أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .














المزيد.....

قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 09:19
المحور: الادب والفن
    


في طيات ذاكرة الجيل الذي أوشك على الرحيل ومضات لأغان عاطفية كانت قد ظهرت فترة الستينات , وأستقرت في الوجدان , وحملت روح وكواليس (( الزمن الجميل )) , واحتوت لواعجها على دراما كامنة وصورة مسموعة لصدى السنين ليظل السؤال : (( لماذا لا تزال النافذة مفتوحة على تلك الألحان المرسومة بالكلمات ؟ )) لم تكن الغيرة الفنية صراعاً على الأضواء بقدر ما كانت (( شرارة )) تولد تحفاً خالدة , ومن بين تلك الحكايات , تبرز قصة أغنية (( ساكن قصادي وبحبه )) التي لم تكن وليدة الصدفة , بل كانت طموحاً من القيثارة نجاة الصغيرة لكسر قوالب الرومانسية المعتادة وخوض مغامرة (( الدراما الاجتماعية الجديدة )) .

كانت شادية قدغنت وقتها (( مين قالك تسكن في حارتنا )) الاغنية التي كسرت الدنيا , وقتها كانت نجاة تغني اغاني رومانسية وبعيدة تماما عن الاغاني الشعبية , لكنها شعرت بغيرة فنية بسبب نجاح اغنية شادية التي حملت الاغنية (( الحدوتة ))الدرامية الخفيفة , والقصة اللي لها بداية ووسط ونهاية , فاتصلت بحسين السيد مؤلف الاغنية وقالت له : ((عايزة حاجة زي غنوة شادية )) , استغرب طلبها وبالاخص انه لم يكن لونها , لكن نجاة اصرت على الطلب , وقالت انها تريد اغنية الناس (( تشوفها وهي بتسمعها )) , لم ترد نجاة التقليد , بل أرادت (( الحالة )) , واختفى المؤلف لأسبوع كامل ليرسم بالكلمات ملامح تلك الجارة الخجولة التي تراقب حبيبها من خلف (( الستارة )) , وقال عبد الوهاب جملته الشهيرة التي تؤكد توحد الفنان مع لونه : (( الأغنية دي لنجاة , مرسومة عليها رسم )) , وهكذا غنت نجاة عام 1963(( ساكن قصادي وبحبه )), ونجحت في مطاردة (( حدوتة )) شادية .

كانت أغنية شادية (( مين قالك تسكن في حارتنا )) حالة اجتماعية , بكلماتها التي تحكي قصة حية وتفاصيل يومية بسيطة , جعلت صوت شادية يملأ الآفاق , بسبب (( حركية )) البهجة في الأغنية المتسقة مع روح شادية (( الدلوعة )) والشقية , وحيث اعتمد منير مراد اللحن على الإيقاع الراقص والسريع , والمقاطع الموسيقية القصيرة التي تشبه (( القفشات )) الضاحكة , وكان اللحن يعكس ضجيج الحارة المصرية وحيويتها , فجاءت الأغنية وكأنها مشهد استعراضي في فيلم سينمائي ملون , تتقافز فيه نبرات شادية بخفة لا تضاهى , وتلك كانت فتنة (( حارتنا )) والغيرة الفنية التي جرتها .

يعتبر عام 1963 ميلاد السينما المسموعة , بعد ان خرجت "ساكن قصادي" للنور, لتثبت أن نجاة لم تكن تغني فقط , بل كانت (( تمثّل )) بصوتها قصة حب صامتة , جعلت المستمعين يتخيلون الشارع , والبيت , والسيارة , وحتى نظرات العيون , محققةً بذلك نبوءتها بأن يرى الناس الأغنية بآذانهم قبل عيونهم , فقد تعامل محمد عبد الوهاب مع النص بمنطق (( المونولوج الدرامي )) , فهو لم يلجأ للإيقاع الصاخب , بل غزل لحناً هادئاً يعتمد على التدرج الشعوري , يبدأ بمقدمة موسيقية توحي بالترقب والوحدة , ثم استخدم (( التطريب )) الهادئ ليعكس حياء البطلة التي تراقب من وراء الستار , وجعل اللحن يتحرك بنعومة بين (( الراست )) و(( النهاوند )) , ليصور التوتر العاطفي الداخلي لنجاة , فحول (( الحدوتة )) من قصة اجتماعية خفيفة إلى قصيدة وجدانية عميقة.

لم تكن (( ساكن قصادي )) أو (( مين قالك تسكن في حارتنا )) مجرد أغانٍ عابرة في تاريخ الستينيات , بل كان لها ذلك الأثر الوجداني بحيث تحولتا إلى (( أيقونات )) حية تسكن وجدان المستمع العربي حتى يومنا هذا , والسر يكمن في تلك (( الأنسنة )) المدهشة للمشاعر , فكل منا وجد نفسه يوماً في حكاية شادية ببهجتها ومشاكساتها , أو اختبأ خلف (( ستارة )) نجاة بصمتها وترقبها , وبينما جعلتنا شادية نبتسم ونحن نسمع حكاية الحارة , جعلتنا نجاة (( نتلصص )) معها بقلوبنا من خلف النافذة , لقد نجح منير مراد في تجسيد (( خارج )) الحكاية وحركتها , بينما برع عبد الوهاب في سبر (( غور )) النفس البشرية وصمت المحبين , وهكذا , بفضل (( الغيرة الفنية )) الراقية , كسبت المكتبة العربية تحفتين , إحداهما ترقص لها القلوب , والأخرى تتنهد معها الأرواح .

لقد نجح هذا الثنائي الفني في تحويل (( الحي المصري )) بتفاصيله البسيطة إلى مسرح عالمي للمشاعر الإنسانية , لدرجة أن الأجيال المتعاقبة لا تزال تستحضر هذه الأغاني في كل قصة حب تبدأ بنظرة من خلف نافذة , أو بلقاء صدفة في (( حارة )) العمر , إنها القوة السحرية للفن الصادق الذي لا يشيخ , حيث تظل الموسيقى قادرة على جعلنا (( نرى )) الصور ونعيش الحكايات , وكأن نجاة وشادية لا تزالان تغنيان لنا الآن , خلف كل نافذة وفي قلب كل حي , سينما الآذان : حين طاردت (( عزلة )) نجاة بهجة (( حارة )) شادية ,وهو ما يعزز فكرة (( الزمن الجميل )) , أن (( الغيرة الفنية )) بين العمالقة قديماً , كانت تبني صروحاً , بينما (( المنافسة )) اليوم غالباً ما تهدم ذوقاً .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.


المزيد.....




- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- أحمد قعبور: رحيل الفنان اللبناني وصوت -أُناديكم-
- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صاحب أغنية -أناديكم- عن 71 ع ...
- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .