أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.















المزيد.....

مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 10:49
المحور: الادب والفن
    


كثيرون هم الذين وضعوا اياديهم على جروح مجتمعاتهم , ولكن قلة هم الذين تجرؤا وجاهروا بما لامسته الأيادي , وقد قرأت حوارا ممتعا نشره صاحبنا حول قضايا الفكر والإبداع , تضمن قول الجواهري في الذكرى الالفية لابي العلاء المعري بدمشق عام ١٩٤٤ : (( لثورة الفكر تاريخ يحدثنا بان ألف مسيح دونها صلبا )) , فقام الدكتور طه حسين وصرخ بأعلى صوته انني اسمع شعرا وعقب قائلا : (( بأن الف إلف مسيح دونها صلبا )) , ومن تلك اللحظة لقب الجواهري (( شاعر العرب الاكبر)) , وذلك واحد من ألمع المشاهد في تاريخ الأدب العربي الحديث , ولم يزد عميد الأدب العربي (( ألفاً )) على البيت لتصحيح عروضه , بل ضاعف (( القرابين )) على مذبح الفكر, وكأنه يخبرنا أن الثمن ليس باهظاً فحسب , بل هو فوق طاقة الاحتمال , وهذا اللقاء لم يكن مجرد صدفة أدبية , بل كان (( انفجاراً )) عبقرياً التقت فيه قمة الشعر بقمة النقد والفلسفة , والاثنان طه حسين والجواهري اقرا حقيقة مستمرة الى يوم القيامة , ومفادها ان المفكرين هم اول من يدفعون ضريبة الابداع الفكري , وقد تكلفهم حياتهم وخاصة في الدول النائمة او النامية .

كما انني أستذكرت نص قول معاوية بن أبي سفيان: (( إن معروف زماننا هذا كان منكر زمان قد مضى , ومنكر زماننا هذا سيكون معروف زمان سيأتي , وإذا كان ذلك كذلك فالرتق خير من الفتق )) ,وفي اعتقادي ان هذا الاستذكار مهم , فهو يربط بين فلسفة التاريخ عند معاوية بن أبي سفيان , وبين مأساة المفكر التي طرحها صاحبنا في مانشره عن الجواهري وطه حسين , اذ ان قول معاوية يلمس جوهر (( نسبية القيم)) وصراع الأجيال مع الحقيقة , وتلك هي نبوءة - المنكر الذي سيصبح معروفاً - حيث ان هذا الجزء من القول ينطبق تماماً على ضريبة الإبداع , فالمبدع أو الثائر فكرياً يطرح (( منكراً )) - بمقاييس عصره النائم - وهو يعلم أن الزمان الآتي سيتبنى هذا المنكر كحقائق بديهية.

عندما صرخ طه حسين (( إنني أسمع شعراً )) , لم يكن يمدح الوزن والقافية فحسب , بل كان يحيي الخيال الجامح الجريء, الجواهري هنا لم يقل إن الفكر مكلف , بل وضع (( ألف مسيح )) في كفة ميزان , و(( ثورة الفكر )) في الكفة الأخرى , ورجحت كفة الفكر ,والتعديل الذكي في ملاحظة طه حسين بزيادة (( ألف )) - بأن ألفَ ألفِ مسيح - لم تكن لتصحيح الوزن , بل لتعظيم المأساة وتأكيد أن ضريبة الفكر تفوق التصور , فالمفكر لا يُصلب مرة واحدة , بل يُصلب في كل عصر , وحين يقول معاوية: (( معروف زماننا منكر زمان قبله )) , فهو يشخص حالة التطور القيمي , الفكرة التي نعتبرها اليوم (( كفراً )) أو (( خروجاً عن المألوف )) - المنكر - قد تصبح في المستقبل هي (( القاعدة )) و(( المعروف )) .

الحقيقة المُرّة , أن المفكر هو (( الفدائي الأول )) في المجتمعات التي تخشى التغيير , يُنظر إلى الفكرة الجديدة كأنها (( هرطقة )) أو تهديد للاستقرار , والسلطة - سياسية كانت أو اجتماعية - تخشى من يحرر العقول , لأن العقل الحر لا يُقاد بالقطيع , والمفارقة ان الشعوب التي تقتل مفكريها أو تنفيهم , هي نفسها التي تبكي عليهم بعد قرون وتبني لهم التماثيل - كما فعلوا مع المعري الذي كان الجواهري وطه حسين يحتفلان به - كما ان طه حسين نفسه حورب بشدة في كتابه (( في الشعر الجاهلي )) واعتُبر ما أتى به (( منكراً )) لكنه بمرور الزمن أصبح ((عميد الأدب العربي )) , وصار منهجه مدرسة تُدرس , فالمفكر يرى (( معروف )) المستقبل , بينما لا يزال المجتمع غارقاً في (( معروف )) الماضي , والمأساة تكمن في أن المجتمع لا يسامح من يسبق عصره , لذا يُصلب (( ألف مسيح )) لأنهم أتوا بـ (( منكر )) التغيير قبل أوانه.

ان معضلة (( الرتق خير من الفتق )) , توصلنا إلى النقطة الجدلية في قول معاوية , هو يميل إلى المحافظة السياسية , أي أن إصلاح الموجود (( الرتق )) أسلم من تمزيق النسيج الاجتماعي بالكامل (( الفتق )) , في المقابل , ثورة الفكر التي مجّدها الجواهري هي بالضرورة (( فتق )) للمفاهيم البالية , والمفكر الحقيقي يرى أن (( الرتق )) أحياناً يكون مجرد تغطية على الفساد أو الجهل , بينما (( الفتق )) - الثورة الفكرية - هو السبيل الوحيد لإعادة صياغة الوعي , حتى لو كان الثمن باهظا , والخلاصة ان المفكرين هم الجسر الذي يعبر عليه المجتمع من (( منكر )) الجهل إلى (( معروف )) الوعي , لكنهم يدفعون حياتهم ثمناً لهذا العبور , وكأن لسان حال الجواهري يقول إن (( فتق )) الأفكار الجامدة هو الذي يصنع التاريخ , بينما (( رتق )) الواقع النائم هو الذي يطيل أمد الغفلة.

لم يكن معاوية بن أبي سفيان مجرد حاكم , بل كان (( مهندس السياسة )) الذي صاغ فلسفة البقاء والتحول بأدوات الدهاء الأموي الشهير , هو الرجل الذي عرف متى يشد الشعرة ومتى يرخيها , وكلامه هذا ليس مجرد ملاحظة تاريخية , بل هو (( قانون اجتماعي )) يفسر الصدام الذي عاشه الجواهري وطه حسين , ويتجلى ذكاء معاوية - دهائه - في أنه لم ينظر للأمور بجمود (( الفقيه )) أو (( المثالي )) , بل بنظرية الواقعي الحذر, وهو اعتراف بصير بـ (( تغير الزمن)) , ودهاء (( الاستباق)) , فهو يحلل حركة التاريخ ليرسم استراتيجية الحكم , وهو لا يريد الصدام مع المستقبل , بل يريد احتواءه , بفلسفة (( الرتق والفتق )), وهنا تكمن ذروة الدهاء , فهو يرى أن التغيير الجذري - الفتق - قد يمزق نسيج الأمة , لذا يفضل - الرتق - والإصلاح التدريجي أو التوفيق بين المتناقضات , لضمان استقرار الدولة.

اعتقد ان ماتقدم قد فتح نافذة على (( أصالة )) الفكر في زمنٍ يغلب عليه (( الرتق )) الهش , ويحمل في طياته مرارة الواقع وجسارة الكلمة , وقد أعاد لـ (( معاوية )) دهائه , ولـ (( الجواهري )) صرخته , ولـ (( طه حسين )) بصيرته وبما يختزل صراع العقل العربي عبر العصور , وان هذا التضاد بين (( دهاء السياسي )) الذي يريد الاستقرار , و(( جسارة المفكر )) الذي يريد التغيير , هو المحرك الفعلي للتاريخ العربي , فحين قال الجواهري (( بأن ألف مسيح دونها صلبا )) , كان يتحدث عن الذين اختاروا - الفتق - أي الذين صدموا المجتمع بحقائق لم يتحملها (( الزمان النائم )) , فكان الصلب هو الثمن , والجواهري وطه حسين يريان أن - الفتق - ضرورة لاكتشاف الحقيقة وتطهير العقل , بينما السياسي الداهية - معاوية - يرى أن الحفاظ على - الرتق - هو الحكمة لإبقاء البناء قائما , إن مأساة المفكر في (( الدول النائمة )) كما وصفها صاحبنا , تكمن في أن المجتمع والسلطة يتمسكون بـ - الرتق - حتى لو كان مهلهلاً وبالياً , ويحاربون كل من يحاول - الفتق- بحثاً عن ضوء جديد , معتبرين إياه - منكراً - كما تنبأ معاوية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...
- مقامةعتب مشفر لذيب حزن الليل : قراءة في سيميائية الخيبة عند ...
- مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء.
- مقامة الترائب .
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .


المزيد.....




- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...
- 29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
- في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح ...
- بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح ...
- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.