أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .















المزيد.....

مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 09:51
المحور: الادب والفن
    


في سبعينات القرن الماضي , وعندما كنا طلابا في الجامعة , انتشر نصا بدا حينها غريبا , لمحمد الجزائري وهو ناقد وأديب انتمى لجيل مايسمى ب (( الرؤيا )) , و لغته مشحونة بالرموز والتمرد , يقول : (( في زمن الأستنتاجات يظل النوريون يصلون بأباحية صلاة الجسد العاري وهو يحرق بخوره في أحواض السمك الشكسبيري اللاهث وبطقوس عدمية يتبادلون القبلات ويزرعون بقعا من السم على شفاه بعضهم )) , تداولت الصحافة التقدمية حينها النص الذي نشر في مجلة آفاق عربية ومجلة الثقافة , وعكس بوضوح المناخ الأدبي والثقافي الذي ساد في السبعينيات , وهي فترة شهدت انكسارات كبرى وتحولات أيديولوجية حادة في العراق والوطن العربي , وهو العصر الذهبي للحداثة والتجريب في الأدب العراقي والعربي .

في سياق السبعينيات , لم يكن النص مجرد (( صف كلمات )) , بل كان يحمل رسائل مبطنة , وصدمة للوعي , صدم القارئ بخروج عن المألوف اللغوي والأخلاقي لتحفيزه على التفكير في حالة (( الركود )) التي يعيشها المجتمع , ونقد المثقف وكأنه جلد للذات الثقافية , فالمثقفون - النوريون - غارقون في طقوسهم الخاصة وعلاقاتهم المليئة بالـ (( سم )) والعدمية , بدلاً من إيجاد حلول حقيقية للواقع , وتجسيد ل(( الاغتراب الوجودي )) الذي عاشه المثقف العربي آنذاك , حيث يشعر بأنه (( سمكة لاهثة )) في حوض ضيق رغم اتساع رؤيته الثقافية , وتعبير عن التمرد الفني وبمثابة إعلان القطيعة مع الأدب الكلاسيكي التقريري , والذهاب نحو لغة (( سريالية )) تعبر عن القلق الداخلي بصدق , حتى لو كان هذا الصدق جارحاً أو (( مسموماً )) , وهو نص ينتمي إلى (( قصيدة النثر )) أو (( النثر المركز )) الذي شاع حينها , حيث تصبح الكلمة طلقة مشحونة بالدلالات السياسية والوجودية , وهو لوحة سريالية تلخص (( مأساة العقل )) عندما يصطدم بجدران الواقع الضيقة , إنه نص عن الحب القاتل , والحرية المختنقة , والمثقف الذي يصلي في محراب العدم.

يوحي الجزائري في عبارة (( زمن الاستنتاجات )) وهي مفتاح نصه الى فترة يسودها الجدل الفكري , والصراعات الأيديولوجية , والبحث عن نتائج أو (( يقين )) في عالم مضطرب , وأن تلك المرحلة كانت مليئة بالمنظرين والمثقفين الذين يقدمون - استنتاجات - وحلولاً جاهزة للواقع , لكنها تظل حبيسة الورق أو المقاهي , و (( النوريون )) مصطلح مراوغ , قد يشير هنا إلى فئة المثقفين الذين يتبنون فكراً مغايراً, وقد يحمل سخرية من - المتنورين - الذين يدّعون امتلاك الحقيقة - النور - لكنهم في الحقيقة يمارسون طقوساً - عدمية - بما يعكس حالة اليأس او العبث , لكنه يربطهم بـ (( إباحية صلاة الجسد العاري )) , هنا يكسر الجزائري قدسية - الصلاة - بربطها بالجسد , وهو تعبير عن التحرر من القيود التقليدية والمواجهة الصريحة مع الغريزة والوجود , وهو نقد لاذع لطبقة المثقفين التي انفصلت عن قضايا الجماهير وغرقت في ذاتيتها , و تبادل القبلات التي تزرع - بقعاً من السم - هو تصوير بليغ للعلاقات الإنسانية المسمومة أو الحب الذي يؤدي إلى الهلاك في ظل واقع سياسي واجتماعي منهار.

(( أحواض السمك الشكسبيري اللاهث )) هو أجمل تصوير في النص, واستعارة مدهشة تجمع بين ضيق - الأحواض - وعظمة المأساة - الشكسبيرية - حيث يرمز السمك اللاهث للاختناق والبحث عن الحرية , بينما تضفي صفة - الشكسبيري - طابعاً درامياً وجودياً على هذا الحصار , ف (( الحوض )) هو المكان المحاصر , الضيق , المراقب من الخارج , ربطه بـ (( شكسبير )) - رمز المأساة والقدر المحتوم - يعطي انطباعاً بأن هؤلاء المثقفين يعيشون مأساة داخل (( زجاجة )) , و(( اللهاث )) السمك لا يلهث إلا إذا خرج من الماء أو نقص الأكسجين , وهذا يعكس حالة الاختناق السياسي والاجتماعي التي كانت سائدة , إنهم يتحركون بعنف - بإباحية - لكن حركتهم - موضعية - داخل الحوض , لا تؤدي إلى تغيير.

يمزج النص بين (( الشهوة )) و(( الدمار )) بشكل صادم , في عبارة (( صلاة الجسد العاري )), الصلاة فعل روحي , والجسد فعل مادي , والجمع بينهما يشير إلى (( صوفية دنيوية )) أو محاولة لإيجاد خلاص من خلال الجسد بعد خيبة الأمل في الأيديولوجيات , وعبارة (( بقعاً من السم على شفاه بعضهم )) , القبلة في العرف الإنساني رمز للمحبة , لكنها هنا وسيلة لنقل (( السم )) هذا تعبير عن (( العلاقات الملغومة )) داخل الوسط الثقافي آنذاك , حيث يسود التآمر , الغيرة , أو ربما (( العدوى )) باليأس والعدمية , كل مثقف ينقل (( سمه )) الخاص للآخر تحت مسمى الحب أو الرفقة.

خلاصة القول: النص هو مرثية لجيل يمتلك وعياً كبيراً شكسبيرياً , لكنه محاصر في واقع ضيق - أحواض - مما حول طاقته الإبداعية إلى طاقة تدمير ذاتي - سم على الشفاه - و محمد الجزائري بصفته ناقداً ومحركاً ثقافياً , أراد من هذا النص أن يكون (( مرآة قبيحة )) للمثقفين , وتحذير من الغرق في الذاتية, و الرسالة هي أن الانغماس في (( لذات الجسد )) و(( الطقوس العدمية )) لن يكسر زجاج (( الأحواض )) التي تضعنا فيها السلطة أو الظروف , وكشف الزيف حين يعري (( النوريين )) ويظهرهم ككائنات لاهثة , مخنوقة , تمارس طقوساً لا جدوى منها بينما (( البخور )) يحرق في أحواض الماء وهو تناقض بصري يرمز للعبث , واستخدام لغة (( إباحية )) و (( صلاة الجسد )) كان نوعاً من التمرد على اللغة الخشبية السائدة في الإعلام الرسمي آنذاك , لإثبات أن الأدب لا يزال يمتلك مخالبه.

كان نص الجزائري مفاجئا لنا , ونحن الذين تعودنا على النصوص الثورية لفاضل العزاوي , مؤيد الراوي , أو سامي مهدي , الذين كانوا يعتقدون أن الكلمة قادرة على تغيير العالم , وأتسمت نصوصهم بالتمرد على الأشكال التقليدية جملة وتفصيلاً , وكانت (( البيانات الأدبية )) هي المحرك , مقارنة بنصوص محمد الجزائري - كممثل لروح السبعينيات - وهي مقارنة بين (( الزلزال )) و(( الارتدادات )) أو بين (( الصرخة )) و(( الصدى الفلسفي , ورسمت ملامح التحول في الأدب العراقي , وينتقل من التمرد (( لتغيير العالم )) إلى التمرد (( للتعبير عن الاختناق )) في نص الجزائري , فلا يوجد أمل في التغيير , بل هناك (( أحواض سمك)) و(( طقوس عدمية )) فالستينيون كانوا يكسرون الأبواب , بينما السبعينيون - كما في هذا النص - يصفون جدران السجن من الداخل , وجعلوا اللغة أكثر تعقيداً لأن الواقع أصبح أكثر تشابكاً وقمعاً , وفي حين كان المثقف الستيني مشحوناً بالأمل القومي أو اليساري , حتى وهو يتمرد عليه , كان هناك (( إيمان )) ما يحركه , وفي السبعينيات تحول (( المناضل الستيني )) إلى - نوريٍّ - يمارس طقوساً جسدية كبديل عن الصلاة في محراب السياسة التي خذلته , وفي الستينيات, كانت الصور مستمدة من الشارع , المظاهرة , السجن , والحرية المطلقة , وفي نص الجزائري الصورة (( مغلقة )) وهذا الانتقال من الفضاء المفتوح - الستينيات - إلى الفضاء المخنوق - السبعينيات - هو الفرق الجوهري بين الجيلين , وباختصار , إذا كانت الستينيات هي (( حريق الغابة )) , فإن نص محمد الجزائري يمثل (( الرماد )) الذي يحاول أن يتأمل احتراقه بمرارة وفلسفة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .