أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.














المزيد.....

مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


(( لجيلٍ ذهبي حاصرته الحروب , ولم تحاصره الأفكار )).

أعلمُ يقيناً أن جيلنا (الذهبي) قد شارف على الانقراض , تماماً كما اضمحلت واندرست معايير (( شرف الخصومة )) في هذا الزمان , نحن الجيل الذي لم يفكر بغير العطاء , ولم يقبض أحدنا ثمنًا لمواقفه , بل إن أغلبنا دفع حياته وسنين عمره ثمنًا لمبادئه , أما هذا الجيل المتكالب اليوم على الدنيا ومباذلها ومنافعها , فلا شرف للخصومة عنده , ولا عهد له يُرتجى.

ما كنا ندّعي التدين الزائف , بل ربما لم نكن متدينين بالمعنى الشكلي المعاصر , لكن سلوكنا ونضالنا كانا بلا شائبة , عشنا بمناقبية أخلاقية تعجز السطور عن حصرها , نحن (( الجيل الوسط )) المظلوم بين جيلين , فعندما كنا صغاراً , غرس المعلمون والمشايخ في نفوسنا أن بر الوالدين يعادل التوحيد , فواظبنا على برهم حتى الرمق الأخير , بنَينا أنفسنا بجدّنا , وزوجنا أنفسنا من عرق جبيننا ونحن لا نزال طلاباً , وبقينا سنداً لآبائنا حتى وافاهم الأجل.

ثم دارت الدائرة , فكبر أولادنا ليطالبونا بحقوقهم (( العصرية )) من سكن لائق , وأحدث التقنيات , وسيارات فارهة , بل وحتى تكاليف زواجهم وإعالة أسرهم وهم بلا عمل , وحين نسألهم : (( من علمكم أن هذا واجبنا لا فضلنا ؟ )) , يجيبون : (( المشايخ ومنظمات المجتمع المدني )) , فأين حقوقنا نحن الذين ضاع عمرنا بين وجوب البرّ قديماً , وواجب الرعاية حديثاً ؟

لقد حدثني بعض الخلان ممن عجمتهم الأزمان , عن مرارة القرابة وبغي أولي القربى الذين غمطوا الحقوق وقطعوا الأرحام , وقال بلسان المكلوم : (( أنت تكتب تحت شمس الحقيقة , وهؤلاء يعيشون في ظل الزيف , لا أعرف كنههم ولا أستسيغ فعلهم )) , فقلت له مطببًا : (( يا صاحبي , لقد صار الظل للناس سمة , ونحن جيل الخمسينات الذي تآكل بين رحى الحروب وضنك الحصار , حتى لم يبقَ منا إلا ثلةٌ ممن كُتب لهم الانتظار )) , ورغم المواجع , كنا جيلاً يقظاً , حملنا وعياً في الفكر والسياسة , وسمونا في الفن والأدب , كنا نؤمن بالله فطرةً وعقلاً , ونتخذ من الإٍسلام المتنور فخراً , وفي رحاب الذوق , هذبنا أرواحنا بأصوات (أم كلثوم) و(فيروز) و(ناظم الغزالي) , ولم نتذوق الكلمة إلا عند (نزار) و(السياب) و(شوقي) , وفي الفلسفة وعلم الاجتماع , نشدنا العلم عند (سقراط) و(ابن خلدون) وتفقهنا مع (علي الوردي ) .

أما الهوية , فلم نجدها إلا في عراقنا العظيم ملاذاً من الفتن , كانت هويتنا (( لغة الضاد )) وعقيدتنا (( الإسلام الحق )) بلا عناد , لم تخدعنا أطروحات الغرب البراقة ولا جمود الشرق , بل أسسنا نهجاً وطنياً وعقلاً سوياً , لله در جيلنا الكادح , كنا نعطي أنفسنا للوطن , واليوم نرى من يبيعون الوطن لأنفسهم بأبخس الأثمان .

لقد كانت الصداقة عندنا ميثاقاً غليظاً , نقتسم الرغيف بحب , ونسكن القلوب بصدق , لم نعرف الانتهازية مسلكاً , بل كان الجار أخاً والهمّ وطنياً جامعاً , وتعجبي شديد كيف نحت هذا الجيل من صخر المعاناة تمثالاً للأمل ؟ نحن الذين سرجنا خيول الحرف في ليل الأمية , ورفعنا بيارق الفكر في وجه التبعية , فمن يرانا اليوم يرى شموخ النخيل الذي لا ينحني للرياح , ويستنشق في كلماتنا عبير الكفاح الذي لا يعرف الارتياح.

قبل ان اختم هذه الوثيقة الوجدانية التي اشعر انها تنصف جيلاً كاملاً حُمل ما لا يُطاق , أودُّ أنْ أضيفَ شيئاً , إنَّ التفكّر نعمةٌ وإنْ أورثَ النَّصَب , فَلذةُ المعرفةِ لا تدانيها لذةٌ قط , وهي عزاؤنا في زمنٍ عَزَّ فيه الوفاء .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...


المزيد.....




- 25 رمضان.. يوم غيّر مجرى التاريخ من عين جالوت إلى فتح بلغراد ...
- أول متحف مستقل للفنون الجميلة في لاس فيغاس.. مجموعته الفنية ...
- حرب الروايات في الخليج: واشنطن تتحدث عن تدمير خارك وطهران تر ...
- صراع الروايات في بحر العرب: طهران تعلن استهداف -أبراهام لينك ...
- الكويت.. الداخلية تعلن منع الأعراس والحفلات والمسرحيات خلال ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب ...
- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.