكن الموت بالنسبة له عدواً , بل كان لقاءً منتظراً , وعندما اشتدت الفتن وحاول أبناؤه وأصحابه إقناعه باتخاذ حرسٍ يحمونه , أجابهم بلسان المؤمن الواثق : (( خيرُ حارسٍ الأجل )) , هذا الإيمان لم يكن وليد اللحظة , بل هو نتاج بصيرة نافذة , فكان يقول: (( لو كُشف لي الحجاب , لما ازددتُ يقيناً )) , ومن هذا اليقين استمد شجاعته التي جعلته يرى في الشهادة غاية الكرامة , قائلاً: (( أكرمُ الموت القتل , والذي نفس أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش )) .

كان المبدأ عنده فوق المناورة , وفي قراءة لتاريخه السياسي , نجد أن علياً لم يتبع يوماً سبل المداهنة , حيث يذكر التاريخ حواراً عميقاً بينه وبين عمه العباس , حيث قال له الأخير معاتباً : (( لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخراً بما أكره , أشرت عليك عند وفاة رسول الله أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت , وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت , وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت )) , ثم ختم العباس نصيحته بنظرة واقعية قاسية : (( احفظ عني واحدة , كلما عرض عليك القوم فقل لا , إلا أن يولوك , واحذر هؤلاء الرهط , وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير)) , لكن علياً كان يرى ما لا يراه غيره , كان يطلب الحق لذاته , لا للسلطة في ذاتها.

لا ننسى انه كان يتحلى بأخلاق الفرسان في قلب المعركة , فحتى في أحلك لحظات الصراع , لم يتخلَّ علي عن سموّ خلقه , حين سمع أصحابه يشتمون جيش الخصم , نهى عن ذلك بعبارة خلدها التاريخ : (( لسنا سبّابين ولا لعّانين , قولوا إخوتنا بغوا علينا )) , لقد وضع ميزاناً أخلاقياً فارقاً حين قال : (( ليس من طلب الحق فأخطأه , كمن طلب الباطل فأدركه: (( فقد كان يرى في خصومه قوماً استسلموا ولم يسلموا , وأسروا الكفر في جوانحهم , ومع ذلك ظل دعاؤه: (( اللهم إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق , وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة )) .

رغم الصراعات , بقيت مكانة علي وهيبته تفرض نفسها , يذكر عزيز السيد جاسم في كتابه (( علي بن أبي طالب سلطة الحق )) مشهداً يجسد هذه المكانة , حين تزوج عمر بن الخطاب من ابنة علي , فقال مبتهجاً: (( رفئوني , رفئوني )) , وعندما سُئل بمن يا أمير المؤمنين ؟ أجاب بفخر: (( بأبنة علي بن أبي طالب )) .

وفي ما بعد الغياب , وبعد استشهاد الإمام , يروي صاحب (العقد الفريد) عن واقعية معاوية مشهداً يختصر تحول الحال , حين دخل معاوية بن أبي سفيان المدينة ودخل بيت عثمان بن عفان , فصاحت عائشة ابنة عثمان (( واعثماناه )) تحرضه على الأخذ بالثأر , فكان رد معاوية ينم عن واقعية سياسية بحتة بعد غياب صوت علي المثالي: (( يا ابنة أخي , إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أماناً , وأظهرنا لهم حلماً تحت غضب , وأظهروا لنا ذلاً تحت حقد , ومع كل إنسان سيفه , فإن نكثناهم نكثوا بنا , ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس )) .

لقد رحل علي , وبقيت كلماته منارات لمن يبحث عن الحق في ركام السياسة , ومن يبحث عن الله في محراب الشهادة , وما بين بريق السلطة وصفاء المبدأ , لم تكن الخلافة في نظر علي بن أبي طالب غايةً تُرتجى , بل كانت (( وسيلةً )) لإقامة حق أو دحض باطل , وإلا فهي لديه (( أهون من عَفطة عنز )) , هذا الزهد في السلطة هو الذي جعل صراعه مع خصومه صراعاً بين (( المبدأ )) و(( المناورة )) , فبينما كان خصومه يستخدمون السياسة كفنّ للممكن والمتاح , كان علي يراها استقامةً لا تقبل الانحناء , لقد أدرك بفراسته أن القوم (( ما أسلموا ولكن استسلموا , وأسروا الكفر )) , ومع ذلك لم يواجه غدرهم بغدرٍ مثله , بل ظل متمسكاً بالصدق حتى في أحلك لحظات المواجهة , إن قوله : (( ليس من طلب الحق فأخطأه , كمن طلب الباطل فأدركه )) , يضع حداً فاصلاً بين (( الخطأ النبيل )) الذي يرتكبه الباحث عن الحقيقة , وبين (( النجاح الخسيس )) الذي يحققه الباحث عن المنفعة , فالفارق بينهما ليس في النتيجة , بل في الطوية والمقصد , فعليٌّ فاز بالشهادة واليقين , بينما فاز غيره بالدائرة التي لا يُدرى (( أعلينا تكون أم لنا )) .

في تحليل عبارة (( خيرُ حارسٍ الأجل )) , يكشف عن فلسفة عميقة في مواجهة الخوف والموت , وهي عبارة تجسد ذروة اليقين التي وصل إليها أمير المؤمنين , اذ في هذه الجملة المكثفة , يقلب الإمام علي المفهوم السائد عن (( الحماية )) رأساً على عقب , فبينما يرى البشر في (( الأجل )) - نهاية العمر- عدواً يتربص بهم ويفرون منه , يراه عليّ (( حارساً )) وفياً لا يمكن اختراقه ,ان هذه الرؤية ترتكز على بعدين , البُعد الغيبي - القدر المحتوم - إن العقيدة التي انطلق منها عليّ تؤمن بأن لكل إنسان (( حصناً )) من القدر يحميه , فما لم يحن الحين , لا تضره طعنة ولا يناله غدر , الأجل هنا ليس (( نهاية )) بل هو (( درع )) يمنع الموت من الاقتراب قبل أوانه , لذا , فالحراسة البشرية - في نظره - تصبح ثانوية أمام حتمية القدر , والبُعد النفسي - تحرير الإرادة - حين يؤمن القائد بأن أجله هو حارسه , يتحرر من (( فوبيا )) الاغتيال أو الفتن , هذا التحرر هو الذي منحه تلك الشجاعة الأسطورية , فمن يرى الموت حارساً له , يمشي في أشد المعارك طمأنينة , لأنه يعلم أن روحه لن تغادر جسده إلا في اللحظة المرسومة لها بدقة إلهية , إنها بلاغة (( السهل الممتنع )) التي تختصر علاقة الإنسان بالخالق , فإذا كان (( اللوح المحفوظ )) قد خُطَّ فيه موعد الرحيل , فإن كل السيوف المسلولة تصبح عاجزة أمام (( حارس الأجل )) وهذا ما يفسر قوله الآخر : (( أيُّ يومَيَّ من الموت أفر؟ أيومٌ لم يُقدر, أم يومٌ قُدر؟ )) .

وفي فجر ذلك اليوم الحزين , وبينما كان الإمام يهمُّ بالخروج لصلاة الفجر , اعترضت طريقه أوزات الدار , فتعلّقن به وهنّ يصحنَ في وجهه بصياح غير مألوف , وكأنها صرخة احتجاجٍ من الطبيعة ضد غدر البشر , وعندما حاول أصحابه إبعادهن عنه , استوقفه مشهدهنّ برقّة الزاهد وبصيرة الشهيد , فقال بلهجةٍ فيها من التسليم ما يفطر القلوب : (( دعوهنَّ , فإنهنَّ نوائحُ , تتبعها نوائح )) , لقد استشرف عليٌّ الفاجعة حتى في أصوات الطيور , فكانت تلك الصيحات هي الجنائزية الأولى التي شيعت الجسد الطاهر قبل أن تناله يد الغدر , هي لحظةٌ تلاقى فيها يقينه بـ (( حارس الأجل )) مع وجد الحزن الفطري , لتكتمل صورة الوداع الأخير لرجُلٍ كان يحمل همَّ الأمة في قلبه , بينما كانت الدنيا كلها -بإنسانها وطيرها - تشعر بثقل الرحيل المرتقب.

في نهاية المطاف رحل الجسد وبقي النهج , ارتفع الى ربه شهيد المحراب الذي قتل لشدة عدله , فلم يكن غياب علي بن أبي طالب مجرد غيابٍ لخليفة أو قائد , بل كان غياباً لصوتِ الحق الصارخ في برية المطامع , رحل (( أبو التراب )) وقد ترك خلفه مدرسةً لا تزال تُعلمنا أن الانتصارات الحقيقية لا تُقاس بالمساحات الجغرافية أو بسط النفوذ , بل بمدى الثبات على المبدأ حين تزلُّ الأقدام , لقد مضى عليٌّ إلى ربه مخضباً بدمائه , وهو يلهج بعبارة الفوز الأبدي : (( فزتُ ورب الكعبة )) , تاركاً لنا يقيناً لا يتزعزع بأن (( سلطة الحق )) أبهى وأبقى من بريق السلطة الزائل , فبينما طوى التاريخ صفحات الكثيرين ممن طاردوا الباطل فأدركوه , بقي ذكر عليّ منارةً لكل من سلك طريق الحق واستوحش من قلة السالكين , سيبقى الإمام دائماً هو ذلك (( الرمح الذي لا ينكسر )) , واليقين الذي لا تشوبه ريبة , والقبس الذي يضيء لنا عتمة الفتن كلما ضللنا الطريق.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .


المزيد.....




- تحديات التعليم العالي في مرآة كتاب
- الفنان مرتضى حنيص: نشهد تقدما في اعمال الدراما ولدينا مخرجون ...
- موسم جوائز يمكن وصفه بالفوضوي يسبق حفل الأوسكار الـ98
- هرر ذات الـ82 مسجدا.. مدينة إثيوبية يستعد أهلها لرمضان بـ-غس ...
- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...
- إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور ...
- رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة ...
- السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .