أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصلي بخشوع ؟















المزيد.....

مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصلي بخشوع ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 16:01
المحور: الادب والفن
    


قرأت في التراث الفيلي المثل : (( له گوشت نەخۆم , له آوي گوشت دەخۆم )) , وترجمته : (( لا آكل اللحم , وأكتفي بمرقه )) , وهو يروي حكاية عن رجل كان يعيش مع أبنائه على قطع الطريق , ومع تقدّمه في السن , شعر برغبة صادقة في التوبة , فقرر الذهاب لأداء فريضة الحج , وبعد عودته , قام أبناؤه بسرقة جمل وذبحوه وأعدّوا وليمة كبيرة , وعندما دعوه للأكل , رفض أن يأكل من اللحم الحرام , وقال: سأكتفي بمرق اللحم دون أن آكل منه , هذا المثل الشعبي من التراث الفيلي العميق يحمل في طياته دلالات نفسية واجتماعية غاية في الأهمية , ويُصوّر بذكاء - وتهكم خفي - التناقض الذي قد يقع فيه الإنسان عندما يحاول التوفيق بين رغباته وبين مبادئه.

هذه هي (( التقوى الانتقائية )) , فالرجل في الحكاية لم يرتكب خطأً عن جهل , بل مارس ما يسمى (( التحايل على الضمير )) , هو يعلم أن الجمل مسروق - حرام - لكنه بدلاً من إنكار الفعل أو الامتناع الكامل , اختار حلاً وسطاً يرضي (( توبته )) الشكلية ولا يحرمه من (( لذة )) الوليمة , والمفارقة من الناحية المنطقية والشرعية , المرق هو خلاصة اللحم وجزء لا يتجزأ منه , فإذا كان الأصل حراماً , فالفروع (( المرق )) تتبعه بالضرورة ,فتجنب (( أنصاف الحلول )) في الأخلاق, لأن النزاهة لا تتجزأ , والدرس هنا هو أن محاولة تجميل الخطأ أو أخذ جزء بسيط منه لا يجعله صواباً , و(( نصف التوبة )) غالباً ما تكون غطاءً لاستمرار الذنب بشكل مستتر.

يُعلمنا المثل خطورة الازدواجية في المعايير, وأن نكون حذرين من الشخص الذي يضع (( قشرة )) خارجية من التدين أو المثالية - مثل رحلة الحج في القصة - بينما تظل أفعاله الجوهرية مرتبطة بالماضي , وتأثير البيئة (( الأبناء )) حيث توضح القصة أن التوبة الفردية صعبة إذا لم تتغير البيئة المحيطة , الأبناء استمروا في (( قطع الطريق )) مما جعل الأب يقع في فخ المداهنة بدلاً من القيادة والتغيير , ومن هنا يأتي نقد (( التدين الشكلي )) , فهذا التراث الفيلي يوجه نقداً لاذعاً لمن يهتمون بالمظاهر - عدم أكل اللحم - ويغفلون عن الجوهر - المرق ناتج عن سرقة - إنه دعوة للصدق مع النفس قبل الصدق مع الناس , وهذا المثل يستخدم اليوم للسخرية من الشخص الذي يدّعي النزاهة في العلن , لكنه يستفيد من ثمار الفساد أو الأخطاء في الخفاء , وهو (( الزهد المزيف )) الذي يرفض الجريمة لكنه يرحب بنتائجها , والخلاصة : العبرة ليست بما نتركه أمام الناس , بل بما نقبله خلف الأبواب المغلقة , المرق واللحم في (( الحرام )) سواء.

تطبيق هذا المثل الفيلي على واقعنا المعاصر يكشف عن ظواهر اجتماعية ومؤسسية نعيشها يومياً , حيث يتم استبدال (( اللحم الحرام )) بـ (( المنافع غير المشروعة )) , ويتحول (( المرق )) إلى تبريرات قانونية أو بروتوكولية , مثل فساد العقود والعمولات الجانبية في المؤسسات , فقد يرفض المسؤول تلقي (( رشاوي )) مباشرة - اللحم - لكنه يوافق على تعيين أقاربه في الشركة المنفذة للمشروع , أو يقبل (( هدايا )) رمزية وسفرات سياحية تحت مسمى (( ورش عمل )) - المرق - هو هنا يظن أنه حافظ على نظافة يده , لكنه استمتع بنتاج الفساد , وهناك رجل الأعمال الذي يرفض (( السرقة )) المباشرة من الناس , لكنه يبحث عن ثغرات قانونية معقدة للتهرب من دفع حقوق الدولة أو تأمين العمال - المرق - هو لا (( يأكل اللحم )) بالمعنى الحرفي للنهب , لكنه يغتني من (( مرق )) الالتفاف على القانون , والمستثمر الذي يمول مشاريع تضر بالبيئة أو بصحة الناس , ثم يخصص جزءاً يسيراً من الأرباح للأعمال الخيرية أو (( المسؤولية الاجتماعية )) لغسل سمعته , هو هنا يرفض تحمل وزر (( اللحم )) - طبيعة العمل الضارة - لكنه يعيش على (( مرق )) أرباحه , ثم الشخص الذي يرفض أخذ حق غيره بالقوة , لكنه يقبل بـ (( توصية )) من صديق نافذ للحصول على وظيفة ليست من حقه , هو يقنع نفسه بأنه (( كفء )) وأنه لم يسرق الوظيفة - لم يأكل اللحم - لكنه استفاد من التمييز والمحسوبية - شرب المرق - واخيرا في مجال النفاق الرقمي - وسائل التواصل - المؤثر أو الشخص الذي ينتقد السلوكيات الخاطئة أو الفساد في منشوراته العامة (( ادعاء الزهد في اللحم )) , بينما يقبل في الخفاء إعلانات لشركات مشبوهة أو يتقاضى أموالاً لتلميع صور جهات غير نزيهة (( الاستمتاع بالمرق )) .

يُعد الشريف الرضي من أكثر الشعراء ترفعاً , وله بيت شهير يرفض فيه العيش الذي يأتي عن طريق المنة أو الشبهة : (( أَرى الشَرَفَ الباقِيَ لَفظاً وَمَعنىً إِذا لَم يَنَل مِنهُ الخَسيسُ نَصيبا )) , و(( فَلا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ )) الذي يُنسب لعنترة بن شداد في سياق الفخر , لكنه يمثل روح الترفع عن (( المرق )) المذل , والمتنبي ذم القناعة بالدون , وكان يرى أن الرضا بالقليل من (( الحرام )) أو (( الهوان )) هو موت للروح , وفي ذلك يقول: (( فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ فَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ )) , وهنا يشير إلى أن القدرة على العيش الشريف تمنع الإنسان من قبول (( أنصاف الحلول )) الأخلاقية , وقد اشتهرالإمام الشافعي بحكمته في الزهد والترفع , وله أبيات تُصور رفض (( المرق )) الذي يأتي مع الأذى أو فقدان الكرامة : (( تَموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جوعاً وَلَحمُ الضأنِ تَأكُلُهُ الكِلابُ , وَعَبدٌ قَد يَنامُ عَلى حَريرٍ وَذو نَسَبٍ مَفارِشُهُ التُرابُ )) , الدرس هنا أن الجوع (( فقدان اللحم والمرق )) أشرف من شبع يأتي في غير موضعه , واخيرا هذا طرفة بن العبد , والوضوح في المبدأ في معلقته , حين يشير طرفة إلى أن المرء يُعرف بصلابة موقفه تجاه ما يملك وما يستهلك : (( إِذا كُنتَ في شَيءٍ مَريءٍ فَلا تَكُن كَمُبتَلِعٍ لِلعَظمِ ثُمَّ يَلومُ )) , وهذا البيت ينطبق تماماً على صاحب الحكاية , فلا ينبغي للإنسان أن يبتلع (( المرق )) ثم يدّعي ملامة النفس على (( اللحم )) .

إنّ (( مقامة المرق )) ليست مجرد حكاية عن تائبٍ غلبه اشتهاؤه , بل هي صرخة في وجه كل تديّنٍ قشري , وكل نزاهةٍ منقوصة , فالأخلاق كُلٌ لا يتجزأ , إما أن تكون بيضاء ناصعة أو أن شائبة الحرام سَتصبغُها وإن قَلّت , إن الرضا بـ (( مرق )) الفساد تحت ذريعة الزهد في (( لحمه )) هو ذروة الخديعة للذات , فمن شرب المرق فقد تذوق طعم الجريمة , ومن استظل بظلمٍ فقد شارك فيه , والرهان الحقيقي للإنسان المعاصر ليس في قدرته على رفض (( الكبائر )) الواضحة فحسب , بل في تعففه عن تلك (( الصغائر )) التي تتسلل تحت مسميات التبرير, فالمرءُ - في ميزان الحق - يُوزنُ بما يقبله في السر , لا بما يدّعي زهده فيه أمام العلن .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .
- مقامة علي بن أبي طالب : سلطة الحق وفلسفة اليقين .
- مقامة ذرى : شراعُ بَعقوبة الذي روّضَ رياحَ الدبلوماسيةِ الأل ...
- مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في د ...


المزيد.....




- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصلي بخشوع ؟