أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ والضلال .















المزيد.....

مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ والضلال .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


نشر أحد الأصدقاء : (( ذهب فلّاح لجاره يطلب منه حبلاً لكي يربط حماره أمام البيت , فأجابه الجار بأنه لا يملك حبلاً ولكن أعطاه نصيحة وقال له يمكنك أن تقوم بنفس الحركات حول عنق الحمار وتظاهر بأنك تربطه ولن يبرح مكانه , عمل الفلّاح بنصيحة الجار, وفي صباح الغد وجد الفلاح حماره في مكانه تماماً , ولما أراد الذهاب به للحقل , رفض التزحزح من مكانه , رغم انه حاول بكل قوته أن يحركه , حتى أصاب الفلّاح اليأس من تحرك الحمار,فعاد الفلاح للجار يطلب النصيحه , فسأله : هل تظاهرت للحمار بأنك تحل رباطه ؟ فرد عليه الفلاح بـ استغراب : ليس هناك رباط ,أجابه جاره : هذا بالنسبة إليك أما بالنسبة إلى الحمار فالحبل موجود , ولما عاد الرجل وتظاهر بأنه يفك الحبل , تحرك الحمار مع الفلاح دون أدنى مقاومة , ان بعض الناس أيضاً قد يكونون أسرى لعادات أو لقناعات وهمية تقيدهم , وما عليهم إلا أن يكتشفوا الحبل الخفي الذي يلتف حول عقولهم ويمنعهم من التقدم للأمام )) .

هذه القصة رائعة جداً وتلمس وتراً حساساً في التنمية الذاتية , وهي ليست مجرد حكاية طريفة عن حمار وفلاح , بل هي مختبر نفسي عميق يلخص الكثير من السلوكيات البشرية , فالحبل الوهمي , يمثل (( القيود الذهنية )) أو العادات والتقاليد والمعتقدات التي نتبناها دون تمحيص , والحمار يمثل النفس البشرية عندما تستسلم للمألوف وتخاف من التغيير , ليس غباءً بالضرورة , بل لشدة (( البرمجة )) التي تعرضنا لها , والفلاح يمثل المجتمع أو البيئة المحيطة التي قد تضعنا في قوالب معينة (( سواء بقصد أو بدون قصد )) , وخلاصة القول : نحن لا نرى العالم كما هو , بل نراه كما نحن , فإذا كانت عقولنا مقيدة بـ (( حبال وهمية )) , فسيظل العالم بالنسبة لنا مكاناً محدوداً وضيقاً.

ان أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا نرى قضبانها , الحمار لم يتحرك لأنه (( صدق )) وجود الحبل , وبالمثل , الكثير من الناس لا يحققون أحلامهم لأنهم يؤمنون بجمل وهمية مثل : (( أنا لا أستطيع )) , (( هذا مستحيل )) , أو (( هذا ما وجدنا عليه آباءنا )) , وهو مايسمى ((سجن القناعات )) , وأحياناً تكون العوائق التي تمنعنا من التقدم ليست مادية - نقص مال أو موارد - بل هي عوائق نفسية , نحن ننتظر (( إذناً )) من الآخرين أو (( ظروفاً مثالية )) لنبدأ , تماماً كما انتظر الحمار حركة (( فك الحبل )) الوهمي , وتشير القصة إلى أن تكرار الفعل - الحركات حول الرقبة - خلق واقعاً جديداً في ذهن الحمار , نحن أيضاً نُبرمج يومياً عبر الإعلام , التربية , والأصدقاء , و (( الحبل الحديث)) لم يعد حركات وهمية حول الرقبة , بل هو(( شاشة )) أو (( خوارزمية )) تقيد انتباهنا , وإذا لم نراجع ما نؤمن به , سنظل نتحرك أو نتوقف بناءً على رغبة (( المُبرمج )) , ولكي يتحرر الإنسان ,عليه أولاً أن يعترف بوجود (( الحبال الخفية )) , فالحل لم يكن في ضرب الحمار أو جره بالقوة , بل في مخاطبة (( المنطق )) الذي قيده , اذ ان التغيير يبدأ من الداخل بفك الحبل .

(( لحبل الحديث )) لم يعد حركات وهمية حول الرقبة , بل هو(( شاشة )) أو (( خوارزمية )) تقيد انتباهنا : تزخر الذاكرة التاريخية والتراثية تحاكي قصة (( حبل الحمار الوهمي )) في جوهرها , وأن (( القيود الذهنية )) أشد فتكاً من السلاسل الحديدية , كمبدأ العجز المتعلم في تجربة الفيلة في عالم تدريب السيرك قديماً , وتعتبر التوأم الواقعي لقصة الحمار, حيث يتم ربط الفيل وهو صغير بسلسلة حديدية قوية وشجرة ضخمة , يحاول الفيل الصغير التحرر مراراً ويفشل حتى (( يقتنع )) أن السلسلة أقوى منه , وعندما يكبر الفيل ويصبح وزنه أطنانًا وقادرًا على اقتلاع الشجرة بجذورها , يربطه المدرب بـ خيط رفيع وتد خشبي صغير , والنتيجة , لا يحاول الفيل الهرب أبداً , ليس لأن الخيط يمنعه , بل لأن (( الفكرة - الوهم )) داخل رأسه تخبره أن الهرب مستحيل , وفي التاريخ الرياضي حتى عام 1954 , كان الأطباء والرياضيون يؤمنون يقيناً أن جسم الإنسان ((عاجز بيولوجياً )) عن قطع ميل واحد في أقل من 4 دقائق , وأن قلب الإنسان قد ينفجر إذا حاول ذلك , بحيث ظل هذا الرقم صامداً لعقود كأنه (( حبل وهمي )) يربط أرجل العدائين , حتى جاء العداء روجر بانيستر وحطم الرقم القياسي فكسر هذا الحاجز , والعبرة انه بمجرد أن تحطمت القناعة الوهمية , قام أكثر من 20 عداءً بكسر نفس الرقم في العام التالي مباشرة , هنا الحبل لم يكن في أرجلهم , بل في عقولهم.

في التراث الفلسفي , هناك أسطورة الكهف لأفلاطون الذي قدم واحدة من أعمق الصور التراثية عن الأسر الذهني , حين تخيل سجناء مقيدين في كهف منذ ولادتهم , وجوههم للحائط ولا يرون إلا ظلال الأشياء التي تمر خلفهم , بالنسبة لهم , الظلال هي الحقيقة الوحيدة , والصدمة تكون عندما يتحرر أحدهم ويرى الشمس والأشياء الحقيقية , يعود ليخبرهم , فيسخرون منه ويظنونه مجنوناً , ومن الطبيعي ان العبرةهي (( السجناء هنا ليسوا أسرى الجدران , بل أسرى - المنظور - الذي تعودوا عليه , ويرفضون التحرر من (( وهم الظلال )) .

يا صاحبي , أليست هذه الحبال الوهمية التي ترينا كَيْفَ يرسُفُ الإنسانُ في أغلالِ الفِكَر , وهي ذاتها التي وصفها عالم الاجتماع علي الوردي حين تحدث عن (( قوالب الفكر )) التي تمنع الإنسان من رؤية واقعه كما هو؟ وكأن الوردي كان يرى في حبل الحمار ذلك (( الإطار )) الذي يحبسنا فيه المجتمع , فنرى الحقيقة من ثقب القالب لا من رحابة الواقع , وإنَّ (( الحمارَ )) في القصةِ ليسَ بدويّاً ضلَّ الطريق , بل هو مَجازٌ لكلِّ مَنْ يخشى التحليق , وخيطُ الفيلِ هو ذاك الخوفُ القديم الذي يهمسُ في أذنيك: (( لقد فشلتَ صغيراً , فلا تحاول كبيراً )) , ودقيقةُ بانيستر هي تلك القناعةُ التي تقول: (( هذا ما وجدنا عليه آباءنا , وما نحنُ بمغيرين )) , اما ظلالُ الكهفِ فهي ضوضاءُ الحشودِ التي تمنعُك من رؤيةِ نورِ الحقيقة , وتُجبرك على عبادةِ الصورةِ والوثيقة , فكم منّا اليومَ مَنْ يمتلكُ القوة , لكنه يقفُ مشلولاً عندَ الفجوة ؟ ينتظرُ (( يدَ الجار )) لتمسحَ عن عنقِهِ وهماً , وتفُكَّ من معصمِهِ عَدماً , نحنُ أسرى لـ (( خيوطِ خفية )) , نُسجت من غزلِ العاداتِ المبالغِ فيها , وحبالِ الخوفِ التي لا حقيقةَ لمبانيها.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .
- مقامة المعايدة .
- مقامة رتق معاوية وفتق الجواهري : ضريبة الفكر في زمن النوم.
- مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات ب ...
- مقامة نضج .
- المقامة الجواهرية بين اليأس والبأس .


المزيد.....




- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ والضلال .