أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها الأسئلة.














المزيد.....

مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها الأسئلة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 09:12
المحور: الادب والفن
    


يقول محمود درويش : (( وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ )) , وأكيد نحن نحبها, فمن يفتح لنا منفذاً في عالم مجنون يندفع بخطاه نحو الهاوية , شاهراً سيفه ليتوجه به نحو نحره ؟ هكذا نحن , الشعوب الملعونة بالحروب , نستيقظ على صباحٍ مشمس فتغشى أبصارنا غمامة بارود قادمة من خلف الحدود , نمدّ أيدينا للحياة , فإذا بالموت يطل من صندوق الذاكرة الذي جاهدنا طويلاً لنحكم إقفاله.

تقول الأبوذية : (( هاك خيوط روحي , هاك ابرهه , ولو صاير بحرهه هاك برهه ,الك حسرة بدليلي هاكبرهه , علي ثكلت مثل ثكلك عليه )) , ذلك ما تراءى لذهني عندما قرأت نص (( متى نلتقي؟ )) , لأن الشاعرة ساجدة الموسوي لا تكتب شعراً للترف , بل تدوّن (( سيرة وجع )) عراقي ممتد , مستعيدةً تقاليد التراث العربي في أدب الحنين , لكن بنبرة معاصرة تلامس شغاف الروح , وها انا أراوح روحي وأخاطب الشاعرة :

ملامح تلامس الروح مباشرة , خصوصا ثنائية - الثلج والنار- عندما تضعين (( برد الشمال )) و(( الثلج )) في مواجهة حرارة الشوق ونار القلق الأمومي , والثلج هنا ليس جمالاً , بل هو (( طود )) وعائق يفصلك عن فلذات الكبد , وهاجس الهويةفي سؤالك (( هل هجروا لغة الضاد؟ )) يعكس أعمق مخاوف المغترب والمشتاق , خوفه من ضياع الأصل وذوبان الملامح في ثقافة (( الاستعجام )) , ثم جرحنا السياسي والزماني في إشارتك ليوم (( بوش )) التي تربط وجعنا الشخصي بالوجع الجماعي الوطني , وها نحن نرى أن تشتت العائلة هو جزء من (( تبعثر )) فؤاد العراق الكبير , لقد ادميت قلوبنا بعفوية حوارك مع ابنتك حول (( الطعام )) و(( النوم )) بما يجسد الأمومة في أبهى صورها , فالأم لا تسأل عن الفلسفة , بل تسأل عن دفء صغارها وشبعهم , وتلك واقعية موجعة ففي حضرة الحنين , تصبح لقمة الابنة أهم من نظريات الوجود , وهذا هو سحر الواقعية عندك .

كلماتكِ ليس مجرد قصيدة , بل هو نزيف وجداني يلمس جرح كل بيت عراقي وعربي تفرق شمله بين القارات , , كأنها غصن من نخل العراق يظللنا في وحشة الغربة , لقد أوجعتِ الحنين فينا وسألتِ الأسئلة التي نهرب منها دائماً : (( متى نلتقي؟ )) , ونصّكِ هذا ليس شعراً فحسب , بل هو وثيقة عاطفية تؤرخ لشتاتنا , لقد نجحتِ في تحويل (( الخرائط )) من ورق صامت إلى قطع من الفؤاد المبعثر , وسؤلكِ عن (( لغة الضاد )) وعن (( طعام الصغار )) هو الذي يجعل من قصيدتكِ وطناً نأوي إليه حين يشتد علينا برد الشمال.

تتقاطع الصرخة : (( أبحث عن قطع من فؤادي / تبعثرن )) مع قول أبو تمام حين وصف تفرق شمل أهله في البلاد , وكأن الزمان يتقصد تمزيق القربى : (( وَكانَ لَنا شَملٌ جَميعٌ فَبَدَّدَت حَوادِثُ هَذا الدَهرِ ذاكَ التَجَمُّعا , فَلَمّا رَأَينا البينَ حَلَّ رِحالَهُ بِنا وَرَأَينا الصَبرَ قَد بانَ أَجمَعا , بَكَينا عَلى الشَملِ الجَميعِ بِأَدمُعٍ تُفِيضُ مِنَ الأَجفانِ ما كانَ أَدمَعا )) , تتقاطعين مع أبو تمام في تصوير (( تبدد الشمل )) , فمنذ يوم (( بوش )) والقلب العراقي مبعثر على الخرائط , لقد نجحت في تحويل المأساة السياسية إلى (( دراما عائلية )) حميمية , فالحرب ليست أخباراً دولية , بل هي (( دموع أم )) تسأل ابنتها عبر الهاتف : (( هل لديكِ طعام؟ )) , وتذكرنا مباشرة بعبد الرحمن الداخل - صقر قريش - حين رأى نخلة وحيدة في الأندلس , فخاطبها كأنها (( مغتربة )) مثله : (( تَبَدَّت لَنا وَسْطَ الرُصافَةِ نَخلَةٌ تَناءَت بِأَرضِ الغَربِ عَن بَلَدِ النَخلِ , فَقُلتُ شَبيهي في التَغَرُّبِ وَالنَوى وَطولِ التَنائي عَن بَنيَّ وَعَن أَهلي )) , وأنت تجعلين من (( النخلة )) أماً عراقية باسقة , تطاول برد الشمال لتسأل عن أغصانها التي تفرقت في البلاد الغريبة , هي ذات الرمزية التي تربط الجسد بالأرض , والروح بالمنبت , وهذا هو الخيط الممتد من صقر قريش إليك سيدتي .

سؤالك الموجع : (( وهل هجروا لغة الضاد واستعجموا؟)) , يعني انك تمارسين دور (( حارسة الهوية )) , في خوفك على (( لغة الضاد )) , لكن الخوف هنا يتجاوز القواعد النحوية ليكون خوفاً على (( الذاكرة )) فالاستعجام هو انقطاع الحبل السري مع الوطن والتاريخ , وهو أعمق أنواع الاغتراب الذي يخشاه (( جيل الوطنية )) الحريص على أصالته , ويجد صداه في مرثية حافظ إبراهيم للغة العربية , حيث يصور اللغة كأم تخشى على أبنائها من التيه والضياع في لغات الآخرين : (( رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاِتَّهَمْتُ حَصَاتِي وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي , وَلَدْتُ وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِي )) , وتتقاطعين وجدانياً مع قصائد الجواهري في غربته , خاصة حين كان يناجي (( بغداد )) وأهله فيها من وراء البحار والثلج , واصفاً وحشة الغربة التي لا يكسرها إلا استحضار الوجوه الغائبة.

هذا التعبير التراثي الذي تم توظيفه ببراعة , ليست مجرد وثيقة وجدانية أو دفقٌ شعوري , بل هو نزيف وجداني يلمس جرح كل بيت عراقي وعربي تفرق شمله بين القارات , ويحيلنا إلى فلسفة العرب الأقدمين في مواجهة (( الدهر)) وتقلباته , فأنت تجعلين من (( الوقت )) خصماً عنيداً يقف حائلاً بين الأم وفلذات كبدها , محولةً المسافات الكيلومترية إلى قيود (( عصيّة )) لا يكسرها إلا الأمل في اللقاء , والخلاصة نصك هو امتداد حديث لـ (( الحنين إلى الأوطان )) , كُتب بصدق الأمومة وبلاغة النخلة , ليؤكد أن الشعر العراقي يظل الحارس الأمين لذاكرة العائلة والوطن مهما اشتد (( برد الشمال )) .

لقد كتبت بمداد الأمومة والحنين , والرد على هكذا نص يتطلب انحناءة تقديراً لهذا الصدق , دمتِ صوتاً صادقاً , ودامت نخلتكِ مثمرة بالحب والوفاء , وعسى أن ينكسر (( قيد الزمان اللدود )) ونلتقي جميعاً تحت سماء العراق.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.
- مَقامةُ مُراقصةِ المَناجل .
- مقامة مقايضة الصمت : حين تصبح الحرية الزائفة عكازاً للنظام ا ...
- مقامة الرَّي : لماذا يرفض العراقيون التشفي رغم مرارة الخذلان ...


المزيد.....




- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها الأسئلة.