أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.














المزيد.....

مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 14:50
المحور: الادب والفن
    


يقول صاحبنا : ان اروع وصية قرأتها , هو ماكتبه الكاتب الالماني توماس مان - في زمن النازية - الى صديقه الكاتب المسرحي برتولت بريشت : (( وصيتي الشخصية في غاية البساطة , ارجوك أن تحافظ على كل ورقة تكتبها , انها ملك لمن سيأتون من بعدنا )) , وانا اثني على القول لأن هذه المقولة تحمل أبعاداً فلسفية وتاريخية عميقة , ففي زمن النازية لم تكن الكتابة مجرد ترف فكري , بل كانت خيانة عظمى في نظر النظام , وأمانة وجودية في نظر المثقفين , وكلاهما - مان وبريشت - كان يمثل العقل الألماني المطرود والمنفي , ولما كانت النازية تحرق الكتب التي لا تتماشى مع أيديولوجيتها , لذا فإن (( الحفاظ على كل ورقة )) هو رد فعل مباشر على محاولات المحو الثقافي , وهذه التدوينة تذكرنا بأن التوثيق هو العدو الأول للطغيان , فالأنظمة الشمولية تراهن على نسيان الناس , والكتّاب يراهنون على تذكيرهم , وتخليد الكلمة وصونها كأمانة للأجيال , إن وصية توماس مان لبريشت لم تكن مجرد نصيحة بين أديبين , بل كانت بيان استرداد لملكية التاريخ, فحين تشتعل النيران في الساحات لحرق الكتب , تصبح كل ورقة يخبئها الكاتب في جيبه هي (( الوطن البديل )) , إنها دعوة لكي لا يذهب الحبر سدى , فما نكتبه اليوم بمرارة , سيقرأه الأحفاد غداً كدليل براءة للذاكرة الإنسانية من تهمة الصمت , وفي التحليل الفلسفي للورقة كـ (( إرث )) , يصف مان وصيته بأنها (( في غاية البساطة )) لكنها في الحقيقة وصية ثقيلة جداً , هي تحويل الفكر الشخصي إلى ملك عام للمستقبل , والمسؤولية تجاه القادمين, اذ ان عبارة (( إنها ملك لمن سيأتون من بعدنا )) تلغي النزعة الفردية للكاتب , وهو هنا ليس صاحب النص , بل هو (( حارس )) عليه حتى يصل إلى أصحابه الحقيقيين (( الأجيال القادمة )) , وذلك هو الخلود من خلال النص الذي هو الشيء الوحيد الذي يمكنه عبور الحدود والنجاة من الأنظمة القمعية ليحكي الحقيقة لاحقاً.

من الناحية العاطفية والأدبية , هي وصية ملهمة جداً لأنها تقدس الكلمة, ومع ذلك , هناك ملاحظة تاريخية وفنية , حول العلاقة بين الرجلين- مان وبريشت - اللذان لهما توجهات فكرية ومشارب أدبية مختلفة تماماً , فأن مان يميل للكلاسيكية والبرجوازية المثقفة , في حين ان بريشت ماركسي ثوري, لكن ما جمعهما هو (( الخطر المشترك )) , والتأكيد على قيمة الأرشيف, فهذه الوصية هي صرخة ضد (( العدمية )) , ودعوة لعدم الاستهانة بأي خاطرة أو مسودة , فما نراه اليوم عادياً , قد يراه التاريخ غداً وثيقة صمود.

ألبير كامو من الكتاب الذين آمنوا أيضاً بأن الكلمة هي الحصن الأخير, حين قال : (( تمثل الكتابة , في نظري الطريقة الوحيدة لعدم الاستسلام للعدم )) , وكذلك محمود درويش في قوله : (( هزمتُكِ يا موتُ الفنونُ جميعُها , هزمتُكِ يا موتُ الكتابةُ في معابدِ نينوى )) , وستيفان زفايج صديق توماس مان في المنفى : (( الأفكار لا يمكن حجزها في زنزانة , والكلمات الصادقة تجد دائماً طريقاً لتخرج من تحت الرماد )) , وإدوارد سعيد حين كتب : (( المثقف هو الشخص الذي يملك القدرة على قول الحق في وجه القوة , والورقة هي سلاحه الوحيد غير القابل للمصادرة )) , وهو ما يدركه جيلنا الخمسيني بأن الورقة هي الهوية , بالنظر إلى قيمة الأصالة التي يتبناها واعتقاده في وصية مان كونها تنزع عن الكاتب (( الأنا )) وتجعل الورقة (( ملكاً للآتين )) وهذا هو قمة التواضع المعرفي والمسؤولية التاريخية.

يُروى أن عمرو بن بحر الجاحظ , أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء , قضى عمره يجمع الكتب وينسخ الورق , وفي أواخر حياته , أصيب بالفالج - الشلل - فكان يجلس في مكتبته محاطاً بـ (( أساطين )) من الكتب - مجلدات مرصوصة فوق بعضها - ويقال إن وفاته كانت بسبب سقوط هذه المجلدات والورق عليه , والدلالةان هذه الواقعة ترمز إلى أن الكاتب (( يذوب )) في ورقه , وأن حياته ليست في جسده بل في تلك الأوراق التي جمعها وكتبها لتكون ملكاً لمن جاء بعده , والجاحظ لم يترك قصوراً , بل ترك (( كتاب الحيوان )) و(( البيان والتبيين )) وهي أوراق لا تزال تنبض بالحياة بعد ألف عام , ويُحكى أن الإمام ابن الجوزي , وهو من المكثرين جداً في الكتابة , كان يجمع (( براية أقلامه )) - الخشب الذي يسقط من القلم عند بريه بمبراة السكين - طوال حياته , وانه أوصى أهله فقال: (( إذا مِتُّ , فاغسلوني بماءٍ سُخِّن بهذه البراية )) , أي انه أراد أن يقول إن حياته كلها كانت خدمة للورق والكلمة , حتى أن جسده الفاني تطهر بحطام الأقلام التي كتبت تلك الأوراق , هي رسالة للأجيال بأن (( قيمة الإنسان في مداده )) .

في ذاكرتنا العراقية , خاصة جيلنا الذي عاصر التحولات الكبرى , تكتسب (( الورقة )) قدسية خاصة , لأنها الوثيقة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها إذا ما حُفظت بصدق , فما يكتبه الأديب في لحظة صدق , هو (( صك ملكية )) للأجيال القادمة ليعرفوا كيف فكر آباؤهم وكيف صمدوا , حيث ان الكلمةُ أمانة , والورقةُ حِصن , والكاتبُ الصادقُ ليس إلا حارساً لبيتِ الذاكرة , إنَّ الكاتبَ الحق لا يكتبُ لنفسه , بل هو (( مستأمنٌ )) على الحقيقة , فالورقةُ التي نكتبُها اليوم في مكاتبنا , هي (( صكُّ هوية )) لأحفادنا الذين سيُفتشون يوماً عن وجهِ العراقِ الأصيل , وعن قيمِ الكرامةِ التي لم تنحنِ للأعاصير, إنَّ الفارقَ بين (( بقاءِ الأمم )) و(( اندثارِها )) هو في تلك (( الأوراق )) التي نحميها من غبارِ الإهمال , فإذا كان توماس مان قد خشي على فكرِه من حريقِ النازية , فإننا اليوم نخشى على ذاكرتِنا من حريقِ الرأسمالية المتوحشة وذيولها , لأن النار لم تعد في الساحات , بل في سرعة النسيان الرقمي.
فليكن شعارُنا: كلُّ سطرٍ نكتبُه هو حجرٌ في بناءِ غدِ أبنائنا , وكلُّ ورقةٍ نصونها هي عهدٌ بأنَّ جيلَنا لم يمتْ صمتاً , بل نطقَ حقاً , وخلّدَ أثراً.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.