أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .














المزيد.....

مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 16:55
المحور: الادب والفن
    


يقول الشيخ اليساري : (( أنه بعد ان تغلغل الفكر التقدمي في دمائنا صرنا لانطرب لصورة السلطان التي رسمها المتنبي ,وقد كنا نتمايل طربا بمبالغاته وكذبه الحتمي فيها , وتصويره لسيف الدول رجلا امتهن الحروب ولايشفيه الا الدم الصبيب في كل يوم , لايشك احد ان الحرب لعبة قذرة بحق الانسان , قال المتنبي في سيف الدوله الذي تشكى من دمل :وكيف تعلك الدنيا بشيء وانت بعلة الدنيا طبيب , وكيف تنوبك الشكوى بداء وانت المستغاث لما ينوب , مللت مقام يوم ليس فيه طعان صادق ودم صبيب وانت المرء تمرضه الحشايا لهمته وتشفيه الحروب )) , قول يفتح الباب للتأمل في كيف يمكن للوعي والزمن أن يُغيرا حتى (( الكيمياء )) التي نتذوق بها الجمال , فما كان يطربنا بالأمس , قد توقظنا بشاعته اليوم.

الحقيقة ان ماسطره المندلاوي , يطرح إشكالية نقدية عميقة تتعلق بـ (( تغير الذائقة الأدبية)) تَبَعاً لتغير القيم الإنسانية والسياسية , فلو انطلقنا من زاوية إنسانية تقدمية لرأينا أن الأدب لا ينفصل عن الأخلاق , ووجود فجوة زمنية وفكرية , فالمتنبي كان يخاطب عصراً تعتبر (( البطولة )) فيه مرادفة للقوة المحضة والسيطرة , بينما الفكر الحديث (( التقدمي )) يقدس (( السلم )) و(( حقوق الإنسان )) , وأن صورة (( البطل )) قديماً , حين كان يُنظر لتعطش سيف الدولة للدماء كدليل على الشجاعة والأنفة ,أما اليوم ومن منظور الفكر المدني , تحول هذا المشهد إلى (( مرض نفسي )) أو (( امتهان للقتل )) , حيث يُصبح الدم وسيلة للاستشفاء النفسي كما في قول المتنبي: وتشفيه الحروب , لقد اعتمد المتنبي على (( المبالغة المقبولة )) في عصره , كأن يجعل ممدوحه طبيباً لعلة الدنيا , الا أن هذه المبالغات باتت (( كذباً حتمياً )) لا يستسيغه العقل الحديث الذي يميل للواقعية والموضوعية.

تلخص فلسفة المتنبي في صياغة (( السوبرمان )) العربي القديم , وتأليه الممدوح ,ففي قوله : (( وأنت بعلة الدنيا طبيبُ و أنت المستغاثُ لما ينوبُ )) يرفع المتنبي سيف الدولة إلى مرتبة المخلص الكوني , وهو ما يصطدم مع الفكر التقدمي الذي يؤمن بالمؤسسات لا بالفرد المنقذ , اما في سيكولوجية الحرب فالبيت الأخير (( وتشفيه الحروبُ )) هو ذروة ما يعترض عليه , فهو يصور الحرب كـ (( ترياق )) وليس كـ (( شر لابد منه )) , وهنا تظهر (( قذارة اللعبة )) , حيث يصبح الموت الجماعي وسيلة لراحة فرد واحد.

ترى هل يحق لنا محاكمة المتنبي بمعايير القرن الحادي والعشرين ؟ لقد تغيرت الوظيفة الجمالية, فقديماً , كان الطرب يأتي من (( جودة السبك اللغوي )) وقوة التشبيه , بغض النظر عن المحتوى الأخلاقي , اما اليوم فلم نعد نقرأ النص كـ (( فن مجرد )) , بل كـ (( خطاب أيديولوجي )) , والحرب كانت ضرورة وجودية في عصر المتنبي , حيث الدولة التي لا تحارب تُباد , لذا كان تمجيد القسوة نوعاً من (( الردع الإعلامي )) لكن حين نُسقط هذا الكلام على واقعنا المعاصر , يظهر كتحريض على العنف , والمتنبي لم يكن يكذب من أجل الكذب , وانما كـ (( ضحية )) لثقافته, وهو كان يصيغ (( المثال الأعلى )) الذي يطلبه المجتمع آنذاك , فالعلة ليست في شعر المتنبي وحده , بل في ثقافة كانت ترى في (( الدم الصبيب )) زينة للرجال.

إن الشعور بـ (( عدم الطرب )) هو دليل على يقظة الضمير الإنساني الحديث , لقد انتقلنا من مرحلة (( تقديس القوة )) إلى مرحلة (( تقديس الحياة )) , والمتنبي سيظل عظيماً في لغته وبيانه , لكنه بلا شك (( سقط )) كمرجع أخلاقي أمام الفكر التقدمي الذي يرى في الحرب عاراً إنسانياً , وفي المبالغة استخفافاً بالعقل , و (( إن أجمل الشعر أكذبه )) مقولة قديمة سقطت أمام (( إن أجمل الشعر أصدقه إنسانياً )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.


المزيد.....




- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .