أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوهاب ونجاة شفرات القلب؟















المزيد.....

مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوهاب ونجاة شفرات القلب؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:56
المحور: الادب والفن
    


تعد أغنية (( شكل تاني )) قيثارة فنية صاغها الشاعر المبدع حسين السيد , ولحنها الموسيقار العبقري محمد عبد الوهاب , لتشدو بها القامة الرفيعة نجاة الصغيرة , لم تكن هذه الأغنية مجرد لحن عابر في الستينات , بل كانت ثورة هادئة في التعبير عن العاطفة , ومرآة عكست رقي الوجدان في ذلك العصر الذهبي , حيث كان جيل الشباب يبحث عن لغة تجمع بين الرومانسية الكلاسيكية وبين التجدد والجرأة في التعبير عن المشاعر, ولهذا جاءت (( شكل تاني )) لتقدم نموذجاً للرقي العاطفي , وعلمت الشباب أن الحب ليس مجرد كلمات , بل هو حالة ذهنية وروحية تغير نظرتنا للكون , وقدمت الحداثة اللحنيةمن خلال موسيقى عبد الوهاب بلمساتها الغربية الممزوجة بالشرق الأصيل , اذ جعلت الأغنية (( موضة )) فنية تتردد في المقاهي والبيوت والجامعات , اضافة لصوت نجاة بحنجرتها التي تشبه (( الهمس المسموع )) , والتي استطاعت أن تجعل الحب يبدو قضية شخصية جداً لكل مستمع , مما خلق رابطاً عاطفياً وثيقاً مع جيل الستينات.

اكثر بيت ترسخ في الوجدان الكامن لذلك الجيل , عندما تقول نجاة : (( من حنانك يومها وانت بتصالحني كنت عايزه أقولك قوم خاصمني )) , فهذا البيت تحديداً ليس مجرد شطر شعري , بل هو (( مانيفستو)) لمنطق القلب الذي لا يخضع لمنطق العقل , وعندما نصل إلى هذا البيت بالتحديد , نكون أمام ذروة (( سيكولوجية الحب )) حيث تتصادم المشاعر وتتناقض بطريقة مذهلة , اولها الشعور بلذة الاسترضاء (( الخصام الجميل )) , ففي قانون العشق , يكون (( الصلح )) بعد الخصام هو اللحظة الأكثر عذوبة , نجاة هنا تصف حالة من الغمر العاطفي , فالحنان الذي أبداه الحبيب وهو يصالحها كان من الرقة والجمال لدرجة أنها تمنت لو (( يخاصمها )) مرة أخرى فوراً , فقط لكي تعيش لحظة (( الصلح )) وتذوق ذلك الحنان مجدداً.

كما انه هناك الخوف من انتهاء اللحظة , لأن الحب الحقيقي يتسم دائماً بالقلق من فناء اللحظة الجميلة , وقولها (( قوم خاصمني )) هو تعبير مجازي عن الرغبة في (( إطالة أمد التدليل )) , وهي تخشى أن ينتهي الصلح فتعود العلاقة إلى مجراها العادي (( الروتين )) , فتطلب الخصام لتستبقي حالة (( الاهتمام الاستثنائي )) التي تظهر في عيني المحب وهو يعتذر , ويجسد هذا البيت التمنّع الدلالي (( التمرد العاطفي )) ودلال المرأة في أبهى صوره , هو نوع من التمرد المحبب , حيث يشعر المحب بفيض من القوة العاطفية تجعله يرفض السلام السريع , ويفضل البقاء في دائرة (( المحايلة )) والاستعطاف , لأن في ذلك تأكيداً مستمراً على مكانته في قلب الطرف الآخر.

ثم نأتي الى التناقض الوجداني , ببساطة , المعنى يقول : (( لقد كان صلحك حلواً لدرجة أنني كرهت انتهاءه )) , فالحالة الأولى , الخصام (( مرارة )) , والحالة الثانية , الصلح (( حلاوة )) , والنتيجة , الرغبة في العودة للمرارة (( الخصام )) من أجل الوصول للحلاوة (( الصلح )) مرة أخرى , إن نجاة الصغيرة في هذا البيت لم تكن تغني كلمات , بل كانت ترسم لوحة لقلب امرأة تجد في ضعف حبيبها أمام عينيها قمة قوتها , وفي اعتذاره قمة مجدها العاطفي , لقد كانت (( شكل تاني )) وستظل مدرسة في فن التعبير عن (( ما لا يقال )) ودرساً في كيف يمكن للكلمة البسيطة أن تحمل أبعاداً فلسفية ووجدانية تلامس شغاف القلب عبر الأجيال.

دعنا نغوص في الطبقات الأعمق لهذه الحالة الوجدانية الفريدة , ونناقشها من باب فلسفة (( الارتواء بالاهتمام )) , اذ في العلاقات الإنسانية , يُعتبر (( الخصام )) منطقة جفاف عاطفي , و(( الصلح )) هو المطر , لكن في البيت , نجد حالة من الارتواء الفائق , الحنان الذي قدمه الحبيب أثناء الصلح كان (( دفقاً )) شعورياً غامراً , لدرجة أن المحبوبة شعرت بأنها تريد أن تظل تحت هذا (( المطر )) إلى الأبد , هي لا تطلب الخصام لذاته , بل تطلبه لأنها اكتشفت أن الحبيب في حالة الاعتذار يكون في أرقّ حالاته , وأكثرها صدقاً وقرباً.

وهناك سيكولوجية (( الاحتياج للتدليل )) , فعبارة (( كنت عايزه أقولك قوم خاصمني )) تعكس حاجة فطرية لدى المحب في أن يكون (( محور الكون )) للطرف الآخر , وعندما يصالحك شخص ما , فإنه يضع كل تركيزه , حواسه , وكلماته الرقيقة في خدمتك , ونجاة هنا تصف تلك (( الأنانية العاطفية المحببة )) فهي استعذبت دور (( المُصالح بفتح اللام )) الذي يُرجى رضاه , وأرادت أن تعيد الكرة مرة بعد مرة لتشعر بتلك السطوة العاطفية التي يمنحها إياها اعتذار الحبيب , والى الهروب من (( هدوء ما بعد الصلح )) بأعتبار ان هناك لحظة مخيفة في الحب , وهي اللحظة التي ينتهي فيها الصلح ويعود كل شيء (( طبيعياً )) , هذا الهدوء قد يبدو للمحب الشغوف نوعاً من الفتور, لذلك , تأتي الرغبة في الخصام كنوع من (( المشاغبة العاطفية )) , فهي تريد إبقاء شعلة العاطفة متقدة , وترفض العودة إلى (( الاستقرار البارد )) , والخصام هنا هو (( وقود )) لإعادة إنتاج مشاعر اللهفة من جديد.

كيف استقبلها شباب الستينات ؟ بالنسبة لشاب أو فتاة في ستينات القرن الماضي , كان هذا البيت يمثل (( قمة الرومانسية الحديثة )) , لم يكن حباً خاضعاً أو حزيناً , بل كان حباً فيه (( ندية )) و(( دلال )) و(( ذكاء وجداني )) , لقد علمتهم الأغنية أن الحب (( لعبة )) ممتعة من الشد والجذب , وأن القوة ليست في القسوة , بل في القدرة على جعل الحبيب يعتذر بهذا الرقي , والخلاصة , حينما غنت نجاة (( قوم خاصمني )) لم تكن تدعو للفرقة , بل كانت تقول لحبيبها بلسان الحال: (( إن طريقتك في ترضيتي أجمل من الرضا نفسه , فلا تحرمني من هذا الدلال )) .

عندما غنت نجاة أغنية (( شكل تاني حبك إنت )) وضعت مفهومًا جديدًا للحب لدى عشاق ذلك الزمان , حيث الأيمان بأن لكل حبٍ فترة عمرية وتحديات تختلف عن الآخر , لكن ما هو الحب الذي يدفع لقول , كان حبه شكل تاني ؟ بدايةً لأنه لم يأتِ على صهوةِ جوادٍ من خيالٍ , ولم يُولدْ من قصيدةٍ تداولها العابرون , بل كان سَكَينةً أبديةً هبطت على روحٍ مُتعَبة , حيثُ تنام المخاوف العتيقة والأسرارُ التي لمْ تُبصر النور , لم يكنْ فصلاً من كتابٍ يُطوى , بل هو الكتاب كله , يبدأُ حيث ينتهي كُلُّ شيء وينتهي حيث يبدأُ كُلُّ خلود , حبٌ يحتضن فوضى جاهدت عبثًا إخفائها , منظار يبصر أمورًا تخاف معرفتها , أعاد صياغة الذات , فأطلق النسخة الأصدق , واحسرتاه أن هذا النوع من (( الدلال العاطفي )) لم يعد موجوداً في لغة الحب المعاصرة , لأن إيقاع الحياة السريع جعلنا نفضل (( الصلح المباشر )) بدون هذه التفاصيل الوجدانية .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .
- مقامة نخيل العراق في برد الشمال : ساجدة الموسوي حين توجعها ا ...
- مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً.
- مقامة الحرية بين وعي إيلوار وخوف الشرق .


المزيد.....




- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...
- نص سيريالى (زمن يَرتَدِي وَجهِي وَيهدِم أوْطاني) محمد أبوالح ...
- أزمة -الجناح الروسي- تعصف ببينالي البندقية 2026
- أمين المجلس الإعلامي للحكومة الإيرانية محمد كلزاري: الفرق ا ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- توبوريا يكشف كواليس الشراكة مع رونالدو في فنون القتال المختل ...
- تضارب الروايات بشأن مضيق هرمز: واشنطن تعلن العبور لتطهير الأ ...
- بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف ...
- بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوهاب ونجاة شفرات القلب؟