أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في داخلنا.














المزيد.....

مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في داخلنا.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 17:37
المحور: الادب والفن
    


يغرقنا هذا الشيخ الثمانيني بنشرياته التي تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة, وهو اليوم يبعث بنوع من (( القصص الرمزية )) التي تُستخدم عادةً لإيصال رسائل أخلاقية أو سياسية , فتحت عنوانه المعهود (( محطة استراحة )) , كتب : الخطوة الأولى في طريق السقوط - يحكى أن ضابطا انكليزيا زمن احتلال الهند قد صفع أحد الهنود صفعة قوية امام الناس لسبب تافه فما كان من الهندي إلا أن يرد الصفعة بأقوى منها فانهار الضابط وجن جنونه وحاول أن يقتل الهندي وصادف ان مر القائد الانكليزي وأمر الضابط التزام الصمت وأخذه إلى مقر القيادة وقال للضابط افتح هذه القاصة وخذ منها خمسين الف روبية واذهب إلى الرجل الذي صفعته واعتذر منه أمام الناس واعطيه المبلغ تعويضا عن صفعته , ثار الضابط وقال كيف تقبل بهذا؟ انه هندي ضرب من يمثل الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟ قال هذا أمر عسكري يجب تنفيذه وقام الضابط به المبلغ كان كبيرا بدأ يعمل الهندي وصار تاجرا كبيرا له حرس ولمع اسمه في الحياة العامة حتى صار يشار إليه , طلب القائد من الضابط ان يذهب إلى التاجر وأمره أن يصفعه أمام الناس كذلك فعل الضابط لكنه اندهش فالتاجر لم يرد عليه الصفعة وجاء الضابط إلى قائده مندهشا من سكوت التاجر , قال القائد حين رد عليك كانت عنده كرامة ولكن حين قبل المبلغ باع كرامته فصار يخاف على ماله لا على كرامته , والعاقل يفهم )) , تلك هي العلاقة الأزلية بين الكرامة والمال , وتشريح سيكولوجي وسياسي عميق لمفهوم (( العبودية المختارة )) بتحويل حكاية بسيطة إلى دراسة حول كيفية تدجين الشعوب والنخب.

ذلك هو السقوط الناعم , السقوط هنا ليس الفقر أو الفشل المالي , بل هو سقوط القيمة , فالخسارة الحقيقية لم تكن صفعة الضابط , بل كانت اللحظة التي فتح فيها الهندي يده ليأخذ الـ 50 ألف روبية , تلك اللحظة كانت (( التوقيع )) على صك العبودية الطوعية , وتلك جدلية الكرامة مقابل المادة , وفكرة أن الاستغناء يعزز الشجاعة , بينما الامتلاك - خاصة إذا كان ثمنه التنازل - يخلق (( الخوف )) من الفقد , فأن بطل القصة لم يتغير جسدياً , بل تغيرت (( أولوياته )) , في المرة الأولى كان يملك كرامته فقط فكان (( نداً )) , وفي المرة الثانية ملك المال فصار (( عبداً )) لما يملك (( الفقر كان درعه , والغنى صار قيده )) , ويظهر ذكاء المستعمر في ترويض الشعوب , من خلال خبث القوة - القائد الإنجليزي - وليس بالرصاص دائماً , بل بتحويل الثوار إلى تجار , وبتحويل القضايا الكبرى إلى مصالح ضيقة , والسقوط لا يبدأ دائماً بالهزيمة , بل قد يبدأ بالتعويض الذي يملأ الجيب ويفرغ الروح.

لنناقش فلسفة (( التعويض )) كأداة للتدجين , القائد الإنجليزي لم يعتذر حباً في العدل , بل استخدم (( المال السياسي )) أو (( الرشوة الاجتماعية )) , ففي المرة الأولى كان الهندي يمتلك (( رأسمالاً معنوياً )) - الكرامة - وهو رأس مال لا يمكن السيطرة عليه بالقوة لأن صاحبه مستعد للموت من أجله , وبعد قبض الثمن , تحول رأسماله من (( معنوي )) إلى (( مادي )) , والميزة في المادة أنها ملموسة , وبالتالي يمكن تهديد صاحبها بها , والقائد الإنجليزي اشترى (( حق الرد )) المستقبلي لدى الهندي , الذي الذي سكت في المرة الثانية , وتلك سيكولوجية (( الخوف من الفقد )) , لأن الفقير الذي لا يملك شيئاً هو أخطر عدو للنظم المستبدة بحكم أنه (( ليس لديه ما يخسره )) , لكن بمجرد أن أصبح تاجراً وله حراس ومصالح , أصبح لديه (( إرث )) يخشى عليه , والقاعدة النفسية هنا, كلما زادت ممتلكات الإنسان التي حصل عليها مقابل (( تنازل )) زاد معها استعداده للخوف والذل للحفاظ عليها , لقد أصبح الهندي هنا حارساً لمصالح الإنجليزي دون أن يشعر , لأن استقرار تجارته مرتبط ببقائه تحت مظلتهم.

اما اذا انتبهنا الى رمزية (( الصفعة )) , وتكرارها , فالصفعة الأولى, كانت صراعاً بين ندّين (( إنسان ضد إنسان )) , أما الصفعة الثانية, فقد كانت إهانة من (( سيد )) لـ (( تابع )) , والسكوت في المرة الثانية لم يكن حكمة أو ترفعاً , بل كان (( حسابات ربح وخسارة )) , لقد أدرك التاجر أن رد الصفعة يعني خسارة الثروة , المكانة , وربما الحياة التي أدمن ترفها , وهذا يوصلنا الى البعد السياسي لسياسة الاستعمار التي تتبنى (( خلق النخب الموالية )) , فالمستعمر - أو صاحب السلطة - يعلم أن القمع المفرط يولد انفجاراً , لذا يلجأ لخلق طبقة من المستفيدين , هؤلاء المستفيدون يدافعون عن المستعمر بشراسة أكثر من جنود المستعمر أنفسهم , لأن وجودهم مرتبط بوجوده.

كان عمنا شكسبير قد قال : (( تغافل عن كل شيء , إلا كرامتك لا تقبل بتهميشها )) , وأضاف أحمد شوقي : (( نعم أشتاق لكن وضعت كرامتي فوق اشتياقي )) , إن ما نشره المندلاوي الجميل ليس مجرد حكاية من التاريخ , بل هو مسبار غار في أعماق النفس البشرية , ليوضح أن أخطر أنواع الاحتلال ليس ما يغتصب الأرض , بل ما يستوطن النفوس بالمنافع , فيجعل الإنسان يصنع قيده بيده خوفاً على مكتسباته ,وهو تحليل مذهل لآلية (( الاستعباد الطوعي )) , ويتجاوز كونه مجرد قصة تاريخية ليصبح تشريحاً سيكولوجياً لكيفية ترويض النفوس وكسر إرادة الشعوب أو الأفراد , فالقصة توضح كيف يتحول الإنسان من (( ثائر )) يدافع عن كرامته إلى (( حارس )) يدافع عن مصالحه , وأن أخطر أنواع الاحتلال ليس احتلال الأرض بالجنود , بل احتلال النفوس بالمال والمنافع , فحينها يضع الإنسان القيود في يده بنفسه خوفاً من ضياع مكتسباته , وأن السقوط يبدأ من الداخل أولاً , و القوة ليست في (( ما نملك )) , بل في (( ما نحن مستعدون للاستغناء عنه )) في سبيل كرامتنا , وهو ما يلمس واقع الكثير من التحولات في النفوس والشعوب .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .


المزيد.....




- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في داخلنا.