أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ بين الكأس والقداس .














المزيد.....

مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ بين الكأس والقداس .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


قادنا عصف الأفكار , في مجلس صالون الدكتور الأفندي تحسين المزدان بالأنوار , إلى طرق بابِ موضوعٍ شائكِ المسالك , دقيقِ المدارك , وهو موضوع (( النبيذ )) وما دار حوله من أخبار الأدباء ومداعبات الفقهاء , فتذاكرنا قول الإمام الأعمش- سليمان بن مهران - في وصف شدة ما عنده من شراب : (( نبيذٌ إذا مرَّ الذبابُ بدنِّهِ تقطَّر أو خرَّ الذُّبابُ وقيذا ))وهو بيتٌ سار به الركبان في كتب الأدب - كـ (( قطب السرور )) لابن طباطبا- ليس حكماً فقهياً بنجاسة الإناء , بل وصفاً مجازياً لقوة الشراب التي تصرع الذباب بمجرد المرور .

وفي فقه الذباب , بين الجناح والقدح , انتقل المجلس من وصف القوة إلى فقه الصحة , فاستحضرنا علاقة الذباب بالشراب , حيث يُستحب غمسه إذا وقع كما ورد في الأثر , لأن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً , ولا ينجس الشراب بذلك , وفي هذا المعنى تندر الزهاد , فقد قيل لسفيان الثوري وقد وضع نبيذه بين يديه: (( يا أبا عبد الله , لو غطيته لئلا يقع فيه الذباب )) , فقال بزهده المعهود: (( قبَّحه الله , إذا لم يذبَّ عن نفسِهِ )) , أما الأعمش , فقد كان أكثر اعتداداً بنبيذه , فحين حاول تلميذه حفص بن غياث ستر الإناء عن أعين طلبة الحديث بدعوى خوفه من الذباب , قال له الأعمش: (( هيهات , هو أمنع من ذلك جانباً )) , أي أن قوته تحميه .

هنا احتدم النقاش حول معترك الفقهاء وهل النبيذ خمر؟ وحول (( ماهية المحرّم )) , وانقسم السلف والخلف إلى فريقين : فالمشددون , وهم الذين لم يفرقوا بين خمر العنب ونبيذ التمر , وبين مطبوخ ونقيع , ورأوا أن كل ما اشتد فهو خمر , ومثل هؤلاء يروى عن سحنون حين سُئل عمن حلف بطلاق زوجته أن عصير العنب المطبوخ هو الخمر المحرمة , فقال: (( بانت منه زوجته )) , والمفرقون - أهل الرأي- وهم الذين رأوا أن التحريم يقع على (( المسكر )) لا على (( العين )) فيما سوى خمر العنب , وقد دافع ابن قتيبة عن هذا الرأي بقوة , معتبراً أن تحريم كل نبيذ فيه غلو وتجريح لأئمة سلف وأهل بدر شربوا النبيذ (( غير المسكر )) .

وفي فلسفة السكر, (( القدح الذي أروى )) , توقفنا عند حجة عقلية بليغة: متى يقع التحريم ؟ يقول البعض إن الحرام هو (( القدح المسكر)) فقط , ولكن رُدَّ عليهم بأن السكر نتيجة تراكمية , فالقدح الأخير لم يسكر إلا بالأول , كاللقمة الأخيرة التي لم تشبع إلا بما سبقها , وقوى الحبل لا يوثق بها البعير إلا باجتماع طاقاتها , فكيف يعرف الشارب أي قدح سيسكره ليتجنبه ؟ إنما هو الظن الذي يخطئ ويصيب.

ثم ختمنا الجولة بالتدرج التاريخي , من الهدية إلى التحريم وبالتأريخ لزمن التحريم , فقد ثبت أن الخمر حُرّمت في السنة الثامنة للهجرة - يوم الفتح - ومن عجيب القصص ما رواه ابن عباس عن رجل أهدى للنبي (( راوية خمر )) , فقال له النبي: ((أما علمت أن الله حرمها ؟ )) لقد كان التحريم رحلة بدأت بكراهة الصلاة حال السكر , ثم انتهت بالتحريم القاطع بعد واقعة (( عظم الجمل )) الشهيرة حين تنازع شاربون وضرب أحدهم الآخر, فنزل قول الله واصفاً إياها بأنها (( رجس من عمل الشيطان)) لما تثيره من عصبية وتقطعه من أواصر.

وعندما مالت شمسُ الجلسةِ للمغيب , وبعد أن استعرضنا فجاجَ التاريخِ ومسالك التابعين , استقرَّ بنا القولُ في مرفأ التحليلِ الرصين , فمن الناحيةِ القانونيةِ والطبيةِ الحديثة , لم يعد الخلافُ محصوراً في (( نوعِ الثمرة )) أو (( طريقةِ النبذ )) , بل انتقلَ الحكمُ إلى (( الأثرِ الكيميائي والبيولوجي )) , فبينما انشغل الأقدمون بـ (( عينِ الخمر )) و(( جنسِ النبيذ )) , ينظرُ العقلُ المعاصرُ إلى (( العلّة )) التي يدورُ معها الحكمُ وجوداً وعدماً , وهي (( الإسكار)) وتغييبُ العقلِ الذي هو مناطُ التكليف , فالحكماءُ في كلِّ عصرٍ , والشرائعُ في جوهرِ مقاصدِها , لم تحارب السوائلَ لذاتها , بل حاربت (( الغِيلةَ )) التي يغتالُ بها السُّكرُ وعيَ الإنسان , فيحوله من كائنٍ مدركٍ مكرّمٍ إلى مَعولِ هدمٍ في مجتمعه , تماماً كما فعل ((عظمُ الجمل )) في سالفِ الزمان حين مزّقَ الصداقةَ وأوقدَ العصبية ,إذن , هي شعرةٌ فاصلةٌ بين (( المتاعِ الحلال )) و (( الرجسِ الوبال )) شعرةٌ يغزلها العقلُ قبل النقل , ويحكمها القانونُ لحفظِ الأنفسِ والأموال , وبذا , نختمُ مقامتنا في صالون الأفندي تحسين , حيثُ الفكرُ لا ينضب , والبحثُ لا يتعب.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...
- المقامة البهرزية : في الاحتفاء بسيدة الزجاج والنحت.
- مقامة نوار: التي أزهرت في خريف الغربة.


المزيد.....




- في حبِّ الحُزانى
- مارس .. موت و ميلاد
- أزمة الوعي: لماذا لا يكفي الذكاء والثقافة لإنقاذ العالم؟
- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
- من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ ...
- من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ ...
- بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟ ...
- -سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ بين الكأس والقداس .