أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .















المزيد.....

مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 09:53
المحور: الادب والفن
    


أثناء العمل بوزارة الخارجية , والمشاركة في عمل المنظمات والمؤتمرات الدولية , كانت هناك لجان تسمى (( لجنة الصياغة Drafting Committee - Wording Committee )) , تتولى اختيار الكلمات المناسبة التي توافق عليها الدول الأعضاء أو المشاركة والتي تمتاز بالرقي في التعبير الأدبي عن الموضوعات المطروحة على المؤتمرين , مهمتها استبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف , تحاشياً لقيام نزاع أو خلاف سببه سوء فهم أو حتى سوء لفظ , وقد تعلمنا من الموظفين المحترفين البيروقراطيين الملتزمين بأصول الوظيفة وأحكامها , والأكثر درايةً بواجباتها , خصوصا ان أي سياسي أو دبلوماسي منهم كان بإمكانه العثور على عبارة أقل حدة في مخاطبة أصدقائه , وكما يقال في الأرياف (( الحياة كلمتان : واحدة تحنِّن , واحدة تجنِّن )) , وتعلمنا منهم ان استخدام اللغة في المحافل الدولية ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار, بل هي (( هندسة )) معمارية , وأي خلل في هذه الهندسة قد يهدد استقرار البناء كله.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل العمل السياسي من (( خارج الملاك )) , لم يشغل في حياته منصباً إدارياً أو حكومياً , ومثل كثيرين من رجال الأعمال , حمله النجاح الاقتصادي إلى النجاح السياسي , بل إلى الرئاسة نفسها , جاء إلى السياسة ومعه أسلوبه , وهو يميل إلى الغضب والانفعال بالإضافة إلى حيوية تاريخية , ولم يوفر ترمب أحداً من غضبه , خصوصاً الرؤساء بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن , وشملت نوبات الغضب هيلاري كلينتون وزعماء أوروبا والحلف الأطلسي , وبلغ الخروج على الدبلوماسية ذروته عندما وصف حلفاء أميركا بالجبناء , ان أي سياسي أو دبلوماسي من أهل الحرفة كان بإمكانه العثور على عبارة أقل حدة في مخاطبة أصدقائه , ترمب الذي طلعَ علينا من عالمِ الصفقات , رجلٌ لا يؤمنُ بالمنمنمات , لم يتدرج في سُلّم الإدارة , بل قفزَ من عمارةٍ إلى صدارة , دخلَ السياسةَ بلسانِ التُّجار , لا بلسانِ الأحبار , فبينما يهمسُ الدبلوماسيُّ بعبارة (( تنقصهم الشجاعة )) مراعاةً للصداقة , يصرخُ هو بكلمة (( جبناء )) ليقطعَ كلَّ طاقة , لقد كسرَ الحواجزَ والحدود , وتركَ العالمَ في ترقُّبٍ وجمود , يخشونَ صرخةً منه (( تُجنِّن )) , ويبحثونَ في قاموسه عما (( يُحنِّن )) , بينما على الطرفِ الآخر , ترى زعيماً صينياً كأنه البحرُ في هدوئه , أو روسياً يبتسمُ من خلفِ أسوارِ حذره , كلاهما يراقبُ الظاهرةَ الفريدة , في ديمقراطيةٍ باتت غريبةً وشريدة , فوا عجباً لزمنٍ صار فيه ميزانُ الدول , معلقاً على كلمةٍ تخرجُ من غيرِ تمهُّل .

التحليل السياسي واللغوي لهذا الموضوع يضعنا أمام مواجهة بين عالمين: عالم (( الأصول )) البيروقراطية وعالم (( الصدمة )) الشعبوية , إن ما يفعله دونالد ترمب ليس مجرد خشونة في اللفظ , بل هو (( هدم للمعماريّة اللغوية )) التي بنيت عليها العلاقات الدولية منذ معاهدة وستفاليا , والصدام هنا ليس شخصياً فقط , بل هو صدام منهجي ,فالمحترف يرى اللغة أداة لأمتصاص الصدمات , في (( لجان الصياغة )) الكلمة ليست تعبيراً عن شعور , بل هي (( قفل ومفتاح )) قانوني , وعندما يقول الدبلوماسي (( نحن قلقون )) , فهو لا يعبر عن حزن , بل يرسل إشارة تحذير مشفرة , اما القادم من الخارج مثل ترمب , يرى أن لغة (( أهل الحرفة )) هي نوع من الخداع أو الضعف , بالنسبة لتاجر العقارات , (( الوضوح )) هو أقصر طريق للنتيجة , هو يستبدل دبلوماسية الغرف المغلقة بـ دبلوماسية الحشود.

هندسة اللفظ تستبدل عبارة (( الجبناء )) وتخففها ب (( نقص الشجاعة )) , وهنا الفرق بين التعبيرين ليس في المعنى , بل في المساحة المتروكة للصلح ,لأن - تنقصهم الشجاعة - تصف حالة مؤقتة أو ظرفية , وتترك للطرف الآخر مخرجاً لـ (( استكمال )) شجاعته , وهي عبارة (( تحنّن )) لأنها تحفظ ماء الوجه , اما كلمة (( جبناء )) فهي وصمة أخلاقية ثابتة , وهي عبارة (( تجنّن )) لأنها تغلق باب الحوار وتحوله إلى صراع كرامة , وترمب يستخدم اللغة كـ سلاح هدم , لا كإزميل نحت.

يفرق التراث العربي بين (( الأديب الوزيرالبيروقراطي المحترف )) وبين (( صاحب السيفالمندفع )) , وفي كتاب (( الوزراء والكتاب )) للجهشياري , يذكر كيف كان الكُتّاب - الدبلوماسيون القدامى - يُهذبون رسائل القادة المندفعين , ويُحكى أن قائداً أراد إرسال رسالة تهديد خشنة لعدوه , فقام الكاتب بتهذيبها لدرجة أن القائد قال: لقد جعلتَ ضعفي قوة , وحولتَ غضبي إلى وقار , ويصف الجاحظ في (( البيان والتبيين )) أثر الكلمة الدبلوماسية بقوله: رُبّ حربٍ جناها لفظ , ورُبّ سلمٍ حققه منطق , وهذا يؤكد أن عالم (( الأصول )) هو الذي يحفظ معمارية السلام , وكانت العرب قديماً تمارس دور (( لجنة الصياغة )) بالفطرة لتجنب الحروب , وهو ما يسمى بـ (( التلطف في العبارة )) , فعندما أراد خالد بن صفوان - أحد بلغاء العرب - أن ينتقد كثرة الخدم في مجلس الخليفة المنصور دون أن يغضبه أو يبدو فجاً , لم يقل (( مجلسك مزدحم ومزعج )) , بل قال: (( يا أمير المؤمنين , إنما يشرف المجلس بالخلوة , وتزين الهيبة بالقلة )) , فاستبدل لفظاً خشناً بلفظٍ يمدح فيه هيبة الملك , فوصلت الرسالة ونفذ الخليفة مراده فوراً.

لو رسمنا لوحة للمقارنة بين دبلوماسية زعماء الصين وروسيا وأميركا , لظهر التباين بين - الصمت , الابتسامة , والضجيج - وسوف نحللها كالتالي : بكين تتسم بالهدوء الفائق, نجد لغة صينية كلاسيكية , تعتمد على (( النَفَس الطويل )) والغموض الاستراتيجي , الكلمات عندهم تُقاس بالقرون لا بالأيام , وموسكو تظهرالسرور الخفي , ولغة (( الكرملين )) هي لغة المخابرات القديمة , القول شيء والفعل شيء آخر , مع استمتاع بخلط الأوراق ومراقبة ارتباك الخصوم , اما واشنطن - نسخة ترمب - فهي لغة الاندفاع و(( تلفزيون الواقع )) حيث القوة تكمن في المفاجأة والقدرة على كسر (( التابوهات )) اللفظية.

يخشى العالم أزمة فقدان المعايير , و(( ماذا سيقول ترمب وكيف سيقول )) لأنه جعل الكلمة فعلاً مادياً, ففي السابق , كانت الأساطيل تتحرك بعد فشل الكلمات , مع ترمب الكلمة - أو التغريدة - هي الأسطول نفسه , لقد نقل (( سوق العقارات )) الصاخب إلى (( قاعات المؤتمرات )) الهادئة , فأصبح الجميع مضطراً لتعلم لغته بدلاً من إجباره على تعلم لغتهم , وعندما تسقط لجان الصياغة , تسقط معها الضمانات التي تمنع الحروب , فالدبلوماسية في النهاية هي (( فن تأجيل المواجهة عبر تجميل اللغة )) .

في الأمثال العربية, يقولون: (( مقتل الرجل بين فكيه )) , هذا المثل يلخص كيف أن خروج (( رجل الأعمال )) أو (( القائد غير المحترف )) عن بروتوكول الكلام قد يؤدي إلى كوارث دولية , وما بين الحلم والتهور يقول الأحنف بن قيس (( سيد الحلم )) ما نازعني أحد إلا أخذتُ في أحد ثلاث : إن كان فوقي عرفتُ له قدره , وإن كان دوني أكرمتُ نفسي عنه , وإن كان مثلي تفضلتُ عليه", ان لغة ترمب (( الشعبوية )) تلغي هذه المراتب الثلاث , فهي تخاطب الندّ - الحليف - بلسان الإهانة , وهو ما سماه التراث (( السلاطة )) , وهي اللسان الذي لا يحكمه عقل إداري , وإن خطورة )) دبلوماسية الحشود )) أنها تبني جدرانًا بدلاً من الجسور, فإذا كانت (( لجان الصياغة )) هي صمامات الأمان , فإن غيابها يجعل العالم غرفة ضيقة مليئة بالبارود , تنتظر عود ثقاب يخرج من لسانٍ لا يعرف لغة (( التحنين )) .

فيا للهِ من زمانٍ عُطّلت فيه (( لجانُ التهذيب )) , واعتُليت فيه منصاتُ التكذيب , فبينا كان الدبلوماسيُّ يغزلُ من الشوكِ حريراً , ويجعلُ من العسيرِ يسيراً , صار القادمُ من (( خارج الملاك )) يرمي بالكلمةِ كأنها جمرة , لا يبالي أأحرقت خيمةً أم دمرة , يقولُ المحترفُ : (( نحنُ نتحفظ )) , فيردُّ المندفعُ : (( أنا أتلفظ )) , يقولُ البيروقراطيُّ : (( نحتاجُ وقتاً للتفكير )) فيصيحُ التاجرُ: (( هذا تضييعٌ للتدبير )) , هي حربُ الألفاظِ يا سادة , حيثُ غلبت (( الفجاجةُ )) (( السيادة )) , وحيثُ صار الصمتُ الروسيُّ مكراً , والهدوءُ الصينيُّ صبراً , والضجيجُ الأمريكيُّ قدراً .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .


المزيد.....




- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...
- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .