أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .














المزيد.....

مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 10:59
المحور: الادب والفن
    


شيخنا الثمانيني المهاجر , تبغدد برشاقة طرحه الفكري الراقي الذي ينم عن ذائقة أدبية رفيعة وقراءة واعية , وعلى غير المعتاد نشر تحت عنوان - افكار ليست للبيع - قصيدة (( الحرية Liberté )) لبول إيلوار , فوضع يديه على مكمن السحر بتلك القصيدة التي لم تكن مجرد كلمات , بل كانت (( منشوراً )) سرياً أُلقي من الطائرات فوق فرنسا المحتلة إبان الحرب العالمية الثانية , لتتحول من قصيدة حب إلى نشيد للمقاومة العالمية : (( فوق كل الصفحات المقروءة , فوق كل الصفحات البيضاء , الحجر , الدم , الورق او الرماد اكتب اسمكِ , فوق الحقول وفوق المدى , فوق اجنحة العصافير , وفوق طاحونة الظلال اكتب اسمكِ )) , وعلق عليها : (( وكأنها العلاج الذي يشفي امراض الانسانية جميعها , ويقلب الألم الى شفاء وراحة , ويحول القبح الى جمال , فكانت هذه القصيدة واحدة من أعمدة الشعر العالمي , كما هي قصيدة - الأرض الخراب - لتي أس اليوت , رغم فارق المضمون بينهما , اما نحن - أهل الشرق - فما زلنا نسمع بهذه الكلمة ولا ندرك معناها , ولا نفهم فحواها , وربما نخاف منها فلا نتقرب منها ونتحاشاها , فهل تحجرت عقولنا , وتوقفت قرائحنا , وبقينا نلتمس الخلاص من الأوهام ؟ ترى , هل ما كتبه ايلوار هو الخلاص ؟ )) .

لطالما أشرق علينا أديبنا البعقوبي الأريب في الجلسات التي تجمعنا به بتحليلاته الثقافية الرائعة , فهو يجمع بين رقة الأديب وهيبة الفارس التي استلهمها من بيت المتنبي الذي يردده دوماً: (( يُحاذِرُني حَتفي كَأَنِّيَ حَتفُهُ )) فكما يرى المتنبي أن سمّه يغلب سمّ الأفاعي , نرى نحن أن وهج بصيرته يغلب عتمة الحيرة , وقوة حُجته تصرعُ كل رأيٍ واهن , فحضوره ليس مجرد إشراق , بل هو سطوة فكرية تأبى الانكسار , وتكتسي الجلسات معه بحلل الثقافة والبيان , حيث يبهرنا بتحليلاته التي تنمُّ عن عقلٍ فذ وشخصيةٍ أبية , وهو لا يكتفي بالإشراق المعرفي , بل يحمل في طيات فكره مناعةً وصلابةً تجعل خصومه الفكريين يتلاشون أمام حدة ذكائه وعمق منطقه , ولطالما أضاء أديبنا البعقوبي الأريب عتمة النقاشات بتحليلاته الثقافية الرائعة ,متسلحاً بأنفةٍ تليق بمقامه ,فحين تنكزه الأفكار الضحلة أو التحديات الفكرية , يقتلها بسمّ بلاغته وعمق درايته , ليظلّ دائماً هو المحذور جانبه , المرجو بيانه .

تكمن عبقرية إيلوار في أنه بدأ القصيدة كقصيدة حب لامرأة , لكنه اكتشف أن (( الاسم )) الذي يملأ كيانه ليس اسم امرأة , بل هو الحرية , وحين يكتب اسمها على (( غلاف الدفاتر )) و(( الرمل )) و(( الرماد )) , فهو يعيد تعريف الحرية كعنصر فيزيائي موجود في المادة , وليس مجرد فكرة مجردة , وتحول اسم الحرية عنده إلى (( تعويذة )) أو طقس صوفي , الكتابة هنا ليست فعلاً ميكانيكياً , بل هي استرداد للملكية , كأن العالم لا يصبح ملكنا إلا إذا نُقش عليه وسم الحرية , والمقارنة بين (( إيلوار)) و (( إليوت )) هي في الواقع مقارنة بين الانبعاث والخراب , وان إليوت رسم مأساة الإنسان الحديث الضائع في العقم والجفاف الروحي بعد الحرب , في حين ان إيلوار قدم الترياق , فإذا كانت أرض إليوت (( خراباً )) فإن إيلوار يحاول تشجير هذا الخراب بكلمة واحدة , وتكمن بينهما فجوة الوعي البشري , في إدراك الكارثة عند إليوت ومحاولة الخلاص لدى إيلوار .

ان التعليق على واقعنا في الشرق يلمس جرحاً غائراً , وهو معضلتنا الشرقية , كوننا نتعامل مع الحرية كـ (( فوبيا )) , فلماذا نخاف من الحرية ؟ ان الحرية في جوهرها مسؤولية ثقيلة , ونحن في كثير من الأحيان نفضل (( العبودية الآمنة )) على (( الحرية القلقة )) , كما ان تحجر العقولعندنا هو نتاج قرون من الوصاية , حيث ارتبطت الحرية في أذهاننا بالفوضى أو الخروج عن النسق , فصارت (( وهماً )) نطارده في القصائد ونخشاه في الواقع , وعند عقد المقارنة بين رؤية بول إيلوار للحرية وبين تجلياتها في الشعر العربي الحديث , نجد أننا أمام مسارين التقيا في الغاية , واختلفا في المنطلق والأدوات الجمالية , وهو ما يفسر جزئياً (( المعضلة الشرقية )) , ربما لأننا في الشرق ورثنا مفهوم الحرية كـ (( منحة )) تأتي من مخلص , أو (( معركة )) تنتهي بانتصار عسكري , بينما الخلاص الذي قدمه إيلوار هو (( وعي فردي )) .

ترى هل ما كتبه إيلوار هو الخلاص؟ ان الحرية عنده ليست (( محطة وصول )) , بل هي (( فعل كتابة مستمر )), الخلاص ليس في نيل الحرية كجائزة , بل في ممارستها كحق طبيعي تماماً كالتنفس : (( بقوة كلمة واحدة , أبدأ حياتي من جديد , ولدتُ لكي أعرفكِ , لكي أسميكِ : حرية )) , وهذه الخاتمة في قصيدته تلخص كل شيء , الحرية هي (( إعادة ميلاد )) للإنسان , أن مشكلتنا في الشرق هي ))تسييس )) الحرية , بينما عند إيلوار هي (( أنسنة )) الحرية , وطالما أننا لا نملك الشجاعة لنقش اسمها على (( رماد )) أيامنا , فسنبقى نلتمس الخلاص من أوهامنا.

عند إيلوار , الحرية هي حالة وجودية شاملة, هي ليست مجرد مطلب سياسي , بل هي الطريقة التي يرى بها العالم , يكتب اسمها على (( أجنحة العصافير )) و(( طاحونة الظلال )) , أي أنه يراها مبدأً كونياً يحكم الطبيعة قبل أن يحكم البشر , الحرية عنده (( حبيبة )) تتماهى مع الذات , اما في الشعر العربي - السياب , الجواهري , أدونيس - ارتبط مفهوم الحرية غالباً بالثورة والتحرر من المستعمر أو الظلم , كانت الحرية (( هدفاً )) خارج الذات نسعى للوصول إليه , لذا اتسمت بالنبرة الخطابية والتحريضية أحياناً , هي (( فجر )) ننتظره , بينما عند إيلوار هي (( الهواء )) الذي نستنشقه الآن ونحن نقاوم.

يقول إيلوار إن الحرية تبدأ بقرارك أن (( تكتب اسمها )) على كل ما تملكه , حتى لو كان (( رماداً )) , ونحن قد نتحاشاها لأن ((الكتابة على الرماد )) تتطلب شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الطغيان , فهل يمكننا أن نستعيد (( بساطة )) إيلوار في أدبنا المعاصر التي قد تساهم في تقريب مفهوم الحرية من العقل الجمعي , بعيداً عن التعقيد أو الخوف؟

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .