أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القول السامق والمديح المارق .















المزيد.....

مقامة القول السامق والمديح المارق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 11:11
المحور: الادب والفن
    


كأنما رماني صاحبي بجمارِ فكره , أو استحثّ ساكني بجيادِ ذكره , وهو العليمُ أنني بداءِ الكتابةِ عليل , وفي محرابِ البيانِ لا أرتضي القليل , فما إن طالعني بطرحه عن بلاء التكسب في الشعر حتى استدعى الخاطرُ ما بطنَ وظفر , إذ جعل العربَ أمةً لا تُحسنُ إلا فنَّ القول , ولا تسعى في المدحِ إلا لنيلِ الطَّول , فهو يقول : التكسب في الشعر - بكل انواعه واشكاله - حتما يؤدي الى الكذب وربما الى التناقض , ولايخجل الشاعر المتكسب بشعره من ذلك لان القصيدة بنت اللحظة وعواملها المستفزة لقولها , هذا هو المتنبي - ماليء الدنيا وشاغلها كما يتكرر في كتب الادب وتاريخه , يمدح - سيف الدولة - امير الدولة الحمدانية بعد ان استرد قلعة - الحدث - من ايدي الروم :(( على قدر اهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم , وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغرفي عين العظيم العظائم )) , لكنه حين مدح علي بن منصور الحاجب قال : (( كرما فلو حدثته عن نفسه بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا )) , فالممدوح لايصدق نفسه ويظن ان الشاعر يكذب في وصفه , فليس من المعقول ان يصنع عظيما , ترى من هو الصغير ومن هو الكبير ؟؟؟؟؟ هكذا حري بنا ان نقرأ الادب , ها أنتم ترونه يمس قضية جوهرية في تاريخ الأدب العربي , وهي (( أدب المديح )) بين الصدق الفني و بلاء التكسب المادي وازدواجية المعايير , وبما يستوجب الرد بروح تجمع بين الإنصاف الفني والتحليل التاريخي ,فما أجمل هذا الغوص في متناقضات المتنبي , لكن هل لنا أن نسأل : هل كان المتنبي يمدح (الذوات) أم يمدح (المعاني)؟

المتنبي الذي جعل العظائم تصغر في عين العظيم أمام سيف الدولة , هو نفسه الذي جعل الممدوح - ابن منصور - يستعظم فعله لدرجة تكذيب نفسه , وهذا هو (( التناقض القيمي )) في المديح كصناعة, فالصديق يرى أن - التكسب - يحوّل الشعر من رسالة قيمية إلى - بضاعة - تتشكل بحسب الزبون , مما يؤدي بالضرورة إلى الكذب , ونسبية العظمة من خلال السؤال الذي طرحه في الختام (( من هو الصغير ومن هو الكبير؟ )) ويصيب في مقتل (( المثالية )) التي حاول الشعراء رسمها للممدوحين , ويكشف أن المقياس لم يكن (( الفعل )) بل (( العطاء )) .

أن قراءة الأدب تحت مجهر (( الأخلاق )) فقط قد تغفل جوانب جمالية وتاريخية هامة ,فالقصيدة ككيان مستقل (( القصيدة بنت لحظتها )) , وهذا يعني أن الشاعر في لحظة المديح لا يؤرخ للحقيقة , بل يبني (( عالماً متخيلاً )) , المتنبي لم يكن يمدح أشخاصاً بقدر ما كان يمدح (( نموذج البطل )) الذي في خياله , مستخدماً الممدوح كجسر للوصول إلى لغة شعرية فارقة , حيث بلاغة المبالغة في النقد القديم , وكما قيل : (( أعذب الشعر أكذبه )) , ان المبالغة في بيت - علي بن منصور - ليست كذباً بالمعنى الأخلاقي , بل هي بلوغ ذروة التواضع في الكرم , حيث يرى الممدوح عظائم أفعاله صغائر, والمتنبي - المتعالي - تحديداً لم يكن - متكسباً - بالمعنى التقليدي (( كالبحتري مثلاً )) , لقد كان يرى نفسه أرفع من ممدوحيه , وشعره في سيف الدولة كان تعبيراً عن مشروع سياسي وقومي , بينما شعره في كافور أو ابن منصور كان أحياناً (( تمريناً لغوياً )) أو ضرورة اجتماعية.

إن التكسب بلاءٌ بلا شك , لكنه في يد عبقري كأبي الطيب تحول من - استجداء - إلى - خلق قيم جمالية - والتناقض ماهو الا دليل على أن الممدوح كان - وسيلة - والقصيدة هي - الغاية - فنحن اليوم لا يُعنينا ابن منصور ولا حتى قلعة الحدث , بقدر ما تعنينا تلك الصورة البيانية التي خلدت اللغة العربية , كما ان الكذب في الشعر هو - صدق فني - بامتياز, لأن الشاعر لا يكتب تقريراً لشرطة الآداب , بل يرسم لوحة بفرشاة الخيال , وتلك هي ثنائية (( السمو الشعري )) و(( السقوط التكسبي )) التي رافقت ذكر أبي الطيب .

لقد أقامَ صاحبي الحجةَ على - مالئِ الدنيا وشاغلِ الناس - الذي تاهَ بينَ رفعةِ القافيةِ ووضاعةِ الكسبِ الصافية , وقد صدقَ حينَ رمى سهمَ النقدِ في كبدِ الحقيقة , فالمتنبي الذي جعلَ العظائمَ تتقزمُ أمامَ - سيفِ الدولة - هو ذاتُه الذي استعظمَ - القليلَ - عندَ (( ابن منصور)) حتى اتهمَ الممدوحَ بإنكارِ ذاتِه , وهنا نجدُ أنفسنا أمامَ المتنبي: (( السامقُ شعراً , والوضيعُ تكسباً )) , ذلكَ الطموحُ الذي لم تروِ غليلَه القصائد , فراحَ يبيعُ ديباجةَ قولهِ لمن يدفعُ , تارةً بالولاءِ , وتارةً بالرياء , حتى أوقعَه التكسبُ في شِراكِ التناقضِ الذي لا يمحوهُ بلاغةُ التشبيه.

ثم هناك رأي الأقدمين في هذا الصنيع , فلم يغب هذا التناقضُ عن فطنةِ الأوائل , الذين انقسموا في نقدِ المتنبي إلى فريقينِ سالَ بينهما حبرٌ كثير: ان الفريقُ الأول - الناقدُ الأخلاقي - ورأسهم (( الصاحب بن عباد )) الذي قال في رسالته المشهورة: (( إن المتنبي تارةً يرتفعُ حتى يلمسَ النجوم , وتارةً ينحطُّ حتى يلحقَ بالتراب )) , عاتباً عليه تبذلَه في المديحِ وسرقاتِه المعنوية من أجلِ نيلِ العطايا , والفريقُ الثاني - الناقدُ الجمالي - ومنهم (( ابن جني )) و(( عبد القاهر الجرجاني) ) , الذين رأوا أن - الكذبَ - في الشعرِ هو أداةٌ فنية , وأن الشاعرَ يبني - صورةً ذهنية - لا - سيرةً ذاتية - فالمتنبي عند هؤلاء هو (( خالقُ المعاني )) الذي لا يضيره إن كذبَ في وصفِ شخص,مادام قد صدقَ في بناءِ اللغة ,والخلاصة, إن المتنبي - برغمِ انكسارِ مرآةِ صدقهِ في مرايا الممدوحين - ظلَّ الجبلَ الأشمَّ في البيان , فالتكسبُ كان (( زلةَ قدمٍ )) في وحلِ الحاجةِ والسلطة , لكنَّ القولَ ظلَّ (( تحليقَ روحٍ )) في فضاءِ الإعجاز.

أما السؤالُ (( من هو الصغيرُ ومن هو الكبير؟ )) , فجوابه أن - الكبيرَ- هو الشعرُ الذي بقيَ خالداً , و - الصغيرَ- هو الممدوحُ الذي لم يذكرهُ التاريخُ لولا ذِكرُ المتنبي له , وخِتامُ القولِ ان الشعرِ هو مِسْكُ الأدبِ وعنوانُ الرصانة , ولعلَّ خيرَ ما نختمُ به هذهِ المداخلة هو بيتٌ يُلخصُ حالَ المتنبي الذي ملكَ ناصيةَ البيانِ لكنَّ نفسَه ظلَّتْ رهينةً للمطامعِ والتكسب , وهو القائلُ في مديحٍ آخَر: (( أَمُريدَ مِثْلِ مُحَمَّدٍ في عَصْرِهِ لا تَبْلُنا بِطِلابِ ما لا يُوجَدُ )) , فكأنَّ أبا الطيبِ يَعترفُ ضمناً بأنَّ كمالَ الممدوحِ عُملةٌ نادرة , لكنَّ حاجةَ الشاعرِ هي التي تَخلقُ هذا (( المستحيل )) لغةً وصورة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.
- مقامة سياط الجواهري : حين يوقظ الفنُّ شعوباً تنام على زبد ال ...


المزيد.....




- -سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا ...
- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- أحمد قعبور: رحيل الفنان اللبناني وصوت -أُناديكم-
- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة القول السامق والمديح المارق .