أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .














المزيد.....

مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


يتمحور تطوير هذه الفكرة حول مفهوم (( البراغماتية الأخلاقية)) أو (( إيثار البقاء على الفناء )) , إنها شجاعة مواجهة (( الأنا )) المتضخمة في سبيل حماية الأرواح والمقدرات , ان مفهوم (( شجاعة المسؤولية )) وما وراء كبرياء اللحظة , تعتبر ان الشجاعة التقليدية - الصدام - هي رد فعل غريزي غالباً ما يحظى بتصفيق الجماهير , لكن شجاعة الانسحاب هي فعل عقلي محض يتطلب التضحية بـ (( السمعة الشخصية )) مقابل (( الحياة العامة )) والقائد الحقيقي هو من يمتلك الجرأة ليكون (( خائناً )) في نظر الغوغاء , ليكون (( منقذاً )) في دفتر التاريخ الحقيقي , ويسود في الوجدان الجمعي مفهوم قاصر للشجاعة , يحصرها في ((سلّ الحسام )) والاندفاع نحو المواجهة مهما كانت الكلفة , لكن القراءة العميقة للتاريخ والسياسة تكشف لنا عن نوع أسمى وأندر من البطولة , وهي شجاعة الاستسلام , تلك القدرة النفسية الهائلة على هزيمة (( الأنا )) والغرور الشخصي في سبيل إنقاذ الجماعة من الفناء.

يواجه القائد في اللحظات المفصلية صراعاً بين صورتين , صورته المعنوية في كتب التاريخ - التي قد تمجّد صموده الأسطوري حتى لو هلك شعبه - وبين الأمانة الأخلاقية التي تفرض عليه حماية الأرواح والمقدرات, إن القائد الذي يرفض (( قبول الهزيمة )) الواقعية خشية أن يُقال عنه (( استسلم )) , هو في الحقيقة يمارس نوعاً من الأنانية النرجسية , فهو يضحي بالدولة والمجتمع ليحافظ على بريق اسمه في صفحات الورق , أما الشجاعة الحقيقية , فهي أن يمتلك الجرأة ليكون (( منبوذاً )) في لحظته الراهنة , ليحيا شعبه في المستقبل.

ليست الشجاعة محصورة في سل الحسام , بل قد تكون أحياناً في معرفة متى تغمد هذا الحسام , وتملك شجاعة التغلب على الذات والغرور الشخصي , فالشجاعة الأدبية الحقيقية هي أن تضحي بصورتك المعنوية والحرص على مقولة : ماذا سيقول عني التاريخ؟ تضحي بذلك من أجل مصلحة الجماعة والأهل , وفي حالتنا اليوم , الشعب والدولة , وقد سمعت من رجل سياسي ومسؤول مخضرم , عبارة استوقفتني , وهي أن سلطاتهم اليوم تفتقد إلى قائد يملك (( شجاعة الاستسلام )) , والمفارقة تكمن في ربط فعل الاستسلام بصفة الشجاعة , ذاك أن الشجاعة كما قدمنا , يحصرها كثير من الناس في فعل القتال للقتال من دون غاية واقعية حتى لو أدى ذلك إلى (( فناء )) الناس والدولة والمجتمع وكل شيء , وتلك كلفة (( البطولة الزائفة )) , لأن القائد الذي يسوق شعبه نحو الفناء تحت شعار (( الكرامة )) وهو يعلم عدم تكافؤ القوى لا يمارس الشجاعة , بل يمارس (( الأنانية التاريخية )) لإنه يخشى على صورته في كتب التاريخ أكثر مما يخشى على أرواح الأطفال في الشوارع , إن تجرع كأس السم في سبيل نجاة الأمة , هو أسمى أنواع الفروسية , لأن الفارس هنا يقتل كبرياءه هو , ليحيا شعبه .

هناك شواهد تاريخية على (( شجاعة الغمد )) , والعقلانية كفعل بطولي , لأن الاستسلام الحكيم ليس جُبناً , بل هو فعل عقلاني بامتياز , هو (( القدرة على قراءة ميزان القوى )) واتخاذ القرار الصعب عندما يصبح الاستمرار في القتال (( انتحاراً جماعياً )) لا غاية واقعية منه , إنها لحظة (( تجرع السم )) المرة التي يتجرعها القائد وحده , ليوفر على أهله مرارة الفقد والدمار الشامل , و تذخر الذاكرة الإنسانية بمواقف كانت فيها (( الواقعية )) قمة الفروسية , تتجلى هذه الشجاعة في محطات تاريخية غيّرت مصائر أمم , مثل صلح الحسن بن علي (( عام الجماعة )) , وسيظل هذا الموقف النبراس الأول في تاريخنا , حيث تنازل (( سيد شباب أهل الجنة )) عن السلطة وهو في ذروة قدرته على التحشيد , لم يكن تنازله ضعفاً , بل كان رؤية ثاقبة أدركت أن حقن دماء المسلمين أسمى من كرسي الخلافة , لقد اشترى بقاء الأمة ببيعة سياسية , فاستحق لقب (( المُصلح الأعظم )) , وهناك الإمبراطور هيروهيتو والقرار الانتحاري في عام 1945 , حين كان القادة العسكريون في اليابان مستعدين لإبادة الشعب الياباني بالكامل تحت شعار (( الموت بشرف )) , لكن الإمبراطور اتخذ القرار (( الأكثر عقلانية )) بقبول شروط الاستسلام القاسية , بفضل هذه (( الشجاعة النفسية )) تحولت اليابان من ركام محترق إلى معجزة اقتصادية عالمية , لأن القائد اختار (( البقاء )) على (( الكرامة الزائفة )) التي تؤدي للفناء , وفي عام 1934 عندما أدرك الإمام يحيى أن موازين القوى تميل بوضوح لصالح جيوش الملك عبد العزيز, لم يندفع نحو حرب استنزاف تُهلك الزرع والنسل , بل ملك شجاعة المبادرة وطلب الصلح قائلاً : (( أيها الأخ كفى ما حصل )) , وتم عقد معاهدة الطائف , وهذا الانسحاب المدروس حفظ لليمن كيانه في تلك الحقبة الحرجة.

تدرك الطبقة المثقفة أن (( حفظ الرمق )) أسمى من (( هدم المعبد )) على رؤوس الجميع , وأن (( الاستسلام الشجاع )) ليس استسلاماً للمطامع أو بيعاً للأوطان , بل هو (( استسلام للمصلحة العليا )) , كي لا يخلط القارئ المستعجل بين (( الحكمة )) وبين (( العمالة )) أو (( الجبن )) , حيث يبدو أننا في زمن أصبح فيه (( إغماد السيف )) يتطلب جيشاً من العقلاء لمواجهة جيش من المصفقين خلف الشاشات , ولابد من مرافعة عقلانية رصينة في (( فقه الضرورة )) وسياسة الممكن , لتلامس جرحاً غائراً في الوعي الجمعي الذي طالما مجّد (( الانتحار البطولي )) على حساب (( البقاء الاستراتيجي )) , وخلاصة القول , إن الشجاعة الحقيقية المفقودة اليوم هي شجاعة المسؤولين الذين يخشون مواجهة شعوبهم بالحقيقة , إنهم يفضلون الاستمرار في استنزاف البلاد والعباد لأنهم يخشون (( التخوين )) أو (( الاغتيال السياسي )) , والحقيقة المرة هي أن إغماد السيف في الوقت المناسب يتطلب قوة قلب أكبر بكثير من سله , فالأولى تقتل الكبرياء , والثانية تقتل الآخرين , والتاريخ الحقيقي لا ينصف المتهورين , بل ينصف أولئك الذين امتلكوا حكمة (( شجاعة الاستسلام )) ليعبروا بشعوبهم نحو ضفاف الأمان.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.


المزيد.....




- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .