أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة الديكتاتور؟















المزيد.....

مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة الديكتاتور؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


هل يمكن للديكتاتورية أن تقهر حركة التاريخ ؟ في صراع أزلي بين (( النسق الإغلاقي )) الذي يفرض الصمت , وبين (( الوعي الانفتاحي )) الذي ينشد الإبداع , تبرز مواجهة ستالين وبوكوفسكي كمرآة تعكس مصير الإمبراطوريات التي قامت على القهر , في هذه المقامة , نرحل من دهاليز الحزب الشيوعي إلى عبقرية (( ابن خلدون )) ومن صمود (( سعيد بن جبير )) إلى محنة (( ابن حنبل )) , لنكتشف كيف تتحول السلطة المستبدة إلى (( حفرية تاريخية )) حين تخنق روح الابتكار , ولماذا تظل الكلمة الحرة هي الرادار الوحيد الذي يبصر الهاوية قبل وقوع الجميع فيها , والتاريخ لا يرحم من يحاول سجن الريح , إليكم قراءة في جدلية القوة والوعي .

نشر أحد الأصدقاء تحت عنوان ((هل يمكن للديكتاتورية أن تهزم حركة التاريخ؟ )) , انه في بدايات عهد جوزيف ستالين , أراد رجل الاتحاد السوفيتي الحديدي أن يكون له جناحاً مؤيداً وداعماً له داخل الحزب الشيوعي وسط نجومه اللامعة ومنافسيه آنذاك مثل (( ليون تروتسكى )) و (( ميخائيل بوخارين )) وغيرهم , فذهب ستالين لمثقف معروف داخل الحزب وقتها وهو الرفيق (( بيدرو بوكوفسكي )) , في ذلك اللقاء بينهم طرح الرفيق (( السياسي )) ستالين على الرفيق (( المثقف )) بوكوفسكي رؤيته ومنهجه وهدفه فى (( السيطرة )) على الحزب والدولة , واقصاء كل من يخالفه أو من يقف ضده , ورد الرفيق المثقف بوكوفسكي على الرفيق السياسي ستالين قائلاً له : (( لا أستطيع أن أكون معك وفي صفك وداعم لمشروعك أيها الرفيق , ببساطة لأن مشروعك هذا مُعادى لحركة التطور ومن ثم معادى لحركة التاريخ )) , وأكمل الرفيق المثقف الواعي لحركة التاريخ كلامه للرفيق السياسي المتعطش للسلطة قائلاً : (( قد ينجح مشروعك هذا أيها الرفيق لبعض الوقت , ولكن ثق في النهاية أنه سيسقط ويتداعى لأن أساسه مبنى على الظُلم والقهر وليس على الاقناع والإبداع )) , وفى النهاية (( مات )) ستالين و(( سقط )) الإتحاد السوفيتي , وانتصرت (( بصيرة )) المثقف على (( رؤية )) و(( طموح )) و(( طمع )) السياسي فى السلطة.

ترمز قصة المواجهة بين ستالين وبوكوفسكي لصراع أزلي بين السلطة المطلقة والوعي الإنساني , وجدلية عميقة حول قدرة الفرد على الوقوف في وجه تيار الزمن , إن انتصار (( بصيرة )) المثقف في النهاية , حتى وإن جاء بعد عقود , يثبت أن القوة المادية قد تكسب المعارك , لكنها نادراً ما تكسب التاريخ .

يشير مفهوم (( حركة التاريخ )) والتحليل الفلسفي والسياسي للمواجهة , وصراع الأنساق بالإقناع مقابل الإكراه , ان اعتماد مشروع ستالين كان على النسق الإغلاقي , أي محاولة صهر المجتمع والحزب في قالب واحد وتحت إرادة واحدة , في المقابل يمثل بوكوفسكي النسق الانفتاحي الذي يؤمن بأن التطور لا يحدث إلا من خلال التدافع الفكري (( الإبداع )) وليس القمع , فعندما قال بوكوفسكي إن المشروع (( معادٍ لحركة التاريخ )) , كان يقصد أن التاريخ يتجه طبيعياً نحو التحرر والتعقيد ,أذ ان الديكتاتورية تحاول تبسيط المجتمع والسيطرة عليه قسراً , وهذا يتناقض مع الطبيعة البشرية التي تميل للتنوع , لذا فإن الاصطدام بين الديكتاتور وحتمية التطور هو مسألة وقت ليس إلا , وذلك هو وهم الديمومة فالسلطة الاستبدادية تعاني من (( قصر نظر )) تاريخي , وهي ترى النجاح في البقاء يوماً إضافياً في الحكم , بينما يرى المثقف أن هذا البقاء هو (( تأجيل للانهيار )) وليس انتصاراً حقيقياً.

يمكن تلخيص الدروس المستفادة من هذه الواقعة التاريخية في النقاط التالية , الأجهزة الأمنية والجيوش قد تحمي النظام , لكنها لا تستطيع حماية (( الفكرة )) إذا ماتت في قلوب الناس , وذلك يعني هشاشة القوة المادية , وأن النظام الذي يقوم على القهر يستهلك طاقته في الرقابة بدلاً من البناء , مما يؤدي لتآكله داخلياً (( كما سقط الاتحاد السوفيتي )) , بما يفيد ان الشرعية لا تُبنى بالخوف , كما ان وظيفة المثقف الواعي ليست التصفيق للسلطة , بل تنبيهها للهاوية التي قد لا يراها السياسي المنشغل بنشوة القوة , ودور المثقف كـ (( رادار )) ليقول ان صمت الشعوب تحت الديكتاتورية ليس (( رضا )) بل هو (( تراكم للاحتقان )) الذي ينفجر لحظة ضعف النظام , وهو مايسمى الاستقرار الزائف.

لماذا سقط الاتحاد السوفيتي وانتصرت (( البصيرة ؟ )) لقد كان ذلك بسبب غياب المرونة , لأن الأنظمة الديكتاتورية تفتقر لآلية (( التصحيح الذاتي )) , وعندما يخطئ الديكتاتور يدفع المجتمع كله الثمن , ولا يوجد من يجرؤ على قول (( لا )) , وأن خنق الإبداع كما قال بوكوفسكي , فالإبداع هو محرك التاريخ , والقمع يقتل روح الابتكار مما جعل الاتحاد السوفيتي يتفوق عسكرياً لكنه يفشل تنموياً واجتماعياً , وحسب قانون التطور لا يمكن حبس إرادة الشعوب في زجاجة للأبد , لأن التاريخ يثبت أن الأنظمة التي لا تتكيف مع تطلعات شعوبها للحرية , تتحول إلى حفريات تاريخية.

إن استحضار الدروس من تاريخنا العربي والإسلامي وتراثنا الأدبي يمنحنا رؤية أعمق , لأن هذا التراث غني بنماذج مشابهة تماماً لموقف بوكوفسكي أمام ستالين , حيث واجهت (( الكلمة )) سطوة (( السيف )) وانتصرت عليها في وجدان الزمن , وتعتبر مواجهة التابعي سعيد بن جبير للطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي نموذجاً تراثياً صارخاً لانتصار بصيرة العالم على طمع السياسي , شجاعة "الكلمة" أمام السلطان والعبرة ان الحجاج قتل سعيداً جسدياً , لكن (( تاريخ )) الحجاج انتهى بلعنات المؤرخين , بينما ظل سعيد بن جبير رمزاً للحق , السلطة التي تقوم على الدم تفقد شرعيتها الأخلاقية وتتحول إلى (( عبرة )) بدلاً من أن تكون (( قدوة )) , ثم في محنة الإمام أحمد بن حنبل (( فتنة خلق القرآن )) في عهد المأمون والمعتصم , حين حُبس الإمام وأُهين لرفضه الرضوخ لرأي السلطة السياسي المغلف بالدين , والعبرة السلطة أرادت (( تأميم )) العقل وتوحيد الفكر قسراً - كما أراد ستالين - لكن صمود فرد واحد كسر هيبة المؤسسة الأمنية , والدرس هنا أن الأيديولوجيا المفروضة بالترهيب تتبخر بمجرد زوال الرهبة , وفي فلسفة (( ابن خلدون )) في عمر الدول , وضع في مقدمته قوانين صارمة لحركة التاريخ , وأكد أن (( الظلم مؤذن بخراب العمران )) , والعبرة يرى ابن خلدون أن الدولة إذا اعتمدت على القهر والاستبداد , فإنها تدخل مرحلة (( الهرم )) والشيخوخة مهما بدت قوية - هذا يفسر لماذا سقط الاتحاد السوفيتي - لقد استنفد (( طاقته العمرانية )) في القمع حتى جفّت منابع الإبداع فيه , وعن الأدب السلطاني (( كليلة ودمنة والعهد القديم )) , لم يكن الأدباء في تراثنا يواجهون الحكام دائماً بالصدام المباشر , بل استخدموا (( الرمز )) - كما فعل ابن المقفع - والعبرة, عندما يضيق الهامش السياسي , يتحول (( المثقف )) إلى حارس للقيم عبر الأدب , القصص التي نُقلت لنا ليست مجرد حكايات , بل هي شيفرات لمقاومة الاستبداد , تخبرنا أن العقل دائماً ما يجد طريقاً للالتفاف على الديكتاتورية.

التاريخ ليس خطاً مستقيماً يرسمه الحاكم , بل هو موج متلاحق , من يحاول الوقوف ضد (( التطور )) كمن يحاول سجن الريح , والمثقف هو الضمير في تراثنا حيث كان يُنظر للعالم أو الأديب على أنه (( لسان الأمة )) وإذا صمت هذا اللسان , ضاعت البوصلة , وإذا نطق , بدأت ملامح التغيير تتشكل حتى لو تأخرت , وسقوط (( الإنسان الآلي )) لأن الديكتاتوريات تحاول تحويل البشر إلى أدوات (( تروس في ماكينة )) , وتراثنا يؤكد أن (( الكرامة )) هي المحرك الأساسي للفعل الإنساني , وبدونها لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يستمر , إن قصة ستالين وبوكوفسكي تذكرنا بأن السياسي يكتب على الرمل , بينما المثقف الواعي يقرأ في حركة النجوم , قد يمحو الموج كلمات السياسي في لحظة , لكن قوانين الكون (( حركة التاريخ )) تظل ثابتة , وأن (( العنف قد يغير اتجاه التاريخ لفترة , لكنه أبداً لا يستطيع إيقاف تدفقه نحو الحرية )) , وختاماً , ما أشبه الليلة بالبارحة , حتمية التاريخ تقول انه كما سقطت إمبراطوريات القمع في تاريخنا القديم تحت وطأة ظلمها , سقطت (( الستالينية )) لأنها نسيت أن الإنسان خُلق حراً ومبدعاً , وليس مجرد رقم في معادلة السلطة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .
- مقامة جيلٍ صاغته المحن : بين مطرقة الوفاء وسندان التضحية.
- مقامة الهلوسة : الخيبات النبيلة .


المزيد.....




- جائزة -الأركانة- العالمية للشعر لسنة 2026 تتوج الشعرية الفلس ...
- الرياض تفتتح أول متحف عالمي يمزج بين تاريخ النفط والفن المعا ...
- الخيول والمغول.. حين يصبح الحصان إمبراطورية
- من هرمز إلى حرب الروايات
- لجنة غزة الإدارية: تكريس الانقسام وتقويض التمثيل الوطني
- حمامة أربيل
- صواريخ ايران
- -أوراقٌ تقودها الرّيح-.. ندوة يونس تواصل إنصاتها الشعري الها ...
- الفنانة المصرية دينا دياب تخطف الأنظار بوصلة رقص من الزمن ال ...
- متحف القرآن الكريم بمكة يعرض مصحفا مذهبا من القرن الـ13 الهج ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة الديكتاتور؟