أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .














المزيد.....

المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 14:43
المحور: الادب والفن
    


المندلاوي الجميل , وكأنه يصيح بلسانٍ كليل , وقلب عليل , في رسالته الى - الرائع الرائع الرائع ابي فرات الجواهري - قائلا : (( ابا فرات مازلت امني النفس بمضمون قولك - سينهض من صميم اليأس جيل مريد البأس جبار عنيد , يقايض ما يكون بما يرجى ويعطف ما يراد لما يريد - فمتى يا ابا فرات ؟ متى ؟ متى ؟ لقد ضاقت بنا السبل )) , صرخة وجدانية تمزج بين الأدب العالي والوجع الوطني , وزفرة عراقية مصاغة بلغة فخمة تليق بهيبة الجواهري وشجنه , وليس مجرد تساؤل عابر , انه يُناجي طيفَ أبي فرات , ويستنهضُ في رُبوعِ الرافدينِ رُفاتَ الكلمات , وكأنهُ يرى في صمتِ القبورِ ضجيجَ العصور , وفي غيابِ الجواهري حُضوراً يَعبرُ المَفاوزَ والبحور.

يا صاحبي , لقد دلفت الى عوالم أبي فرات وشجونه التي لا تنتهي , فهو وان لم يَكُ بَصيراً بالغيب , بل كانَ خَبيراً برُوحِ الشعب , فاليأسُ حينَ يشتدُّ صهيرُه , يُولَدُ في الأحشاءِ نذيرُه , وما سُؤالُكَ (( متى )) إلا مَخاضٌ عَسير , لجيلٍ يَرسُمُهُ الضمير , فيا رائعاً نادى الرائع , إنَّ السُّبلَ وإن ضاقت , والكروبَ وإن ساقت , فإنَّ (( قُدرةَ القابلة )) في التاريخِ لا تُخطئُ الميعاد , وإنْ طالَ السُّهادُ في بغداد , فدَعْ عنكَ عتابَ القوافي , وارقُبْ في (( صميمِ اليأسِ )) انبلاجَ الفجرِ الشافي .

حين يستغيثُ المثقفُ بأبي فرات , فهو لا يستحضرُ شاعراً رحل , بل يستحضرُ (( المسطرة الأخلاقية والوطنية )) التي قاست عليها أجيالُنا أحلامَها , رسالةُ المندلاوي هنا تتجاوزُ الإعجابَ الأدبي إلى (( المحاكمة التاريخية )) , فهو يضعُ نبوءة الجواهري - الجيل الجبار العنيد - في مواجهةِ واقعٍ يفيضُ بالانكسارات , وإنَّ تكرار (( متى )) في النص ليسَ جَهلاً بالزمن , بل هو إعلانٌ عن بلوغ (( الذروة الدرامية )) لليأس , والجواهري في بيته الشهير جعل (( اليأس )) شرطاً للنهوض , وكأنَّ الانكسار هو الوقود الضروري للانفجار الإيجابي , لكنَّ الوجعَ الكامنَ في التساؤل يشي بخوفٍ مشروع: هل استُهلكَ اليأسُ كلَّ طاقاتنا حتى باتَ عقيماً عن إنجابِ ذلك الجيل ؟ والردُّ على هذه الصرخة لا يكونُ بالأرقام , بل بالإيمان بأنَّ (( المقايضة )) التي بشر بها الجواهري - مقايضة ما يكون بما يُرجى - هي فعلٌ يومي يبدأ من استعادةِ الوعي بجمال الكلمة وقوة الموقف , تماماً كما فعل صاحبنا حين استنجدَ بالشعر في لحظةِ الضيق.

ان اقتباس بيت الجواهري الشهير : ((سينهض من صميم اليأس جيلٌ مريدُ البأسِ جبارٌ عنيدُ )) , يعني ان الشاعرلم يكن يمارس الترف اللفظي , بل كان يضع قانوناً فيزيائياً للروح , يركز على مفارقة وجودية , جعلت من (( اليأس )) رحماً للنهوض , لكن المندلاوي يشعر أن هذا (( الرحم )) قد طال مخاضه أكثر مما ينبغي , و(( مقايضة ما يكون بما يرجى )) هي ذروة الفعل الثوري في لغة الجواهري , وتعني رفض الواقع القبيح مقابل الحلم المستقبلي , وتلك هي جدلية اليأس والبأس , وتكرار الاستفهامات - متى؟ - ثلاث مرات , متبوعة بعلامات التعجب , ينقل صيحة صاحبنا من حيز (( الاستفسار )) إلى حيز (( الاستغاثة )) , وهو عتاب للمتنبي العراقي - الجواهري - على تفاؤله الذي لم يتحقق بعد , أو ربما هو عتاب للقدر الذي أبطأ في إرسال ذلك (( الجيل الجبار )) .

لقد أسمعتَ يا صديقي إذ ناديتَ كبيراً , فالجواهري لم يكتب شعراً بل رسم مسارات للروح , لكن يبدو أن - صميم اليأس - الذي ذكره قد تعمق كثيراً في تربتنا حتى باتت الولادة عسيرة , نداء (( متى )) هو صوت جيل بأكمله لا يزال يبحث عن - عطف ما يراد لما يريد - فيا أبا فرات , السبل ضاقت فعلاً , لكن لعل هذا الضيق هو - الصهير- الذي تتشكل فيه تلك الأجيال الجبارة , وياصديقي العزيز , رسالتك للجواهري هي مرافعة ضد الانكسار , وتذكير بأن الشعر يظل هو النافذة الأخيرة حين تُغلق الأبواب , انها رسالة موجعة تخاطب فينا الأمل المؤجل , والجواهري زرع البذرة في شعره , ونحن لا نزال ننتظر المطر وسط هذا الجفاف .

أن الجواهري لم يقل (( سيولد )) بل قال (( سينهض )) , والنهوض يفترض وجود جسدٍ حيٍّ لكنه مُثقل , وهذا يعطي أملاً أكبر مما لو كان عدماً ينتظر الولادة , إن قيمة هذه الرسالة تكمن في أنها تجعل من الشعر (( مرجعاً أخلاقياً )) , والرد على هذه الصرخة لا يكون بالأرقام أو التحليلات السياسية الباردة , بل بالعودة إلى جوهر الفكر الجواهري, إن الجيل الجبار لا يهبط من السماء , بل يُنحت من صخر المعاناة, واستغاثة صاحبنا بأبي فرات هي في حد ذاتها (( فعل مقاومة )) , لأنها ترفض نسيان الحلم , وتصر على محاكمة الواقع بجمال الكلمة وقوة المبدأ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.


المزيد.....




- على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
- جهاتٌ في خريطة
- -جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
- الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...
- ???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
- سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .