أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيُّ الذي قَتلهُ طيف .















المزيد.....

مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيُّ الذي قَتلهُ طيف .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 12:31
المحور: الادب والفن
    


مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيُّ الذي قَتلهُ طيف .

حُكيَ أنَّه استكانَ للمقعد , وبينما هو في غمرةِ المَشهد , سقطَ الهاتفُ من كفِّه , فانخلعَ صمتُ الغرفةِ بوهنِه وصرفِه , لم يكن الرنينُ صوتاً جلياً , بل كان إيذاناً برحيلٍ خفياً , فجأةً , اتسعَ المدى , وبردَ الصدى , واستحالت الجدرانُ أبعاداً لا يُدركُ لها مَدى , بداءةُ الخَطْب : ظنَّه في البدءِ رهقاً يزول , أو دواراً عابراً في العقول , لكنَّ الأصابعَ اضطربت , والأقدامَ عن طاعةِ أمرِه كفّت , حاولَ القيامَ فخانتهُ الساق , وضاقَ بما رَحُبَ المساق , انزلقَ ببطءٍ نحو الثرى , وأسندَ ظهراً لم يعدْ كما يُرى , عيناهُ معلقتانِ بالخَواء , ترقبانِ ذهبَ الشفقِ في كبدِ السماء , وهو يتسللُ كخيطِ تِبرٍ نحيل , يُعلنُ رحيلَ النهارِ الطويل.

غُربةُ الحواس : بَعُدَ العالَمُ في عينيهِ شيئاً فشيئاً , وصارَ الوجودُ نسيّاً منسياً , الأصواتُ تناءت كأنها من قعرِ بئرٍ عميق , والهواءُ استحالَ جَبلاً يَسدُّ الطريق , في تلك الدقيقةِ اليتيمة , لم تَعرضْ ببالِهِ الإنجازاتُ العظيمة , بل طافت بهِ ذكرياتٌ هنيّة , ضحكةُ خِلٍّ قديمٍ في ليلةٍ أنسية , رنينُ ملعقةٍ في كوبِ شايٍ بصباحٍ شتويّ ,عَبقُ خبزٍ خرجَ للتوِّ من تَنّورٍ حَيّ , أدركَ حينها أنَّ (( العاديَّ )) كان هو المَلاذ , وأنَّ تفاصيلَ الحياةِ البسيطة هي المَلاذ , وبينَ الموتِ والبعث : مرّتِ الثواني , والأفكارُ واهنةٌ فانية , لاحَ السؤالُ في بؤرةِ الذهن : (( أهيَ النهاية ؟ )) لم يكن خوفاً بل كان أسىً , على أيامٍ خلت حسبها عَبثاً , ثم أقبلَ الظلامُ كبحرٍلا يُردُّ مَدّه , يغمرُ الروحَ بجزرِه ومَدّه , وفجأة , انفتحَ البابُ بعنفوان , وانهمرَ الضياءُ في المكان , ارتفعَ النداءُ باسمِه , وعادَ النبضُ ليرسمَ ملامحَ جسمِه , شَهَقَ الهواءَ كأنه يولدُ من جديد , وعادَ العالَمُ ليُطرقَ على حديدِ الوريد , فبُعثَ في (( بياضِ )) المشفى , والهدوءُ حوله بآلاتِ النبضِ يُشفى , نظرَ إلى السقفِ طويلاً , ثم استدارَ ليرى الصباحَ بليلاً , دخلَ الضوءُ من النافذةِ وئيداً , فكان في عينيهِ عِيداً, لأنه لم يعدْ يراهُ (( ضوءاً عادياً )) .

بينما كان جسده الثمانيني يرتطم بالأرض , كانت روحه تحلق في فضاءٍ من الوجع , فيدور المونولوج الداخلي الذي دار في خلده وهو في برزخ ما بين الحياة والردى , فحين داهمته الجلطة , لم تكن مجرد سدٍّ لشريان , بل كانت (( انفجاراً للمكبوت )) , تخيل حجم العذاب حين تمر الدقائق الثلاث وهو بين الموت والحياة : في الدقيقة الأولى , يجلد نفسه , لماذا الآن؟ لماذا هذا القلب الذي صمد أمام الحروب والنكبات , يسقط أمام وجهٍ جميل؟ وفي الدقيقة الثانية, يتمنى لو أنَّ هذا الحب كان (( حقيقة )) نالها يوماً , لا (( خيالا )) يقتله الآن , وفي الدقيقة الثالثة , يشعر بأسىً كوني , ليس على ضياع حياته , بل على (( الكلمات التي بقيت في حنجرته كقطع الزجاج )) لم يقلها حين كان قادراً , ولن يقولها وهو يرحل , (( إنه عذابُ مَن وجدَ الكنزَ في اللحظةِ التي فَقَدَ فيها القوةَ على حَمْلِه )) .

كان ذلك عذاب الشيخ الثمانيني حين يطرقه الحب ليس مجرد (( خفقة قلب )) , بل هو صراع بين وقار المشيب وتمرد الوجدان , هو زلزال يضرب أرضاً لم تعد تقوى على الاهتزاز , ونجاته ليست مجرد معونة طبية , بل إدراكاً بأن قدرته على (( العشق )) رغم الثمانين هي بحد ذاتها انتصار , وفي حَضرةِ (( العذابِ الثمانيني )) , يتجلى عذابُ المفارقة بين الجسد الخائن والروح الفتيّة , ليصير أقسى ما يعانيه هذا الشيخ هو ذلك (( الانفصام )) الموجع , فروحه استعادت فجأةً خفة العشرين , بينما جسده يرسف في أغلال الثمانين , يحب بقلبٍ يشتهي الركض في حقول الدهشة , لكنَّ قدميه تخونانه عند أول عتبة , إنه عذاب (( السجين الذي رأى باب الزنزانة يُفتح , لكن قيده أقصر من أن يصل إلى العتبة )) .

ثم هناك عذابُ (( الوقت القتيل )) , فالثمانيني لا يحب بوهم (( الأبدية )) كما يفعل الشباب , بل يحب بمرارة (( اللحظة الأخيرة )) , كل نظرة هي وداع , وكل نبضة هي عدٌ تنازلي , هو يعلم أنَّ هذا الحب لم يأتِ ليُبنى عليه بيت , بل جاء ليكون (( آخر شمعة تُضاء قبل هبوب العاصفة )) , هذا الشعور بأنَّ الحب وصل في (( الوقت الضائع )) يجعل من كل ابتسامة غُصة , ومن كل أملٍ حسرة , وكيف يكون عذابُ الكبرياء ؟ فعندما يعشق في الثمانين يعني أن يواجه نظرات العالم التي ترى في وجده (( خرفاً )) أو (( تصابياً )) , هو يداري لوعته خلف مسبحةٍ يفرك حباتها , ويدفن تناهيده في سعالٍ مفتعل , وعذابه هو (( الاحتراق الصامت )) خوفاً من أن يُقال إنَّ وقار الشيب قد هان أمام ريح الهوى , إنه يقاتل ليظل (( وقورا )) في أعين الناس , بينما هو (( طفلٌ ضائع )) في محراب من يحب .

الشيخ هنا لا يشكو ضيق التنفس , بل يشكو ضيق العمرعن استيعاب العاطفة , إنه عذاب (( الوعي المتأخر )) , حيث يدرك الإنسان أنَّ الأمان الذي عاشه طوال عمره كان سجناً , وأنَّ اللحظة التي (( جلطته )) هي اللحظة الوحيدة التي شعر فيها أنه حيّ , ثم كيف يصف بياضُ البرزخ , وذلك الاستيقاظُ الغريب , حين انفتحت أجفانه , لم تكن الرؤية مجرد ارتدادٍ للضوء , بل كانت انفجاراً للألوان في فضاءٍ لم يعهده من قبل , لم يعد السقفُ سقفاً , بل صار ممتداً كغيمةٍ قطنية لا نهاية لها , الأجهزةُ من حوله لم تكن تصدر طنيناً طبياً ممللاً , بل كانت تعزفُ (( إيقاعاً كونياً )) , كأنها عدادُ زمنٍ جديد بدأ للتو من الصفر , ضارباً بعرض الحائط ثمانين عاماً خلت , وشعر بجسده خفيفاً , كأنَّ الجلطة لم تكن جلطة , بل كانت ((عملية تفريغ )) لكل ثقل السنين , وعندما نظر إلى يديه الممددتين على الشرشف الأبيض , لم يَرَ تجاعيداً , بل رأى (( خرائط )) لطرقاتٍ لم يمشِها بعد , وغابَ عنه منطقُ العجز , وحلَّ مكانه ذهولُ الوليد , فتسائل : ((هل متُّ حقاً ؟ أم أنَّ الموتَ هو هذا الصفاءُ الذي يغسلُ ذاكرتي من غبارِ الوقار؟ )) .

إلى الذينَ شاخوا في مرايا العالَمِ , وظلّوا أطفالاً في مَحاريبِ الدهشة , إلى الذينَ لم تَجلطهمْ كوليسترولُ الدماءِ , بل جلطتهمْ فَيَضاناتُ الوفاء , تذكروا دائماً : أنَّ العُمرَ ليسَ أرقاماً تُطوى في سجلاتِ الوجع , بل هو تلكَ (( النبضةُ المتمردة )) التي تأتي في اللحظةِ القاتلة , لتقولَ للموتِ بوقارٍ ثمانيني : (( مهلاً , فما زالَ في الكأسِ بقيةٌ من حنين )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .


المزيد.....




- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...
- التحقق بعد الحرب.. كيف تتحول المعركة من تفنيد المحتوى إلى تف ...
- حسن المسعود .. المغايرة والتجديد في فن الخط العربي
- صراع الروايات بين واشنطن وطهران: حين يسبق التسويق السياسي نت ...
- برلين تفتتح -سود أوست غاليري- معلم الفنون الجدارية في الهواء ...
- من أساطيل البرتغال إلى حاملات الطائرات: هرمز مسرح الصراع عبر ...
- بيت المدى يحتفي بالفنان حسن المسعود
- المعايير العلمية في الخطاب الإعلامي في اتحاد الأدباء
- صوت مصري في فيلم عالمي.. نور النبوي يخطف الأنظار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيُّ الذي قَتلهُ طيف .