أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .














المزيد.....

مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 09:48
المحور: الادب والفن
    


يفتتح الدكتور رشيد خيون المشهد بتسليط الضوء على أن (( المعرفيات الكبرى كانت مثار قلق الخلافة دائماً )) , ويتجسد هذا القلق في تلك الحادثة الشهيرة إبان الحرب العالمية الأولى , الإمبراطورية البريطانية تحرك قواتها بـ (( آلات العقل )) , بينما يجمع السلطان العثماني الفقهاء ليقرؤوا (( صحيح البخاري )) فوق المراكب الحربية ضماناً للنصر , فينبري له المفكر معروف الرصافي بكلمته الخالدة التي لخصت فجوة العصور: (( يا مولاي , المراكب المقاتلة تتحرك بـ البخار وليس بـ البخاري )) , كان جسر التنوير قد عم أوروبا في حين ترسخت (( البدعة )) عندنا , لم تكن معركة الرصافي مع )) صحيح البخاري )) ككتاب , بل مع (( العقل البخاري )) الذي استبدل التروس بالنصوص , وظن أن تلاوة المناقب تنوب عن إتقان التجارب , إن الفرق بين البخار والبخاري هو الفرق بين قوة الدفع وقوة الدعاء , فالأولى تحرك السفن وسط الأمواج , والثانية تسكن النفوس وسط الأهوال , لكن الخلط بينهما جعلنا نغرق في اليمّ ونحن نرتل آيات النجاة.

في الغرب, قبل عام 1440، كانت الجموع شبه عمياء , لكن المطبعة حررت العقل من سطوة الكنيسة , وامتطى مارتن لوثر هذه الهبة ليصل للفقراء , محطماً صكوك الغفران التي كانت تشتري جهلهم , انطلق التعليم والترجمة , ووُلد (( العقل الجديد )) , وفي الشرق حيث الدولة العثمانية وفي ذات اللحظة التي قفزت فيها أوروبا بقوة الفلسفة , تسيد (( الجهل المقدس )) جغرافيتنا , حُرّمت المطبعة باعتبارها (( بدعة )) ومؤامرة صليبية لتزوير المخطوطات , فاستمرأ الناس لذة التخلف وروعة الظلام , ونلك كانت سوسيولوجيا (( التقديس المعطل )) , حين حُرّمت المطبعة , لم يكن الخوف على نقاء الحرف , بل كان خوفاً من (( انفجار الوعي )) , فالجهل المقدس يحتاج دائماً إلى (( وسيط )) يحتكر الفهم , والمطبعة كانت تعني كسر هذا الاحتكار , لقد أرادوا للشعوب أن تبقى (( رعية )) تسمع بآذان وعاظها , لا (( أمة )) تقرأ بعيون أبنائها , وهكذا صار الكتاب المخطوط حكراً على الخواص , وظل العوام في عماءٍ يُصفقون لمن يبيعهم الأوهام بلسانٍ فصيح.

برز مفكرون في مواجهة وعاظ السلاطين وجنود الجهل , في القرن الرابع الهجري قال الشّريف الرّضي : (( لما رأيتُ جنودَ الجهلِ غالبةً/ والنَّاسُ في مثل شدقِ الضَّيغمِ الضَّاري )) , و أجاد أبو العلاء المعريّ : (( لما رأيتُ الجهلَ في النَّاسِ فاشياً/ تجاهلتُ حتَّى ظُن أني جاهلُ )) , وترى المعريّ منافحاً عن العقل , أو محفزاً لمن هو - بحاجة إلى لذة اليقين- : (( أراك الجهلُ أنَّك في نعيمٍ/ وأنتَ إذا افتكرتَ بسوءٍ حالٍ )) , وكيف يكون الأفوه الأوديّ (قبل الإسلام) جاهلاً وهو القائل : (( لا يصلحُ النَّاس فوضى لا سُراةَ لهم/ ولا سُراةَ إذا جُهالهم سادوا/ والبيتُ لا يُبتنى بأعمدةٍ/ ولا عِمادَ إذا لم تُرس أوتادُ )) , ولاننسى دور المفكر العراقي علي الوردي الذي فكك حلقات (( وعاظ السلاطين )) , أولئك الذين يحرسون الجهل لتنتفخ جيوبهم , إن للجهل (( مغناطيسية )) غريبة , فهو يمنح صاحبه يقيناً كاذباً يغنيه عن مشقة البحث , هؤلاء الذين وصفهم النص بأنهم يعشقون (( السبخ والطين )) هم ضحايا (( الألفة مع القبح )) , فالنور يبهر العيون التي اعتادت الظلمة , والحرية تثقل كواهل الذين أدمنوا الأغلال , لهذا , يثور الجاهل على من يحاول إنقاذه , لأنه يرى في طوق النجاة قيداً جديداً يخرجه من عالم الأوهام الدافئ إلى صقيع الحقيقة .

متى ينتصر الجهل؟ حين يتثاءب العقل , ويُكفن السؤال , ويُخوّن المفكرون , ويُكرّم التافهون , وخطورته هي ان الجاهل لا يشك ولا يتردد , بل يمشي بثبات نحو الهاوية , وقد يغني مستمتعا في الطريق , وتلك هي سوسيولوجيا الاستنقاعف بعض الشعوب تجد متعة في العيش داخل (( المستنقع )) المالح , لأن الطين يشدهم للأسفل ويخيفهم من الهواء الطلق والأرض الصلبة , اذن الجهل ليس غياب معلومة , بل هو (( عتمة تسكن العقول )) , هو لا ينتصر بالسلاح , بل يزحف كالدخان القاتل , وخلف كل جاهلٍ يصرخ , هناك (( مستفيد )) يهمس , إن الجهل ليس صدفة تاريخية , بل هو (( صناعة )) تتطلب حراساً مخلصين , هؤلاء هم (( سدنة العتمة )) الذين يصبغون التخلف بصبغة القداسة , ويسمون الجمود (( ثباتاً )) والتبعية (( وفاءً )) , إنهم يدركون أن استيقاظ عقل واحد يعني تصدع هيكل كامل من الأكاذيب , لذا تراهم يطاردون (( السؤال )) كما يطارد الصياد طريدته .

يقول ابن رشد: (( إذا أردت أن تتحكم في جاهل , فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني )) , ولجورج أورويل قوله: (( ليس الجهل ما يُخيف , بل أولئك الذين يحرسونه )) , والحقيقة لا تخيف إلا من بنى إيمانه على الأسطورة , أما من بنى إيمانه على العلم , فالتاريخ صديقه لا عدوه , وقد ينتصر الجهل لحظة , لكن كل لحظاته تظل ترتعد من سؤال واحد: ماذا لو استيقظ الناس؟ إن النور لا يموت , والوعي هو الثورة الوحيدة التي لا يمكن الرجوع عنها , و يظل التاريخ يخبرنا أن (( البخار )) انتصر في النهاية , ليس لأنه أقوى من الإيمان , بل لأنه أصدق في التعامل مع قوانين الله في الكون , إن الإيمان الحقيقي يبني الحضارة بالاستبصار وليس فقط بالاستظهار , ومهما طال ليل (( الجهل المقدس )) , فإن شمس العقل لا تشرق من وراء الأفق , بل تنبع من داخل الجماجم التي قررت أخيراً أن تفكر .

ختاماً , هذه المقامة دعوة حقيقية لإعادة الاعتبار لـ (( العقل ) كأداة وحيدة للخروج من (( المستنقع )) , وهي رسالة تظل حية وضرورية في كل زمان ومكان.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...
- مقامة الظل والنور: الطعن حين يشيخ الظل ويبقى الضوء.
- مقامة محطة المندلاوي : قراءة في سيكولوجيا الانكسار.


المزيد.....




- بعد 9 قرون تحت مظلة الأزهر.. قانون جديد ينقل -الكتبخانة- لرئ ...
- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .